بين ثقافة الدولة وثقافة السلطة
جواب ضياء الشكرجي على سؤال الصباح الثقافية
سؤال الصباح الثقافية:
من المسؤوليات الملقاة على وزارة الثقافة في المرحلة الدائمة التمييز بين البرامج الثقافية للسلطة وتلك البرامج للدولة. كيف السبيل إلى ترسيخ الأخيرة؟
من المعلوم أن الأمم لا تزدهر ما لم تزدهر ثقافتها، ولا يتحقق لها شموخها ما لم يتألق نتاجها الثقافي، كما إنه من المعلوم أن الثقافة لا تزدهر ولا تتألق بالتقليد والاجترار، بل بالإبداع والتجديد، كذلك من المعلوم إن الإبداع لا يكون إلا بتوفير مناخه اللازم له، ومناخ الإبداع الثقافي اللازم له هو الحرية، حرية من الداخل في تحرير المثقف نفسه من أسر تقديس الموروث، وحرية من الخارج في التطبيق الصحيح لمبادئ الديمقراطية، التي يكفلها الدستور على صعيد التقنين، وتكفلها الدولة ومؤسساتها على نحو التطبيق الملتزم بذلك بالدستور. إذن من واجبات الدولة الديمقراطية الحديثة أن توفر مناخ الحرية للثقافة والمثقفين، فكل خنق لهذه الحرية ولو بمسميات تحاول أن تشرعن هذا الخنق، كمسمى الثقافة الموجهة، والأدب الموجه، والفن الموجه، والإعلام الموجه، ما هو إلا أساليب لقتل روح الإبداع الثقافي في الأمة، وبالتالي شل طاقتها في التقدم والازدهار. ومن لوازم الحرية التي يجب على الدولة الديمقراطية توفيرها هو وعي لازم من لوازم التقليد الديمقراطي، والالتزام المساوق للوعي بذلك التقليد، ألا هو - أي ذلك اللازم للتقليد الديمقراطي - هو الفصل بين ما هي البرامج الثقافية والإعلامية للدولة، وما هي البرامج الثقافية والإعلامية للسلطة، باعتبار أن الدولة تمثل العنصر الثابت، بينما السلطة تمثل العنصر المتحول على ضوء مفهوم التداول السلمي للسلطة، ومن هنا لا يجوز للسلطة أن تـُؤدلج الثقافة أو تـُسيسها طبقا لإيديولوجيتها السياسية. فالثقافة التي تنتجها البرامج الثقافية للدولة تستوعب ثقافة السلطة كما تستوعب ثقافة المعارضة، وتستوعب ثقافة من يتحرك داخل دائرة العملية السياسية، كما تستوعب ثقافة من يتحرك خارج هذه الدائرة، لأنها تستوعب السياسي وغير السياسي، باعتبار أن السياسة في بعدها الفكري والثقافي لا تمثل إلا عنصرا من عناصر الثقافة، ولذا لا يجوز اختزال الكل في الجزء، أو إخضاع الكل للجزء، بل الكل أي الثقافة هي الحاكم ثقافيا ولا نقول تنفيذيا على الجزء أي السياسة.
وهذا يحتاج إلى تحديد دقيق لدور وزارة الثقافة، ففي الوقت تكون فيه هذه الوزارة منبثقة من الحزب الحاكم أو من الائتلاف الحكومي، تحفظ لنفسها استقلاليتها عن السلطة، باعتبار السلطة هنا في إطار وزارة الثقافة هي سلطة راعية وحاضنة وليست سلطة حاكمة، أي إنها تكون خادمة للثقافة، وليست حاكمة عليها. بهذه الطريقة نستطيع أن ننتج فنا وأدبا وشعرا وفكرا إبداعيا للوطن وللإنسان، وليس للحاكم، لأن جعل الثقافة في خدمة الحاكم يعني قتل روح الإبداع الثقافي، وبالتالي قتل أهم طاقة من طاقات تشكيل ملامح شخصية الأمة الثقافية، التي تريد أن تكون منافسا كفءً للنتاج الثقافي الإنساني عموما.
ضياء الشكرجي
04/06/2006
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::