كيف نسخر الفن لقضايا الوطن والإسلام والإنسانية
ضياء الشكرجي
في السنوات التي كنت كثير السفر بين مدن ألمانيا وأحيانا مدن الدول الأورپية المجاورة فيما كانت تتطلبه النشاطات الإسلامية والسياسية والثقافية، وفي إحدى تلك السفرات بسيارتي الخاصة كنت أبحث في الراديو عن محطة تبث برامج ثقافية واجتماعية أكثر مما تبث من غناء وموسيقى كما هو شأن معظم المحطات، توقفت عند أغنية وجدت أن كلماتها تختلف عن المعهود. كانت الأغنية تقص قصة طفل كان أبوه سائق شاحنة، وكان أحيانا يصطحبه معه في العطل الصيفية، وفي مرة من المرات حدث حادث اصطدام أودى بحياة أبيه وجعل هذا الطفل مقعدا. وورث الطفل من أبيه جهاز الاتصال الذي كان يستخدمه لمخاطبة بقية سواق الشاحنات عند الضرورة وورث عنه ذكريات تلك السفرات التي كان يصطحبه أبوه فيها. الأغنية تصور الطفل وهو يخاطب بهذا الجهاز سواق الشاحنات اللاتي يكون مرورهن من الآوتوبان (الطريق السريع) الواقعة قريبا من بيتهم، وصورت الأغنية حوارا غاية في الرقة والأبعاد الإنسانية لا أتذكر كل مضامينها مما دار بينه وبين زملاء أبيه الذي فقده في ذلك الحادث، ثم تصور الأغنية، كيف يتتبع سواق الشاحنات موجات الاتصال التي تدلهم على مصدر صوت ذلك الطفل، حتى ينتهي المشهد بأن يجتمع عدد غير قليل من الشاحنات حول البيت الذي كان الطفل يطل من نافذته وهو يخاطب أعمامه زملاء أبيه. الأغنية تصور تلك العلاقات الإنسانية الرقيقة والمثيرة للعواطف الإنسانية بشكل رائع مبتعدة بذلك عن النصوص المعهودة التي تتناول قضايا الحب والعشق والغرام على الأعم الأغلب. هذه الأغنية وتجارب أخرى لا يسعني أن أعددها جعلتني أفكر دائما كم يمكن للفن على مستوى الأغنية أو النصوص الشعرية المغناة وعلى مستوى المسرحية والفلم السينمائي وعلى مستوى اللوحة الفنية في مجال الخط والزخرفة أو الرسم من أن يقوم بدور إنساني واجتماعي رائع بحيث يؤدي في كثير من المجالات ما لا تؤديه المحاضرة والكتاب ومجلس العزاء أو قصيدة الرثاء الحسينيين، هذا دون إلغاء تلك الآليات التقليدية، بل مع إدامتها وتطويرها وتشذيبها، لا بد من البحث عن آليات أخرى. وأعود إلى الأغنية، فإن للأغنية جمهورها، وقد يكون من هذا الجمهور ممن يتعاطى مع بعض الآليات التقليدية الأخرى أو ممن هو بعيد عنها كل البعد. وفي تصوري أن هؤلاء الناس الذين يحبون الاستماع إلى الغناء، والذين يطربون بأغاني الحب والغرام ويستأنسون بها، سيجد - إلم نقل كلهم فجلهم - متعة أيضا في الاستماع إلى الأغنية ذات المضامين الأخرى. إني لا أدعو إلى الأغنية أو التوشيح الديني التقليدي فقط، ولا إلى النشيد الوطني التقليدي أيضا وحسب، بل أريد أن تستخدم نفس أطوار وألحان الأغاني التي يجد مستمعوها متعتهم في الاستماع إليها، تماما كما يستفيد غالبا (رادود) الرثائية الحسينية (اللطمية) من ألحان كثير من الأغنيات. ويمكن أن تكون نصوص هذه الأغاني الحزينة منها والمفرحة والمنظومة بالشعر القريض أو الشعر الشعبي بالمضامين التالية على سبيل المثال:
أغاني تحبب تارة إلى الطفل الصغير أو إلى عموم المواطنين الكبار قيمة أخلاقية أو إنسانية ما، كأن تكون هذه هي قيمة الصدق، أو العفو، أو العطاء، أو ... ولا يجب بالضرورة أن ترتبط هذه المعاني الإنسانية والأخلاقية بمفاهيم دينية، بل يمكن أن يكون النص مما يخاطب الإنسان عموم الإنسان ويحرك فيه العاطفة الإنسانية.
أغاني تشد الإنسان المؤمن بالله إلى ربه، سواءً كان هذا الإنسان مسلما أو مسيحيا أو صابئيا أو من أي دين كان، حتى لو كان من المؤمنين بالله من الذين لا ينتمون إلى دين.
أغاني تحرك في الإنسان حب الوطن مع التأكيد على معاني تخرج عن التغني التقليدي بالوطن، بل مما نحتاجه في مرحلتنا، كبث معاني الاعتدال بشكل يبعدنا عن التطرف والغلو لما يختزنه ذلك من مخاطر وأضرار، ومعاني التعددية بشكل يربي المواطن على تحمل ظاهرة الاختلاف والتنوع في الرؤى، أو يحرك فيه الإحساس بالمسؤولية تجاه الصالح العام، أو يحبب إليه النظام والنظافة، أو التعامل الأخلاقي في الشارع. وهنا يبقى إبداع الشاعر كيف يوصل هذه المعاني إلى قلب المستمع من غير تكلف، ومن غير أن يجعل النص يحلق في المثال دون أن ينزل إلى الواقع ودون أن يكون قادرا على تحريك الأحاسيس الإيجابية.
أغان إسلامية تبرز الوجه الإنساني المشرق للإسلام.
أغان تشد إلى الشخصيات الإسلامية النموذجية، كشخصية رسول الله (ص) وشخصيات أهل بيت النبوة، وتعمق عواطف الحب والولاء، وفيما تتناول معاني الفرح تارة ومعاني الحزن تارة أخرى.
وهناك الكثير الكثير من المعاني والمضامين التي يمكن ان تتناولها الأغنية الهادفة دون أن تفقد الجنبة الإبداعية الفنية في اللحن والأداء والموسيقى، مع مراعاة بعض الضوابط التي لا تخرج المستمع من وقاره إلى حالة الاهتزاز الذي يفقد التوازن ويقرب اللحن من أجواء اللهو المفرط واللغو اللامسؤول. لا بد من التفنن لشد نفس المستمعين التقليديين إلى الأغاني التقليدية، مع شد جمهور جديد من المستمعين من الذين لا يحبون الاستماع إلى أغاني اللهو واللغو والاستغراق في العشق والغرام. لا بل هناك حتى بعض أغاني الحب مما يحمل الكثير من المضامين الإنسانية، فعندما استمعت صدفة قبل أيام إلى المغني العراقي الذي يجيب حبيبته التي يرغب في الزواج منها على سؤالها عن حالته الاجتماعية، فتتناول الأغنية التي تبدأ بـ "تسألين عن حالي وَنا على گد حالي" إشكالية التفاوت الطبقي بين حبيبين من طبقتين متفاوتتين، وتتناول أهمية القيم المعنوية التي لا تغني عنها كل مفردات الترف والرفاهية المادية. وهناك أمثلة كثيرة أخرى.
وهنا لا بد من الإشارة إلى تمسك الغناء الديني التقليدي بألحان الموشحات، ظنا من أن الموشحات هي وحدها المسموح بها دينيا، غافلين عن أنها لا تمثل إلا ألحان عصر من العصور وبيئة من البيئات، فإننا لا بد أن ننزل الأغنية الهادفة، سواءً كانت دينية بالمعنى الأخص أي إسلامية، أو دينية بالمعنى الأعم فيما يشترك فيه المسلم وغيره من الارتباط بالله سبحانه وحبه والتوكل عليه وغير ذلك من المعاني كذكر الله بصفات جماله وكماله وجلاله وما أبدعه في خلق الكون والتأمل في مفردات هذا الكون، أو كانت إنسانية أخلاقية أعم من أن تكون دينية أو وطنية أو سياسية أو مفاهمية، نريد أن ننزلها بمستوى الأغاني ذات الثقل الفني الإبداعي نصا وتلحينا وأداءً مما هو بوزن أغاني أم كلثوم وفيروز وعبد الحليم حافظ وغيرهم.
أما بالنسبة للمسرح، فالمسرحية والتمثيلية أو المسلسلات التلفزيونية والفلم السينمائي، كل ذلك يمكن أن يقوم بدور أكثر فاعلية في المجالات التالية:
الإنسانية العامة التي تتسع للمؤمنين بدين من الأديان وغيرهم من المؤمنين بالقيم الإنسانية بقطع النظر عن الدين.
الإيمانية العامة بما هو أشمل من أن تكون إسلامية خاصة.
الإسلامية العامة التي تستوعب كل المذاهب.
الإسلامية في خط الولاء لأهل البيت (ع).
الوطنية.
فأنت في كل مجال تستطيع أن تخاطب شريحة تتسع وتضيق وتتنوع وتتعدد، بل حتى المسرحية أو فيما ذكرنا عن الأغنية الإسلامية يجب أن تكون قادرة على شد الإنسان غير المتدين، وحتى القطعة الفنية الموالية تكون بشكل يستأنس بها المسلم من المذاهب الأخرى كما يستأنس بها الموالي لأهل البيت (ع). نعود إلى المسرحية وكل صيغ التمثيل المسرحي والتلفزيوني والسينمائي، فأقول مثلا أن فلما كفلم الرسالة أدى أكثر مما أدت الكثير من كتب السيرة والكثير من المحاضرات الإسلامية، وهكذا بالنسبة لفلم عمر المختار وغيرهما.
إنني لا أدعو إلى الفن الهادف على نحو ما تتبناه الأنظمة الديكتاتورية والشمولية، أو ما اعتمدته الثورات، ولا أريد للفن أن يختق في أطر إيديولوجية وفي هدفية متكلفة، بل أريد أن يبقى الفن على عفويته واسترساليته وحريته وإبداعه، ولكن أريد لهذا الفن أن يتأنسن ويبتعد عن إغراق المجتمع في حالات التميع واللامبالاة الاجتماعية والفراغ الثقافي وتعاطي الفن على نحو الإدمان كما المخدرات والعقاقير، أو إغراق المجتمع في اللغو واللهو المحضين اللذين لا فائدة ترتجى منهما.
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::