اشتراطات المشهد الثقافي العراقي في المستقبل 

 

ضياء الشكرجي

 محاضرة ألقيت في اتحاد الكتاب والأدباء العراقيين في بغداد في 4 نيسان 2004

 

إنما الأمم بما تبني من حضارات. والحضارة لا تولد عادة ولادة طبيعية ومن غير تشويه خلقي إلا إذا ولدت من رحم الثقافة، أعني الثقافة الحرة والمسؤولة في آن واحد. والعراق كان عبر كل العصور منتجا للثقافات، ولطالما كان بانيا لصرح حضاري شامخ.

 

وعندما أتكلم عن ثقافة حرة ومسؤولة، فلأن الحرية قلب الثقافة، والمسؤولية عقلها. ولأني كما سيأتي أشبه الثقافة بالكائن الإنساني، فلا بد له من اجل أن تكون ثقافة حية، وثقافة معطاءة من أن يكون لها قلب وأن يكون لها عقل.

 

أما الحرية للثقافة فهي كالماء والهواء للحياة. وضرورة الحرية للثقافة تتأتى من حيث حقيقة أن الثقافة تختنق في مناخات الإرهاب والقمع، وإن أرادت أن تتنفس وتعيش في هذا المناخ، فهي ما بين كلمة حرة مذبوحة، وكلمة قبلت أن تـُستعبَد، واختارت الخضوع للمسخ الإنساني، ومن ثم المسخ الثقافي. وتبقى الكلمة الحرة في أجواء الاختناق غير مسموعة ما بين صخب الممسوخين ورعب المرعوبين وجبروت الطغاة.

 

اليوم نملك كعراقيين فرصة أن نكون .. أن نحيى .. أن ننتج من جديد ثقافة حرة ومسؤولة .. تسهم في البناء والإبداع الحضاري. فكيف نريد للمشهد الثقافي أن يكون، كي نكون من جديد كما كنا دائما منتجي ثقافة إنسانية معطاءة؟ وحيث أن المثقف هو الذي ينتج الثقافة، وحيث أن فاقد الشيء لا يعطيه، وحيث أن الثقافة التي نريد أن ننتجها يجب من أجل أن تنطلق في آفاق الإبداع أن تكون ثقافة حرة، نحتاج كشرط أول إلى أن يتحرر المثقف أولا من الداخل، بعدما تهيأت له أسباب التحرر من الخارج.

 

ولنسأل أنفسنا ما معنى أن يتحررالمثقف من الداخل. أن تكون حرا لا يكفي أنك عشت في سني القمع روحية الأحرار وأصررت على رفضك لاستعباد الإنسان للإنسان، طالما كنت أنت وكانت كلمتك ملاحقـَين من أجهزة القمع والظلم والاستعباد. بل أن أكون حرا وتكون حرا، هو أن نتعلم كيف نحرر ذواتنا من كل مخلفات الاستعباد، لأن لطالما اكتسب المظلوم الكثير من أمراض الظالم، إذ ربما تسربت إلى داخل المظلوم في لحظة غفلة عن إنسانيته، عندما كان مستغرقا في ذاته الخاصة بسبب معاناة تلك الذات من وطأة الظلم، دون الالتفات إلى عمق القضية في أنها ليست قضيته الذاتية بل قضية الإنسانية برمتها، وقضية الإنسان كإنسان. فمثل هؤلاء الذين يستغرقون في مأساتهم الذاتية، ويعيشون الغفلة عن إنسانيتهم حتى في لحظات النضال الملتهب من أجل القيم الإنسانية، سرعان ما يتخلقون بأخلاقية الظلمة عندما يوضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، فالواحد من هؤلاء حتى مع عدم ممارسته للقمع والإرهاب الفيزيائيين تجاه الآخر الثقافي، تجده يمارس الإرهاب النفسي تجاه من يختلف معهم، فيكفـّر هذا ويخوّن ذاك.

 

وكل من قضية التحرر من الداخل والتحرر من الخارج يمثلان عاملين متكاملين في تكوين المثقف الحر، والذي ينتج بالتالي ثقافة حرة. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن التحرر الداخلي للمثقف هو الأهم، لأن الذي يعيش تحت وطأة القمع والاضطهاد والطغيان، قد يُمنـَع من أن تنطلق كلمته إلى الهواء الطلق، ولكنه عندما يعيش التحرر من الداخل، يجعله هذا الضغط الخارجي في موقع التحدي، ولا أقصد التحدي السياسي بل التحدي الثقافي، وإن كنت لا أريد أن أفصل بين الثقافة والسياسة، ومن خلال هذا التحدي، والذي يجعل المثقف المتحرر من الداخل يعيش حالة التمرد الداخلي، وكثيرا ما يؤدي هذا التمرد الداخلي الذي يواجه التحديات الخارجية الكبيرة ينتج إبداعا فكريا لا ينتجه المثقف الذي يعيش مناخات الأمن والحرية والاسترخاء، فالمحنة وشدة وطأتها تكون هنا عاملا من عوامل الإبداع الفكري والثقافي. وبعكسه الذي لم يتحرر من الداخل عندما تزول عنه عوامل القمع الخارجي، وعندما يتحرر من قيود وأغلال الطغيان السياسي، سرعان ما قد يتحول هو إلى طاغية ثقافي، لأنه كما بينت في لحظة الاستغراق في الذات والغفلة عن إنسانيته لم يستطع أن يتوقى من أن تصيبه عدوى المرض الذي كان الطاغية مصابا به.

 

ولكن قد تمثل هذه الحالة استثناءً، إذا أني أجد أن أجواء الحرية في الحالات الاعتيادية لا الاستثنائية هي التي تكون مؤهلة أكثر لإنتاج الإبداع الثقافي والمثقفين المبدعين. وهذا القول فيما يتعلق بالقاعدة والاستثناء يشبه المناخات التربوية الصالحة، فالقاعدة هي أن ينشأ المحتضَن في حاضنة هذه الأجواء التربوية الصالحة نشأة صالحة مستقيمة، والاستثناء أن يكون منحرفا، كما أن المناخات المنحرفة تساعد أكثر على أن ينشأ من يعيش في كنفها نشأة منحرفة شريرة، ولكن الاستثناء هو أن ترى من ينشأ فيها نشأة صالحة، وهذا هو الذي يجعلني أقول دائما أن العراقي عموما والمثقف خصوصا الذي عايش نظام البعث طوال خمس وثلاثين سنة واستطاع أن يحفظ لنفسه نظافتها، ولم يتلوث بلوثات ذلك النظام، هو العراقي الذي حقق الانتصار الحقيقي، وتحرر من الداخل قبل أن يتحرر من الخارج.

 

أعود إلى موضوعة الثقافة العراقية واستشراف مستقبل المشهد الثقافي العراقي لا الاستشراف لما هو المتوقـَّع كما توحي اللفظة بل لما هو المأمول والمتطلـَّع فيما هو الطموح. الثقافة كائن حي، وهي من الكائنات الحية الواعية والعاقلة، فهي أي الثقافة بالتالي كالإنسان، تملك قلبا وعقلا، وتعيش الصحة والسقم. ولذا فلننظر أين يمرض الإنسان، لكي نعرف أين يمكن للثقافة أن تمرض، إذ بعد تشخيص الداء يتم تشخيص الدواء، هذا بالنسبة للداء الحاصل، أما بالنسبة للداء المحتمل، فبقدر دقة استشراف المحتمل من الإصابات المرضية يكون تشخيص الوقاية المطلوبة، وكما قيل إن الوقاية خير من العلاج.

 

ومن حيث مقارنتي بين الثقافة والكائن الإنساني، أقول كما إن الإنسان الذي سقط في امتحان تجسيده لإنسانيته كما يعبر القرآن الكريم، قد سقط في أحد البعدين لمحتواه الداخلي، في بعده العاطفي أو قل الروحي أو الوجداني، أو في بعده العقلي أو العقلاني، فكان إما ظلوما أو جهولا كما جاء في قوله تعالى "إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا" ومن قبيل التفسير المقتضَب للآية أعيد قراءتها مضيفا إليها عبارات تفسر المعنى دون قصد جزئية هذه العبارات من الآية: "على فرض إنا كنا قد عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال وكل مفردات الكون اللامتناهي، لما حملنها، ولو ملكن الشعور والقدرة على الإجابة على هذا العرض، لأبين أن يحملنها وأشفقن من حملها، لأن هذه المخلوقات رغم عظمتهن لا يملكن مؤهلات هذا الحمل، فكان الإنسان وحده الذي خلق مزودا بمؤهلات حمل هذه الأمانة، وهي عناصر العقل، والضمير، والإرادة. لذا حملها هو دون غيره، من حيث أنه مكلف تكوينيا بحملها، ذلك بامتلاكه للعناصر التي ذكرت، إلا أنه – لا على نحو الإطلاق بل على الأعم الأغلب - قد سقط في امتحان حمل أمانة السماء، وامتحان استخلاف الله تعالى له في الأرض، لأنه كان إما ظلوما وإما جهولا". من هنا احتاج الإنسان إلى معالجة عناصر الضعف التي كونت لديه عوامل السقوط التي أشرنا إليها، فكان لا بد أن يتوجه إلى محتواه الداخلي ليصلحه وليداوي أمراضه، فيعالج مرض البعد العاطفي أو الروحي الذي جعل منه ظلوما بالتزكية – حسب المصطلح القرآني –، ويعالج مرض البعد الذهني أو العقلاني بتعلم مفردات الكتاب والحكمة، حيث جاء العلاج النبوي ليلامس هذين البعدين في المحتوى الداخلي للإنسان، المعبَّر عنه بقوله تعالى "... يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة"، ومعنى الكتاب هو النظرية كثابت في عالم التجريد، بينما تمثل الحكمة نزول النظرية من عالم التجريد إلى ساحة الحياة، لتعيش الحركية والمرونة، فتتحرك وفقا لحركية الحياة، وتتفاعل مع معطيات الواقع المتحرك، ومفرداته المتحولة والمتغيرة، كي لا تبقى النظرية حبيسة جمود القوالب التجريدية، وإن كانت النظرية المجردة تبقى محتفظة بقيمتها، لتكون هي المسطرة والمقياس والمعيار. وهكذا هي الثقافة التي شبهتها بالكائن الإنساني تحتاج إلى التزكية، لكي تكون نظيفة من تلوثات ظلم الإنسان الظلوم، وتحتاج إلى تعلم الكتاب والحكمة، أي التزود بالمعارف النظرية المجردة، وبمعرفة تحريك هذه المعارف والنظريات في ساحات الحياة وميادين الواقع الإنساني، لتكون الثقافة مترفعة عن جهل الإنسان الجهول، وتكون ثقافة للحياة وليست ثقافة تجريدية ترفية.

 

الثقافة التي سميتها ثقافة حرة أو متحررة من الداخل، والثقافة المزكاة من تلوثات ظلومية الإنسان، والمترفعة عن جهوليته، أي الثقافة التي نريدها لحاضر ومستقبل المشهد الثقافي العراقي، لا بد لها من أن تشتمل على مجموعة عناصر أساسية وضرورية لكي تنمو نموا زاكيا بالاتجاه الصحيح. هذه العناصر هي:

 

1.     الانفتاح على عموم التجربة الإنسانية.

2.     مواكبة الحركة الثقافية ومعطيات الحداثة.

3.     عدم الوقوع في خطأ القطيعة مع التراث، لا سيما التراث الديني، خاصة وإن العراق يملك رصيدا ثقافيا في التراث الديني، فالساحة الثقافية العراقية كانت ضاجة بالنتاج والحوار الثقافي في علم الكلام وغيره.

4.     الموضوعية والتجرد عن عصبيات الأطر الضيقة.

5.     الدفاع عن حرية الثقافة والمثقف مهما كانت متبنياته الفكرية، والتخلص من مفاهيم الحجر الثقافي، بإشهار سيف الارتداد، أو الاستغراق في حكم عدم التعاطي مع ما يسمى بكتب الضلال وترويجها.

6.     ومن أجل ألا تدفع الثقافة ضريبة الحرية المنفلتة من كل عقال، كعقال العقل والعقلانية، وعقال الأخلاق والقيم، وعقال ثوابت وضروريات الدين، لا بد - ودون التضييق على حريتها - من التثقيف والتربية على مسؤولية الثقافة، فالممازجة والمزاوجة بين حرية الثقافة ومسؤوليتها، أي بين أن تكون ثقافتنا ثقافة حرة، وأن تكون ثقافة مسؤولة في نفس الوقت، بهذه الممازجة والمزاوجة يكون الإبداع الثقافي من جهة، وتكون الثقافة من جهة أخرى ذات عطاءات نافعة للمجتمع والإنسانية، ذلك بالابتعاد عن ثقافة المسخ الإنساني، أو ثقافة مسخ الهوية الحضارية، لكن أيضا عن ثقافة الانغلاق بحجة حفظ الهوية الحضارية، والابتعاد عن ثقافة العنف والتطرف، وثقافة الغلو الديني أو الشخصاني أو الإيديولوجي، وبالتالي ثقافة التعصب والإقصاء، وكذلك عن ثقافة الانقياد للشهوات الغريزية، وثقافة التخريف، وثقافة التسطيح والهامشية والتحلل والتميع واللامسؤولية.

7.     الترويج لمفهوم نسبية النتاج الإنساني للثقافة، والابتعاد عن إضفاء القداسة وصفات المسلمات النهائية غير القابلة لمراجعة هذا النتاج. فحتى الفكر الديني، فهو بمقدار ما يكون نتاجا إنسانيا يكون نسبيا، حتى مع القول بأنه استنبط من المطلق، أو ما يفترض به أن يكون مطلقا، فالمطلق كمصدر استنباط لا يجب أن يؤدي إلى استنباط ثقافي أو فكري مطلق بالضرورة، إضافة إلى أن ما كان مطلقا عند من يؤمن بمطلقيته، هو نسبي بالنسبة لغيره.

8.     تحريك الطاقات الإبداعية في الفكر والثقافة وعدم الوقوع في حالة الاقتصار على النقل والاستنساخ الثقافي، أو حالة الاجترار الثقافي.

 

ويبقى ما أقدمه من تصورات قاصرا ومحدودا، لاقتصار نشاطي الثقافي تقريبا على الثقافة التأملية، أي ثقافة التأملات الذاتية، التي – وبعيدا عن اصطناع التواضع - قد لا تخلو من العمق أو بعض العمق، وعدم اقترانها إلا بشكل محدود بالثقافة المقروءة الواسعة. بينما المطلوب هو المزاوجة بين التأملات والمقروءات، فلا قيمة للمقروء مهما اتسع من غير تأمل إبداعي، وتبقى التأملات محدودة العطاء ما لم تمتزج بالمقروء، ولكن عملا بحكمة أن ما لا يدرك كله لا يترك كله، واحتمال عدم خلو ما عندي من فائدة مرتجاة، قدمت هذه التأملات المتواضعة، فإن وفقت لما هو نافع فبفضل الله سبحانه الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، الذي خلق الإنسان، علمه البيان، الذي علم الإنسان ما لم يعلم، وتبقى الإنسانية مهما بلغت من معارفها المتنامية باضطراد تناميا غير متناه مخاطـَبة بقول بارئها تعالى: "وما أوتيتم من العلم إلا قليلا"، وقولنا كما قالت الملائكة: "سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا (وإلا ما منحتنا من فرص التعلم، وما وهبتنا من مَلكة التأمل والتدبر والتفكر، وما ألهمتنا من معارف وأفكار، سبحانك) إنك أنت العليم الحكيم".

 

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::