أسس في منهج التفكير
ضياء الشكرجي
وجه إلي أحد القراء الأعزاء من العراق سؤالا فأجبته بجواب، رأيت من المفيد ان أحوره إلى مقالة بعد حذف الجوانب الذاتية التي فرضتها طبيعة السؤال وتفرضها عادة طبيعة التعاطي مع المراسلات الشخصية، وربما تغيير بعض العبارات وإضافة أخرى بما يتناسب مع طبيعة المقالة.
فكانت هذه أفكار التي سطرتها من وحي تراكمات التجربة الذاتية المتواضعة مع الشأن الثقافي، بما أثار سؤال السائل لدي من إيحاءات، تبين الأسس التي يمكن أن تتبع لتنتج نوعا من فكر أو من ثقافة تتحرك بالاتجاه الصحيح، فيما هي الصحة النسبية التي يمكن أن تختزن من غير شك قدرا من الخطأ، لطبيعة لامعصومية الفكر الإنساني ونسبيته.
حول سؤال "ما هي الثقافة التي تزود المثقف لكي يصل إلى ما وصل إليه ضياء الشكرجي"، أقول أن القضية عندي ليست دائما وبالضرورة قضية ثقافة حزتها، وإنما هي قضية منهج تفكير اكتشفته ونمّيته وواصلته[1]، حتى غدا مَلـَكة، فقد يكون الرصيد الثقافي المقروء عندي رصيدا متواضعا، بينما أستطيع القول أني قد أملك قسطا يعتد به من الثقافة التأملية.
ما معنى أن القضية عندي هي ليست قضية ثقافة مقروءة بل قضية منهج وطريقة تفكير. نعم المنهج هو الذي صنع ويصنع الكثير من الكتابات التي تحولت إلى ثروة فكرية. التأملات مع استخدام المنهج هو الذي حقق لي، مما غدا ذا شأن ما. لكن ما هو هذا المنهج؟ أذكر هنا ملامح المنهج ربما دون مراعاة الأهميات في الترتيب، بل حسب ما يخطر على ذهني. مع العلم أن هذا المنهج نفسه يكون عادة حاضرا لدي مع المفاهيم القرآنية، وممارستي لما أسماه السيد فضل الله بالتفسير الاستيحائي، الذي مارسته لسنوات طويلة دون أن أفكر أن أجعل له تسمية خاصة، كما اصطلح عليه السيد فضل الله المصطلح المذكور، كما إني أمارسه في تناولي للقضايا العقائدية أو ما يسمى بعلم الكلام، وكذلك أستخدم هذا المنهج في المفاهيم السياسية والمفاهيم العامة. طبعا عندما أكتب أو أفكر أو أحاضر أو أحاور ربما لا أستحضر في وعيي أن أضع هذه النقاط أمامي، بل هي حاضرة بشكل عفوي وتلقائي في اللاوعي أو في الوعي أو في المساحة ما بينهما.
ملامح منهج التفكير عندي:
- محاولة تقليص المسلـَّمات والمقدسات غير المسموح بالمساس بها إلى أضيق دائرة ممكنة، فكل شيء عندي خاضع للمناقشة ولإعادة النظر.
- بذل الجهد في اتباع المنهج العقلي في العقليات، والمنهج العقلائي في العقلائيات والعقلاني في العقلانيات. وثمة فرق بين العقلية من جهة والعقلائية أو العقلانية من جهة أخرى. الأولى فلسفية أي نظرية، والثانية تتحرك في مساحة الفكر العملي أي الفكر للحياة، وبتعبير آخر مجال الأولى العقل النظري، ومجال الثانية العقل العملي أو ما يسمى بالحكمة.
- الرجوع فيما هو المنهج العقلي إلى قاعدة عرض الفكرة على المعقولات الثلاث أي إدراكات أو أحكام العقل الثلاثة والتي هي (الضروري) أو (الواجب) العقلي، والممتنع العقلي أو (المستحيل) أو (المحال)، والممكن العقلي. فهذا حاضر لدي في أغلب ما أفكر به، حتى لو لم أشر إليه بشكل مباشر، أو لم يتضح استخدامه من الوهلة الأولى، أو حتى لو لم أقصده، لكنه يمثل مؤثرا أساسيا في تفكيري، سواء كان حاضرا في الوعي أو اللاوعي.
- محاولة توخي الموضوعية أي تجريد الموضوع من أشخاصه، وتناول الفكرة بشكل مجرد، إلا ما يثبت فيه دخل الأشخاص في فهم الفكرة المناقـَشة.
- النظرة الشمولية فيما يتطلب أن يعالج بشكل شامل، ذلك من قبيل استحضار الشمولية، وليس بالضرورة من قبيل الإحاطة بها في كل بحث. يعني كمثال إذا ما عالجت مفهوما قرآنيا، أستحضر الفهم الشمولي لروح القرآن، بل وأطبق ذلك حتى على الأشخاص أو التيارات الفكرية ولو بنسبة أخرى، وبقدر تحقق الانسجام في شخصية الشخص الذي يجري تفسير أقواله ومواقفه أو التيار أو المدرسة الفكرية، فلا يعالج نص أو موقف مستقطعا عن المعرفة الشمولية للشخص أو التيار.
- التعامل حتى مع الخصوم الفكريين بالعدل أي بمحاكمة فكرهم بما يرضى المحاكِم له أن يحاكـَم فكره به، والبحث لهم عن المبررات فيما يبحث لقناعاته فيه عن مبررات، أو يحب للآخرين أن يجدوا له من مبررات، أي أن يحب لا فقط للإخوان بل حتى للخصوم ما يحب لنفسه، أو طبقا لقاعدة التعامل بالمثل في جانبها الإيجابي لا السلبي.
- عدم المكابرة في إقرار التعلم حتى من الخصم الفكري.
- التعامل تقريبا مع كل شيء بمفهوم النسبية، فحتى الفكرة المطلقة، إذا فرضنا مطلقيتها أو حتى لو آمنت شخصيا بمطلقيتها على نحو القطع، يكون عندي فهم الفكرة المطلقة فهما نسبيا، وبالتالي فهو متفاوت ما بين الواحد والآخر، ثم المطلق نفسه أعتبره رغم مطلقيته نسبيا في نفس مسألة اعتباره مطلقا، أي إنه مطلق عند من يرى مطلقيته، وليس كذلك عند غيره.
- الاعتدال كلازم أساسي من لوازم العقلانية من جهة، وكلازم من لوازم العدالة من جهة ثانية.
- المؤثرات الأساسية الثلاثة في التفكير – بالنسبة للمؤمنين بالإسلام منهم - هي العقل والقرآن والحياة. فلكل ما ذكر آنفا يمكن إيراد شاهد عليه من القرآن، ومن الدليل العقلي أو العقلائي، ومن تجربة الحياة، أو من أحد الثلاثة فيما لا يتعارض مع الآخرَين. ومن هنا كان قولي في بعض المناسبات أن أهم الكتب التي قرأتها في حياتي، وأعني المعنى المجازي للكتاب، وتعلمت منها هي ثلاث: 1) كتاب الله، 2) كتاب العقل، 3) كتاب الحياة.
- التركيز على جوهر الأشياء والأفكار لا على الشكل، إلا إذا تحول الشكل إلى رمز للجوهر لا يتم التعبير عن الثاني إلا بالتمسك بالأول، وبالتالي التحرر من القوالب اللفظية والثقافية، ومنها تقليص ما يسمى بالتوقيفيات في الثقافة الدينية إلى أضيق دائرة، والتمييز بين التوقيفي التعبدي الذي يلزم به المؤمن نفسه بالتمسك به بحسب إيمانه، والتوقيفي المعبِّر عما أسميه بالمنهج القوالبي، أي منهج الجمود على القوالب.
- محاولة الربط بين الأفكار والمفاهيم والبحث عن العلاقات بينها، حتى لو كانت العلاقة خفية وغير مباشرة.
- تطبيق الفكرة والمفهوم على كل واقع ومصداق وعدم تضييق المفهوم وقصره على المصداق الذي ورد فيه، لكن مع استحضار نسبية التطابق وبالتالي نسبية التطبيق.
- تحري الدقة ما أمكن في الفكرة وكذلك في التعبير عنها.
- اعتماد الشفافية والصدق في الطرح والخطاب والحوار.
- الاكتفاء بطرح المفاهيم عندما تمنع الحكمة من تناول المصاديق، مثلا لحساسية الاقتراب من المصاديق في ظرف ما.
- التعويل في تحديد المشتركات في المنطلقات وإن اختلفت النتائج.
- الإفادة من منهجي الاستقراء والاستنباط في معظم قضايا الفكر والثقافة، أي تارة ملاحقة مفردات الأفكار والمفاهيم أو مفردات الوقائع والظواهر للوصول إلى قانون عام، وتارة أخرى ملكة تطبيق القانون العام على الحالات المفردة.
- اجتناب ما أمكن التعميم والإطلاق إلا مع وجود الدليل القاطع على جواز أو لعله وجوب التعميم والإطلاق.
- التمييز بين القيمة المجردة التي قد تكون مطلقة والسلوك على ضوء تلك القيمة الذي هو على الأعم الأغلب نسبي، إلا إذا ثبت التطابق الكلي بين المفهوم والمصداق.
- تحقيق وعي لوني بتعميق الملكة على التمييز بين الألوان المفاهيمية، والتمييز ما بين المزيج والنقي منها، واستحضار أن جمالية اللون جمالية نسبية بحسب الموقع الذي يستخدم فيه اللون، وبحسب القرائن اللونية المجاورة، وبحسب المتلقي، أي المتذوق للون.
- تجذير وعيين؛ وعي مفاهيمي ووعي مصاديقي، أي تنمية ملكة تطبيق المفهوم على المصداق في الخارج تطبيقا دقيقا ووعي نسبية التطبيق.
هذا بعض ما أعانتني عليه الذاكرة فيما وفقني الله إليه، ولعل هناك ملامح أخرى، لكن قد تكون هذه التي ذكرتها هي الأهم. نعم هذه هي ملامح لون من ألوان الثقافة للون من ألوان المثقفين ومتعاطي الفكر، حيث يكون من الصعب عندي الإجابة على سؤال ما وصلت من خلاله إلى ما وصلت إليه، في حال أني وصلت فعلا إلى ثمة ما هو مفيد وذي جذر وقاعدة وأصول.
وقبل كل شيء هو فضل وتوفيق من الله، وملكات وهبها لبعض عباده فجعلها حجة لهم وعليهم وأحيانا على غيرهم، وهو أيضا إعمال للعقل؛ هدية الله العظمى للإنسان، إذ خلقه سبحانه من العدم، فعلمه ما لم يعلم، علمه البيان، وأنزل إليه الكتاب والميزان، ليقوم بالقسط ويزن بالقسطاس المستقيم ويتوخى الوسطية التي تجعله شاهدا على نفسه وعلى الناس، وميزه بالتفكير الذي هو من أشرف فعاليات الإنسان منذ وجد، حتى صارت قيمة وجوده موزونة بزنة نتاجه الفكري وبزنة نزول هذا الفكر إلى الحياة، ليتحول الفكر إلى نور يمشي به صاحبه في الناس، يستضيء به، ويضيء به لهم، وإلا فهو ميت بين الأحياء. حتى أن أشرف من حمل الفكر والنور والهداية العقلية فيما هو التعليم، والهداية القلبية والصفاء الروحي فيما هي التزكية، قد خاطبه المولى تعالى: "وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم"، وهو عز وجل القائل "أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن هو في الظلمات ليس بخارج منها ...". إذن لمن أسباب الاهتداء إلى الصواب هو تعميق العلاقة بالله سبحانه، ولا يدعيها أحد لنفسه إنما هو طموح قد حقق البعض بعض الخطى على جادته، وما كانت لتتحقق إلا بامتداد يد العون الإلهي من لدن عالم الغيب، وحتى المبدع اللاديني فهو من حيث لا يشعر قد حقق إبداعه من خلال ارتباطه بالمطلق أو بمطلق، بقيمة مطلقة، وإن كانت عقلانيته تلزمه بمنهج النسبية في التفكير والتصويب والتخطيء، وتجعله ينأى عن الفكر الشمولي الإقصائي المدعي احتكار امتلاك الحق والصواب المؤدي إلى منهج التصويب المطلق للذات والتخطيء والتكفير والتخوين المطلق للآخر.
19/07/2004
--------------------------------------------------
[1] اكتشفته ونمّيته وواصلته
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::