الثقافة الحرة .. حرية الثقافة وثقافة الحرية
محاضرة ألقيت في اليوم الثالث من المؤتمر التأسيسي لـ «المجلس العراقي للثقافة» المنعقد في عمــــــان من 14 - 16/05/2007
ضياء الشكرجي
d.sh@nasmaa.com
www.nasmaa.com
عندما نتكلم عن ثنائية حرية الثقافة وثقافة الحرية، إنما نتكلم في نفس الوقت عن ثنائية الديمقراطية الثقافية والثقافة الديمقراطية، وبتعبير آخر عن استفادة الثقافة من الديمقراطية وازدهارها في المناخات التي تتيحها لها من جهة، ومن جهة أخرى إسهام الثقافة من جانبها في دعم الحياة الديمقراطية من خلال إشاعة ثقافة الديمقراطية، لأن من شروط نجاح المشروع الديمقراطي وجود ثقافة ديمقراطية، ومن مستلزمات ازدهار الثقافة توفر الأرضية الديمقراطية لها.
هذا من جهة ومن جهة أخرى يمكن تقسيم الثقافة إلى ثقافة إبداعية تجديدية، وأخرى اجترارية تكرارية. الأخيرة تكرر وتجتر نفسها، ولا تبدع جديدا، لأنها لا تملك إرادة أن تراجع الموروث، وتفك قيوده التي كـُبِّلت بها عن معصم نتاجها الثقافي، بل أقصى ما يمكن أن يفعله (مُجدِّدوها)، أو لنقل مُدّعو أو متوهِّمو التجديد فيها، أن يُضفوا على مُكرّراتهم الثقافية ثمة صباغة توحي بمضامين جديدة، لا وجود حقيقيا لها في الواقع، وأن يُدخلوا على مجتراتهم ثمة نكهة توهم بالتحديث.
إذن الثقافة الاجترارية والتكرارية هي ثقافة غير مبدعة، وما كان مفتقدا للإبداع، كان بالضرورة فاقدا للحيوية، وإن بدا حيا، لكنها حياة بلا حراك وديناميكية، بلا حيوية أو تجديد. ومن هنا فلا بد من الثقافة من أجل الحفاظ على ديناميكيتها وحيويتها، أن تزاول عملية الإبداع. والإبداع من جهته يحتاج إلى شرط أساسي، فهو أي الإبداع لا يتنفس في المناخ الخانق، بل مكان انبعاثه الحقيقي الممكن هو مناخ الحرية. هذا دون أن يعني أننا ننفي حصول إبداعات أفرزتها أجواء قمع الحرية، ولكن الذين يبدعون في أجواء الاختناق هم الاستثنائيون وحدهم، ومن هنا لا يمكن للإبداع أن يتحول في أجواء افتقاد الحرية إلى ظاهرة ثقافية عامة.
وإني عندما أتحدث عن الحرية اللازمة للإبداع الثقافي، وبالتالي للحيوية الثقافية، أعلم أن هناك ثمة فرق جوهري بين الحرية والانفلات، وهذا الفرق متأتٍّ من الفرق ما بين الحرية المسؤولة، والحرية اللامسؤولة. وعندما أقول الحرية المسؤولة، أرفض مفهوم الحرية الموجَّهة، أو الثقافة الموجَّهة، كما سأوضح. فلا يجوز لنا أن نبرر من خلال طرحنا لمفهوم الحرية المسؤولة بالنسبة للثقافة لما يُصطـَلـَح عليه بالثقافة الموجَّهة، التي لا تعني إلا تكبيل الثقافة وشل حركتها الإبداعية. فقد عانت الثقافة من الاختناق بمبررات الثقافة الموجَّهة، التي بُرِّرت تارة بالثورية أو ما يسمى بمبادئ الثورة، وأخرى بالهوية الوطنية أو القومية، وتارة ثالثة بالدين. وهذا اللون من التوجيه - أي أن تكون الثقافة موجَّهة دينيا - هو الأخطر على الثقافة من غيره. وسبب تميّز التوجيه الديني بالخطورة يكمن في ما يُضفى عليه من قداسة، والقداسة، سواء كانت حقيقية أو موهومة، وغالبا ما تكون موهومة أو مُدَّعاة، ستمنع بالضرورة وبحسب الفهم والتعاطي الشعبي العام مع المقدس، ستمنع النقد والمراجعة، وبالتالي لن يولد من رحم هذا المقدس أي جديد، ولا يصدر منه أي إبداع.
ورفضي لمفهوم الثقافة الموجَّهة الذي مُؤدّاه تقييد الحرية الثقافية، هو الذي دفعني إلى أن أشْكِل على عبارة وردت في مسودة أولى لمشروع المجلس العراقي للثقافة، وهي: «التصدي فكريا وإبداعيا للآثار السلبية التي تخلقها العولمة على الهوية الثقافية الوطنية»، فالعبارة تختزن في تقديري لونا من أدلجة الثقافة، تذكـِّرنا بمصطلحات كـ «الثقافة الثورية»، «الثقافة الموجَّهة»، «الثقافة الإسلامية»، «الثقافة القومية»، «الثقافة الرسالية»، إلى غير ذلك، وفي كل هذا نوع من تغييب لأهم عنصر من عناصر الثقافة، ألا هو عنصر الحرية، الذي هو شرط الإبداع، كما بينا. كما إن هذا الهاجس من العولمة، ومن ثم من الثقافة الوافدة، وما سمي بالغزو الثقافي، والخوف على ضياع الهوية القومية أو الدينية، هو مما أثير دائما من قبل أصحاب الإيديولوجيات الشمولية، سواء كانت الأدلجة بإيديولوجية القومية العربية، أو بإيديولوجية الإسلام السياسي، أو غيرهما، مما شكل عاملا من عوامل سلب الحياة الثقافية حيويتها، بإماتة روح الإبداع والتجديد فيها.
أرجع إلى ما طرحته من مصطلح الحرية المسؤولة، أو الثقافة المسؤولة. وهنا من الممكن أن يُرَدّ على هذا اللون من فهم حرية الثقافة، بتوصيفها بالحرية المسؤولة، اعتراضان من جبهتين متضادتين؛ الأولى تريدها ثقافة مسؤولة بلا حرية أو بحرية محدودة، والثانية تريدها ثقافة حرة بلا مسؤولية. وكلاهما ينطلقان في الرفض من فهم واحد، هو أن المسؤولية تنفي الحرية، والحرية تستلزم نفي المسؤولية. إذن كل من المدرستين يرى الثقافة مشروطة إما بالمسؤولية، وإما بالحرية، وحيث أنهما فهما في المفهومين التضادّ المانع للاجتماع، كان لا بد من كل منهما أن يختار شرطه النافي للثاني، حيث تنفي المسؤولية ُ الحرية َ عند هذا، وتنفي الحرية ُ المسؤولية َ عند ذاك. وسأسمي الاتجاهين باتجاه «الثقافة الموجَّهة»، التي يلتقي روادها مع مفهوم «الحرية المسؤولة» في شقها الثاني دون الأول، واتجاه «الثقافة الحرة»، التي يلتقي روادها مع مفهوم «الحرية المسؤولة» في شقها الأول دون الثاني. ودعاة الثقافة الموجَّهة هم الذين سيكونون أشد اعتراضا، لأنني في أطروحتي إنما ألتقي على مساحة أوسع مع دعاة الثقافة الحرة، لأننا سنجد أن المسؤولية ليست تقييدا للحرية، بل إنها تسير مسارا طوليا مع الحرية، ولا تعترضها. فإني أرى مسافة تفصلني عن دعاة تقييد الحرية الثقافية بمبرر المسؤولية، وفي إطار مفهوم الثقافة الموجهة، والحرية الموجهة، لأني أرفض أي تقنين لتقييد حرية الثقافة من الخارج. لكن لنناقش ما يمكن أن يُعترَض على المفهوم المطروح من داخل المدرسة الثقافية التي أنتسب إليها، أي تلك التي تؤمن بالثقافة الحرة. فلعله سيُشكـَل عليَّ من داخل هذه المدرسة بالقول: إنك بتأسيسك لمفهوم الحرية المسؤولة في الثقافة، إنما تدعو ضمنا للثقافة الموجَّهة، ولكن بعبارة مخففة. من أجل توضيح الفرق هنا، أقول إن التوجيه يأتي من الخارج، فهو قسري، أما المسؤولية فهي تنبعث من الداخل، وبالتالي هي طوعية، والطوعية مساوقة للحرية. وما يجب أن نعمل على منعه، كي لا تختنق الثقافة، فيموت الإبداع، هو ألا يُمنـَح أي شخص، ولا أية مؤسسة سياسية أو دينية، حكومية أو أهلية، صلاحية تحديد المسؤولية، فالمسؤولية التي أعنيها هي مسؤولية الضمير الذاتي، وأعني به الضمير الشخصي، وبالتالي الضمير النسبي. وهنا قد يُشكـَل على هذا الطرح في أني أشمل بالمنع الذي أتمناه حتى المؤسسة الدينية، التي من طبيعة مهامها ودورها بيان المسؤولية بمعناها الديني. فأقول إنه من الطبيعي أن تملك المؤسسة الدينية حق ممارسة الوعظ، الذي تكون الاستجابة له طوعية، ولها أن تخاطب من يريد طوعا تلقي الخطاب منها، أما أن تمارس أو تشجع على ممارسة التعسف وقمع الحريات الثقافية والاجتماعية والشخصية باسم الدين، أو تسكت عن ممارسة هذا القمع باسمها، مما يوحي بالإقرار، فهذا محرم ديمقراطيا، ومحرم دينيا، إذا ما فـُهـِم الدين فيما هو الدين في جوهره فهما دقيقا. ثم إن الذي تمارسه المؤسسة الدينية من وعظ أو نصح أو إرشاد ديني، أو دعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، هو حق يشاركها فيه الآخرون، فيكون لكل صاحب مدرسة فكرية، أو صاحب دين أو عقيدة، الحق كاملا وبلا أي تقييد في الترويج لأفكاره، ومحاولة التأثير بخطابه على من له الاستعداد لتلقي الخطاب والتأثر به. وهذه المساواة في الحق ليست شرطا من شروط الديمقراطية ومن شروط الدولة الدستورية المدنية فحسب، بل هي أيضا شرط وشرط أساسي من شروط الدين نفسه. فالدين يقوم في الجانب الاجتماعي منه على قاعدة العدل، «إنا أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط»، والعدل لا يكون عدلا، إلا بالتعامل بالمثل، أي ما لك للآخرين، وما على الآخرين عليك، وأي تفسير آخر للدين يبرر لقمع الحريات عموما، وحرية الثقافة على وجه التحديد، هو دخيل على الدين، وإذا افترضنا أن فيه ما هو ملزم، فالإلزام يسري على من ألزم نفسه بذلك، بحكم قاعدة الإلزام «ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم»، أو قاعدة طوعية الاعتقاد: «لا إكراه في الدين»، حتى لو ادعى دعاة الإكراه بنسخها، وهي دعوى جزافية لا تقوم على دليل، إلا دليل غريزة القمع المستأصلة في نفوس الذين في قلوبهم مرض.
وموضوع تقيد الحرية الثقافية باسم الثقافة الموجَّهة، أو الثقافة المُؤدلـَجة، أو المُسَيَّسة، لا تقتصر على دعاة تسييس الدين، بل تشمل كل الإيديولوجيين الشموليين. ولكن هذا لا يعني أن لا يملك الإنسان حرية أن يكون صاحب إيديولوجية ما، فلك أن تكون صاحب إيديولوجية ماركسية، أو قومية، أو إسلامية، أو ليبرالية، وترتـِّب آثار تأدلـُجك على نشاطك الثقافي، فتجعل أنت بنفسك وبطوع إراداتك عليك رقيبا على حريتك من لدن مبادئ وثوابت تلك الإيديولوجية. وهذه المبادئ وبالتالي هذه القيود التي وضعتها أنت بنفسك على حريتك، متغيرة، لأنك أنت الذي وضعتها لنفسك، وأنت الذي تملك حرية رفعها عنك، أو تغييرها. فأنت كإنسان أولا، كمواطن ثانيا، وكمثقف ثالثا، تملك حرية أن تقيد حريتك تقييدا طوعيا، ولك أن تطلقها بلا أي قيود، باستثناء ما إذا كانت حريتك تتجاوز على حرية غيرك، أو على حق من حقوق الآخرين.
وليس بالضرورة أن يكون الإنسان مُتأدلِجا - ولا أقول مُؤدلـَجا -، حتى يقوم بعملية التقييد الطوعي لحريته، بل هناك تقييد طوعي حر من نوع غير إيديولوجي، وهذا الذي أسميته بالحرية المسؤولة، والمسؤولية الخصوصية يمكن أن تكون مسؤولية وطنية أو أخلاقية أو دينية بحسب خصوصية المثقف الفرد، وما يملي عليه ضميره من محاسبة ذاتية ومسؤولية. وهناك من جهة أخرى، وبلا شك، مسؤولية وطنية أو إنسانية مشتركة تشمل الجميع. فلا يمكن مثلا للمثقف أن يمارس حريته في إنتاج ثقافة تبعث على العداء الاجتماعي، ومن ثم على الاحتراب بين فرقاء متعددين من المجتمع. ولا يمكن للثقافة أن تملك حرية الترويج للعنصرية، أو للتمايز والتفاضل العنصري، أو الديني، أو المذهبي، أو الطبقي، أو السياسي، أو من أي نوع كان، ولا حرية الترويج أو التبرير أو التشجيع للعنف أو الإرهاب. ولا يمكن للثقافة - إذا اعتبرناها جزافا ثقافة - أن تتمتع بحرية التكفير، أي حرية ممارسة الاغتيال المعنوي، لأن هذا النوع من الحرية، هي حرية غير مسؤولة، ولذا يجب أن تـُقمَع ديمقراطيا، لأن هذا النوع من مُدَّعى الثقافة ليس بثقافة.
وهنا لا بد لنا من تناول ثنائية الثقافة والسياسة، لما لذلك من علاقة وثيقة مع موضوعة الثقافة الحرة، أي التمتع بحرية الثقافة، ومزاولة ثقافة الحرية. فعندما نكون أمام ثنائية الثقافة والسياسة، نجد أن العلاقة بينهما هي علاقة خصوص وعموم من وجه، كما يعبر المناطقة، فبعض النشاط الثقافي سياسي، وبعض النشاط السياسي ثقافي. ولكن عندما تتحول السياسة كلها إلى محض ثقافة، لن تكون سياسة، وهكذا عندما تتحول الثقافة كلها إلى محض سياسة، لن تكون ثقافة. لذا يجب الحذر من تسييس الثقافة، وأدلجتها سياسيا، أو تحييزها باتجاه سياسي ما. وهذا يشبه إلى حد كبير الكلام عن ثنائية الدين والسياسة، فبعض اهتمامات الدين سياسية، وبعض اهتمامات السياسة لها علاقة بالدين. وخطر تسييس الدين أشد من خطر تسييس الثقافة. وليس تسييس الدين وحده الذي يُشكـِّل مشكلة، بل حتى ما يمكن الاصطلاح عليه بتديين السياسة، بمعنى أدلجتها دينيا، ذلك من حيث أن كل أدلجة للحياة العامة ضمن فهم شمولي ستخلق مشكلة، وتعيق إرساء السلام الأهلي، وتعرقل مسيرة التحول الديمقراطي. أما تديين السياسة بمعنى إضفاء مسحة من روحانية الدين وصفائه ونقائه وصدقه وإنسانيته عليها، فهذا حتما مما تحتاجه السياسة. ولكننا عندما نراقب الواقع، نجد أن معظم القوى السياسية الإسلامية، أو قوى الإسلام السياسي، قد جرّدت السياسة من كل مُثـُل الدين الأخلاقية، كما إنها على الأعم الأغلب قد جردت الدين من روحانيته، عندما لوّثته بلعبها السياسية غير النظيف وغير النزيه.
وشيء آخر رأيت ألا بد أن يقال عن ثنائية الثقافة والسياسة، وهو إن ما ذكرته آنفا لا يعني دعوتي إلى وضع جدار فولاذي ما بين الثقافة والسياسية، وقد اتضح ذلك من اعتباري النسبة بينهما نسبة خصوص وعموم من وجه. فعندما يكون السياسي مثقفا، سيضفي على السياسة غنى مهما جدا، وهكذا عندما يكون المثقف سياسيا، دون تسييس الثقافة، سيضفى غنى مهما وحيويا على الثقافة، خاصة إذا علمنا أن الاهتمام بالسياسية يعني فيما يعني الاهتمام بالشأن العام، والمثقف لا بد أن يعيش أحاسيس وهموم وآلام وتطلعات الهم العام، ولا يستغرق في أنانيته، التي ستنتج ثقافة غير مبالية بالشأن العام، وبالتالي فاقدة للبعد الإنساني.[1]
وختاما أقول أن لا بد لنا نحن المثقفين العراقيين المؤسسين للمجلس العراقي للثقافة من أن نفعّل دورا أساسيا لهذا المجلس، ألا هو أن يكون له دور رقابي، أو الإسهام في خلق آليات رقابية وتفعيلها، من أجل منع أو الإسهام في منع ممارسات القمع لحرية الثقافة والمثقفين. فلقد قـُمِعَت الثقافة وقـُمِع المثقف، كما قـُمِع الإنسان عقودا طويلة من عهود الديكتاتورية، واليوم يُقمَع الرأي، ويُقمَع الفكر، وتـُقمَع الثقافة، ويُقمَع المثقف من جديد. ومن إفرازات هذا القمع، إن كثيرين منا من مثقفين، وحتى من سياسيين، أو مثقفين سياسيين، أو سياسيين مثقفين، اختاروا لأنفسهم أن يعيشوا خارج العراق، من أجل أن يمارسوا حريتهم في التعبير وفي النشاط الثقافي، وإلا فستكون حياة الواحد منهم مهددة بشكل جدي، إذا ما مارس دوره الثقافي الذي يمارسه من داخل العراق، وعبّر عن رؤاه بنفس درجة الصراحة التي يعبر عنها، وهو في متنفس الحرية خارج الوطن. بل حتى الذي يتنفس مناخ الحرية في الخارج، لا يجرؤ على أن يمارس حرية التعبير في نشاطه الثقافي بالكامل، لأنه يريد أن يترك الباب مفتوحا أمام رجوعه إلى الوطن في أول فرصة سانحة، وحيث إنه لا يريد الانتظار حتى استتباب الوضع بشكل تام، فستبقى القوى المتطرفة التي تعمل على قمع الحريات مصدر خطر على كل من يعبر بمقالة أو قصيدة أو مسرحية أو أغنية عن فكرة تقع في شريعة المتطرفين في خانة المحرمات التي يستحق صاحبها أن ينفى وجوده من ساحة الحياة. والمهم أو الأهم من كل ذلك أن ينأى المثقف بنفسه عن مزاولة ثقافة القمع، لاسيما قمع الثقافة وقمع الرأي بانتهاج اللاموضوعية في الحوار، وأساليب شخصنة الأفكار والمواقف، ومناقشة النوايا والدوافع المفترضة وراء الفكرة، دون مناقشة الفكرة نفسها، وممارسة ثقافة التكفير والتخوين، فكل ذلك يمثل أدوات قتل للنشاط الثقافي، ومن أشد المحرمات الثقافية أن تقتل الثقافة بأدوات الثقافة.
نحن مثقفي العراق، مطلوب منا في هذه اللحظة التاريخية الحاسمة، أن نوحد كل طاقاتنا، من أجل أن ننتصر لحرية الثقافة، ولحرية المثقف والمثقفة، وأن ننتصر لحرية وكرامة الإنسانة العراقية، وحرية وكرامة الإنسان العراقي.
معا نحو ثقافة حرة .. مبدِعة .. مسؤولة .. هادفة .. لكن غير موجَّهة وغير مُؤدلـَجة .. إنسانية وطنية .. تـُنتِج جمالا .. وتـُنتِج حبا .. وتـُنتِج سلاما .. وتـُنتِج عقلانية.
كتبت في هامبورغ في 10/05/2007
ألقيت في عمان في 16/05/2007
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::