الثقافة والفن بين الحرية والإبداع والمسؤولية
ضياء الشكرجي
أكتب هذه المقالة القصيرة من وحي مداخلاتي في أسبوع المدى الثقافي في العشرة الأواخر من نيسان 2006 في أربيل.
الثقافة بمعناها الواسع
الثقافة بمعناها الواسع تشمل نتاج المفكر، فيما هو الفكر الإنساني العام، أو الفكر السياسي أو الفكر الديني أو الفكر الاجتماعي أو الفلسفي، ونتاج الأديب من شاعر وناثر وروائي، ونتاج الفنان من ممثل مسرحي أو سينمائي ومخرج ومصور ورسام ونحات وتشكيلي ومصمم وخطاط، وموسيقي وملحن ومغن وعازف وغيرهم.
الثقافة بين التكرار والإبداع
الثقافة عموما وما تشتمل عليه من أدب وفن تنقسم من زاوية ما إلى ثقافة تكرارية أو مقلـِّدة، وثقافة تجديدية أو مبدِعة. حتى النوع الأول قد لا يخلو من بعض الإبداع في بعض التفاصيل، إلا أنه بشكل عام لا يأتي بجديد، إلا الجديد النسبي، أما إذا كانت الثقافة تكرارية بشكل تام، فهي بذلك لا تنتج جديدا، بل تجتر القديم، وهنا يمكن أن نعتبر الثقافة الاجترارية أردأ أنواع الثقافة التكرارية، مع إن الإبداع نفسه نسبي لا يخلو من بعض التقليد، فالمبدع المطلق ليس إلا علة الوجود الأولى سبحانه.
الإبداع شرط ديمومة حيوية الثقافة
إذن لا بد من تنمية الإبداع، سواء الإبداع بالحد الأدنى أو الإبداع الجزئي أو النسبي، أو الإبداع بالحد الأعلى، أي ملكة التجديد الجذري والكلي والشامل. لأن الثقافة إذا تخلت عن الإبداع، استغرقت في التكرار والاجترار الثقافيين بدرجة أو بأخرى، وبالتالي لا تكون ثقافة حية متجددة، بل ثقافة تجتر نفسها وربما تنتحر انتحارا تدريجيا، فتفقد أولا حركيتها، ثم حيويتها، ثم حياتها.
شرط الإبداع
لكن الإبداع يحتاج إلى شروطه، ومن أهم شروطه هو أن تتنفس الثقافة في مناخ الحرية، ولا تختنق في سجون السلطات المستبدة المحافظة منها والثورية، أو في سجون التعسف الديني، أوفي سجون قمع الأعراف والتقاليد الاجتماعية. فكل ذلك يمثل أدوات قتل لروح الإبداع. والإبداع لون من أرقى ألوان القرب من الله، لأنه مصداق لتمثل صفات الله المطلقة في عالم الإنسان النسبي المحدود، ولكن رغم نسبيته ومحدوديته المختزن لملكة التطور والتكامل، الذي لا يتوقف عند حد، إلا حد العجز عن بلوغ الكمال المطلق، الذي يختص به المبدع الأول للكون رب المبدعين وخير الفنانين سبحانه وتعالى؛ هذه الملكة التي أودعها في الإنسان عندما نفخ فيه من روحه، بعدما أبدع نحته من طين الأرض، فاستحق سجود الملائكة له فيما استحقه لملكة الإبداع فيه وخلاقيته. وهذه الملكة لا يسعها أن تنطلق في عالم الإبداع والتجديد، إلا إذا ما تنفست الحرية.
الحرية من الخارج ومن الداخل
والحرية التي يحتاجها الإبداع إنما هي حريتان؛ حرية من الخارج، أي تحرر المثقف من قمع السلطات الثلاث؛ الحكومية، والدينية، والعرفية، وهذا يعني أن الديمقراطية هي حاضنة الإبداع الثقافي، أو قل الإبداع الإنساني، ولذا فالله يحب الديمقراطية من حيث أنها قاعدة انطلاق إبداعات إنسانه الذي أبدعه. وحرية أخرى من الداخل، والحرية من الداخل هذه هي قابلية المثقف على تحرير نفسه من زنزانات الموروثات والمشهورات والمألوفات، وهذا يحتاج إلى أن يعيش المثقف قلق الإبداع والتجديد، وأن يعيش في العمق روح التمرد، لا التمرد الغوغائي، بل ربما التمرد المسؤول والحكيم، وسادة المتمردين الرسل والأنبياء؛ التمرد المسؤول لكن المتحرر من الخوف، والباحث أبدا عن جديد، والمنتزع نفسه من تراكمات الموروث الثقافي، ليتمثل خالقه في إبداعه، فيحرك روح المطلق في عالم النسبيات في حركة إبداع مطردة، لا تتوقف أبدا ما زالت لم تبلغ المطلق، بل هي مولية وجهها صوبه أبدا، كادحة إليه.
الحرية المسؤولة
وعندما أتكلم عن الحرية، أحب التأكيد على مصطلح الحرية المسؤولة، والمسؤولية وإن كانت تمثل قيدا من قيود الحرية، إلا أنها تنبع من الداخل، ولا تفرض من الخارج بأدوات القمع الخارجي، سواء قمع السلطة، أو قمع العرف الاجتماعي، أو قمع الدين، ولا أعني الدين بمعناه المطلق في عالم التجريد وعالم الغيب، بل الدين في الفهم والأداء النسبيين للإنسان، الذي صنع من الدين في أغلب الأحيان غير ما أراده الله، فاستبدل الأمن بالرعب، والإبداع بالجمود، والجوهر بالشكل، والوسطية بالتطرف، والإيمان بالغلو، والعقلانية بالخرافية.
رسالة الثقافة
ففي رأيي لا بد أن تكون للثقافة ثمة رسالة، حتى الفنان الذي لا يفكر إلا بمفردات الجمال في إبداعه الفني، يمكن أن نعتبره من زاوية فهم ما صاحب رسالة، حتى لو لم يع هو رسالته، ذلك ولو على نحو تنمية تذوق الجمال، حيث يسهم تنمية تذوق الجمال المادي في تنمية تذوق الجمال المعنوي، وتركيز الإحساس بالجمال عند الإنسان، وتهذيب الذوق الجمالي، كل هذا الذي يمكن أن نعتبره لونا من ألوان تنمية وعي الإنسان بإنسانيته، فكلما أحس الإنسان بقيم الجمال بكل أبعاده، كلما تهذبت إنسانيته، وكلما نمى وعيه بتلك الإنسانية. بل إن تذوق الجمال بالنسبة للمؤمن هو لون من أرقى ألوان تسبيح مبدع الجمال سبحانه وتعالى، ومن أقدس طقوس الصلاة لله، فمن لا يقدر على تذوق الجمال، لا يستطيع أن يتمثل المثل الإنسانية الراقية التي يحب الله للإنسان، ذلك النسبي التواق للكمال، أن تكتمل بها إنسانيته في كدحه الدؤوب والمطرد والمتواصل غير المتوقف باتجاه المطلق، و من لا يقدر على تذوق الجمال، لا يعي المعنى الحقيقي لكلمات «سبحان الله» و«الحمد لله» و«لا إله إلا الله» و«الله أكبر». ومن يدري فلعل الإبداع الثقافي والفني يحسب عند الله من أفضل ألوان العبادات، حتى بالنسبة لمن لم يدرك هذا المعنى، بل أدرك رسالة الإنسان في كدحه نحو الكمال والجمال، أو نحو ما هو أكمل فأكمل، وما هو أجمل فأجمل، فمن يعش قلق تكامل إنسانية الإنسان إنما هو باحث عن الله، وبالتالي لربما عابد له من حيث لا يدري، وإذا قيل إن العبادات وسائر الأعمال إنما تحسب عند الله على ضوء وبقدر النيات، فأقول إن لقصد النية معنى واسع يحتاج إلى بحث فلسفي مفصل ليس هنا مكانه، معنى قد يتسع للكثير الكثير مما لم تستوعبه كتب الفقهاء وعلماء الكلام وإدراك أكثر المتدينين.
09/05/2006
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::