المثقف والمفكر .. الفوارق والجوامع بينهما
هذه محاولة ناقصة بكل تأكيد للتعرف ولو بدرجة ومن زاوية فهم محددة على حقيقة كل من مفهومَي «المفكر» و«المثقف»، فيما هو الفرق وما هو المشترك بينهما، وحالات اجتماعهما في شخص واحد، وحالات افتراقهما، أي توفر أحدهما في شخص دون الآخر، وكذلك ارتفاعهما وانتفائهما وانعدامهما عند شخص ما، وكل ذلك على ضوء قانون النسبية، الذي هو قانون كلي يسري على كل مناحي عالـَم الإنسان، باعتباره عالما نسبيا وليس مطلقا، يتحرك في إطار المحدود وليس في إطار اللامحدود، وكونه وجودا ممكنا وليس واجبا، حادثا وليس قديما، أو أزليا.
إشارة إلى بعض الحقائق كأحد المداخل للبحث:
قبل أن أسرد ما اعتبرته حقائق - نسبية طبعا -، لا بد من بيان أمر مهم، وهو إني لا أكتب بالضرورة للقارئ «المؤمن» على نحو التخصيص والحصر، بل بلا شك كذلك للقارئ «المادي»، ومن هنا أرجو من هذا الفريق من القراء ألا يتعقدوا من بعض المفردات الإيمانية، بل ليحاولوا أن يفهموها بفهمهم هم، وهذا ما سأوضحه أكثر لاحقا. ولنتناول قبل ذلك ما أسميته ببعض الحقائق كمدخل من مداخل البحث:
1. التفكير - والذي هو نشاط ذهني - هو أرقى أنواع النشاط الإنساني.
2. الحب - والذي هو نشاط عاطفي – هو أرقى أنواع الإحساس الإنساني.
3. تذوق الجمال هو أرقى أنواع وعي الحياة، ومن جهة أخرى هو أرقى أنواع تسبيح الله.
4. إخلاص توحيد العبودية لله هو أرقى أنواع التحرر من الداخل.
5. استحضار الحمد لله في الوعيين الذهني والعاطفي هو أرقى أنواع انسجام الإنسان مع حقيقته الإنسانية.
6. الانفتاح على إنسانية الآخر - لاسيما البعيد والآخر المختلف - هو أرقى أنواع التأنسن.
7. سمو المثل الإنسانية هو أرقى أنواع السلوك العبادي لله.
ملاحظتان مهمتان أحب أن أوردهما؛ الأولى هي إن هذه الـ «أرقى» هنا هي «أرقى» احتمالية، أو مجازية، أو لنقل نسبية، ولو إنها جاءت بصيغة الإطلاق، ولكنه إطلاق لغوي مجازي هنا، وليس إطلاقا منطقيا حقيقيا. ولعله كان من الأولى وتحقيقا للدقة والموضوعية أن أقول هنا «من أرقى» بإضافة «من» الحاملة لدلالة التبعيض، ولكني أحببت أن أستخدم المجاز، وأن أطلق مجازا، مع حساسيتي تجاه دعوى امتلاك الحقائق المطلقة، وذلك للتعبير عن عمق إيماني بهذه الحقائق - النسبية طبعا -. والملاحظة الثانية هي توضيح قدمت به لذكر هذه الحقائق، أو ما أعتبره حقائق، وذلك فيما يتعلق الأمر بفهم المصطلحات الإيمانية بالنسبة للقارئ المادي. قلت أرجو ألا يتعقد القارئ المادي من هذه المصطلحات، وذلك فيما ورد في 3، 4، 5، و7، فيعرض عن متابعة الموضوع، طبعا إذا كان أصلا من ذوي الاهتمام به. فإني عندما أقول إن «تذوق الجمال هو ... أرقى أنواع تسبيح الله»، فـ «تسبيح الله» بالنسبة لي كمؤمن على ضوء البحث الفلسفي بالله، هو الوجه الآخر للانبهار والإعجاب والتذوق والاستمتاع أمام جمال الطبيعة والكون وكمالاتهما وإبداعاتهما المبهرة للعقل رغم محدوديتها. أما قولي بأن «إخلاص توحيد العبودية لله هو أرقى أنواع التحرر من الداخل»، فبمعنى أن الإنسان كمحدود ونسبي، دائما في حالة انشداد للكامل أو الأكمل وللمطلق، وهذا الانشداد عندما يكون انشدادا للمعاني المطلقة، يكون انشدادا للقيم والمثل الإنسانية بأعلى مستوياتها، وهذا يتحقق عند المؤمن بأروع صوره عندما يتحرر من الداخل بالانسحاق والعبودية أمام المطلق الحقيقي لا المطلق الوهمي، والمطلق الأوحد لا المتعدد، بعيدا عن معاني القسر والإكراه تجاه الآخر الذي لا يستحضر هذه الحقائق، أو لا يستحضرها بنفس الطريقة أو نفس الفهم أو نفس الدرجة. أما قولي أن «استحضار الحمد لله في الوعيين الذهني والعاطفي هو أرقى أنواع انسجام الإنسان مع حقيقته الإنسانية»، بمعنى استحضار حمد الله ومحامده وكمالاته سبحانه وتعالى، من علم، وقوة، وقدرة، وحكمة، وعدل، ورحمة، وحب، ورأفة، وعفو، وحلم، وعطاء، وجود، وكرم، وخالقية، وإبداع، وسمو، وعلو، وعظمة، وغيرها من صفات الكمال والجمال والجلال، إنما هو تعبير عن ميل الإنسان إلى ما هو أكمل وما هو أجمل، وبالتالي يتحول هذا الميل والتوق إلى سعي وكدح إلى معاني الكمال والجمال، مما يجعل الحامد لله بهذا المعنى العميق، والمستحضر لمحامد وكمالات الله يحاول دائما أن يملأ الحياة من حوله، حياة الناس، مؤمنِهم وماديِّهم، مزيدا من الكمال والجمال والبناء الزاكي الطيب. وهكذا عندما أقول إن «سمو المثل الإنسانية هو أرقى أنواع السلوك العبادي لله»، فمن وحي مقولة «إنما الدين المعاملة» للإمام الصادق - عليه السلام -، وألا معنى للتدين، إلا بمقدار ما يسهم في صناعة إنسانية الإنسان. ذكرت ذلك لإيماني بأن الفكر والثقافة ليسا ملكا للمؤمنين بل هي من النشاطات الإنسانية، وتشمل المفكر والمثقف، بقطع النظر عما إذا كانا مؤمنـَين أو ماديَّين، مُوحِّدَين أو غير موحدين، مسلمَين أو من أتباع دين آخر، مسلمَين إسلاميَّين أو عَلمانيَّين.
المثقف والمفكر:
اصطلحت في مناسبات أخرى على «الفكر» بـ «الثقافة التأملية»، وعلى «الثقافة» بـ «الثقافة المقروءة»، أو لنقل «المُكتسَبة» أو«المُتلقـّاة»، سواء كانت مقروءة، أو مسموعة، أو مُتعلـَّمة على أي نحو كان.
والآن لندخل في صلب الموضوع موضع البحث، فنجد إن الناس فيما يتعلق الأمر بالثقافة والفكر أربعة أصناف:
1. غير المثقف وغير المفكر.
2. المثقف غير المفكر.
3. المفكر غير المثقف.
4. المثقف المفكر/ المفكر المثقف.
وبلا شك إننا عندما نتكلم عن هذه المفردات والمفاهيم، فهو كلام عن «المعرفة» أو «العلم»، وبالتالي يكون كلامنا عن «العالِم» و«غير العالِم»؛ هذين المفهومين اللذين نعبر عنهما بالعربية بـ «العالِم» و«الجاهِل». وهنا لا بد من إشارة إلى نقص من نواقص اللغة العربية، فلفظ «الجاهل» يستخدم تارة بمعنى نفي العلم، وأخرى بمعنى نفي الجهل، أي بمعنى «غير العالِم» تارة، و«غير العاقِل» أخرى، بحيث عندما يأتينا نص يذكر مصطلح «الجاهِل»، يضطر المتناول للنص بالبحث والتفسير بإيراد توضيح، بقوله «هنا يُقصَد بالجاهل في مقابل العالِم»، أو قوله «هنا يُقصَد بالجاهِل في مقابل العاقِل». بينما تميز لغات أخرى كاللغة الألمانية بمصطلحين متباينين هما «derUnvernünftige» «derUnwissende». فكل من انعدام الفكر أو انعدام الثقافة يمثلان لونا ومستوى من ألوان أو مستويات الجهل، بحيث يكون نفي الفكر مستوى من مستويات الضعف العقلي، أي فيما هو «الجاهل» في مقابل «العاقل»، بينما يمثل نفي الثقافة مستوى من مستويات الضعف العلمي أو المعرفي، أي فيما هو «الجاهل» في مقابل «العالم». وعلى ضوء قانون النسبية الحاكم على عالـَم الإنسان، لا يجب أن يكون أي من الجهلـَين، أي محدودية الملكات العقلية، أو محدودية المعرفة المكتسبة، أمرا مَعيبا في كل الأحوال. فنعت «الجاهل» النسبي ذهنيا أو معرفيا لا يجب أن يرد دائما بمعنى الانتقاص من المنعوت به، بل هو توصيف، كتوصيف طويل القامة وقصيرها، أو ثقيل الوزن وخفيفه، أو قوي البصر وضعيفه، وصاحب الاختصاص وغير صاحب الاختصاص في ميدان ما، ولو إن قيمتي «العقل» و«العلم»، أو قيمتي «الفكر» و«الثقافة» هي الأقرب إلى قيم الجوهر منها إلى قيم الشكل.
أعود إلى الأصناف الأربعة:
1. غير المثقف وغير المفكر.
2. المثقف غير المفكر.
3. المفكر غير المثقف.
4. المثقف المفكر/ المفكر المثقف.
فالمثقف هو صاحب الثقافة المقروءة أو المكتسبة، بينما المفكر هو صاحب الثقافة التأملية. والمثقف، أي صاحب الثقافة المقروءة هو من يحمل خزينا معرفيا في ميدان أو أكثر من ميدان معرفي. وعلى ذكر الميدان المعرفي أو الميادين المعرفية، جميل أن نذكر هنا ما يروى عن علي - عليه السلام - «تعلمْ شيئا من كل شيء وكل شيء من شيء»، ففي هذا القول إشارة جميلة للجمع ما بين الثقافة العامة والمعرفة التخصصية؛ الثقافة العامة من خلال «تعلـُّم شيءٍ من كل شيء»، والمعرفة التخصصية من خلال «تعلـُّم كل شيءٍ من شيء»، مع إن هذه الـ «كل» هي «كل» مجازية أي نسبية، وليست بـ «كل» حقيقية أي مطلقة، فالإطلاق لغوي ترغيبا في الاستزادة من خلال الحركة الدؤوبة والمستمرة والمتواصلة وغير المتوقفة عند حد نحو الـ «كل» الكلية المطلقة، وإن كانت ممتنعة المنال. وعودا إلى «المثقف»، الذي أردت أن أبتدئ به قبل «المفكر»، فالمقصود بـ «المثقف»، هو من يتلقى المعرفة المُنتـَجة من مفكـِّرين ومثقـَّفين آخرين تلقيا جيدا، ويستوعبها استيعابا جيدا، وتكون له القدرة على عكسها وعرضها وإلقائها عكسا وعرضا وإلقاءً جيدا. أما الذي يحفظ المخزون الثقافي عن ظهر غيب، دون الاستيعاب الجيد والقدرة على العرض الجيد، فلا يمكن أن يُنعَت بـ «المثقف» بالمعنى الدقيق لـ «المثقف»، وإن كان يمثل مستوى، ولكن مستوى عاديا من مستويات الثقافة في حدود معنى الخزن، وفرق بين الخزن والاستيعاب. وهذا «المثقف»، ما لم يُنتج فكرا جديدا، وما لم تكن له إضافات على مخزونه الثقافي المستوعَب، فلا يرقى إلى مرتبة «المفكر»، بل هو من نوع «المثقف غير المفكر». أما «المثقف المفكر»، فهو من نال الحُسنـَيَيْن المعرفِيَّتـَيْن، فهو صاحب مخزون معرفي مستوعَب من جهة، وصاحب مَلـَكة تأملية وقدرة على الإبداع الفكري والتجديد المعرفي من جهة أخرى. وبدايات التحول من «المثقف غير المفكر» إلى «المثقف المفكر»، هو عندما يبدأ «المثقف» أي صاحب الثقافة المقروءة، لا يقرأ قراءة المتلقي فقط، بل قراءة المحاور والفاحص والناقد للأفكار، والمقارن والمفاضل بينها، حتى يبدأ يُنتج هو فكرا يُضيفه إلى عالم الفكر. وعندما يجتمع كل من الفكر والثقافة، يكون من اجتمعتا لديه بمثابة «المثقف المفكر»، أو «المفكر المثقف»، بحسب ما يطغى عليه من شخصية «المثقف» أو شخصية «المفكر». وأما «غير المثقف وغير المفكر»، فهو من خسر كلا الحسنيين المعرفيتين، فلا يملك لا ثقافة مقروءة ولا ثقافة تأملية، أي لا مكتسبة ولا ذاتية، فهو جاهل بالمعنيين للجهل، دون أن يكون الجهل معيبا في كل الأحوال، لاسيما إذا لم يكن جهلا مركبا، وهو جهل الجاهل بجهله. فقد قسّم علي - عليه السلام – الناس في هذا المجال إلى أربعة أقسام، هي مَن:
يعلم ويعلم أنه يعلم.
يعلم ولا يعلم أنه يعلم.
لا يعلم ويعلم أنه لا يعلم.
لا يعلم ولا يعلم أنه لا يعلم.
وبيَّن صفة كل من هؤلاء، ثم الموقف من كل منهم، فقال عن الأول «ذاك عالم فاتـّبعوه»، وعن الثاني «ذاك غافل فنبِّهوه»، وعن الثالث «ذاك جاهل فعلـِّموه»، وعن الرابع «ذاك أحمق فاجتنبوه». فسمى «الجاهل البسيط» هنا بـ «الجاهل»، و«الجاهل المركب» بـ «الأحمق». وقلت أن صفة الجهل لا يجب أن تكون معيبة دائما، وعنيت بذلك الجهل البسيط، والذي يتأتى من محدودية المَلـَكات والقابليات، أو من انعدام أو محدودية الفرص في الحياة، ونفي العيب لا يعني نفي النقص، ففي كل صاحب كمال نسبي ثمة نقص نسبي.
ومن ضمن التقسيم الذي أوردته كان «المفكر غير المثقف». فهناك من المفكرين من لا يملك ثقافة مقروءة، أو يملكها بشكل محدود جدا نسبة إلى ما يقدمه من فكر وإبداع وتجديد فكريين. فمثل هؤلاء ربما من اكتشف في نفسه في وقت من الأوقات - ولعله في وقت متأخر نسبيا - مَلـَكة التفكير، ولكنه لم يملك فرصة، أو الفرصة الكافية للاستزادة من الثقافة المقروءة، ومع هذا رأى نفسه فيما اكتشف في نفسه مُلزَما في مواصلة العطاء الفكري. وهذا النوع نوع نادر من المفكرين، ومن أجل تقريب فكرة «المفكر غير المثقف»، أورد مصداقا عاليا من مصاديق هذا المعنى، وهو معنى «النبي الأمي»، ومعنى «لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى»، وهذا المثال لتقريب الفكرة يمكن أن يستوعبه حتى القارئ غير المؤمن بنبوة محمد - صلوات الله عليه -، فالفكرة تبقى صحيحة بقطع النظر عن انطباقها أو مدى انطباقها على مصاديقها وأمثلتها - أو ما يفترض البعض أنها مصاديق وأمثلة لها - في الواقع المتحرك خارج إطار الذهن. فمعنى مفهوم «النبي الأمي» وبقطع النظر عن تناوله كمفردة من مفردات الإعجاز، هو بمعنى آخر نفس مفهوم «المفكر غير المثقف»، لأن الأمية التي تعني عدم القدرة على القراءة والكتابة، تكون منقصة لاعتبار القراءة والكتابة أداتين من أدوات المعرفة، ولكن عندما يملك إنسان استثنائي القدرة على التزود بالمعرفة مستغنيا عن أداتيهما هاتين، من خلال امتلاكه للمَلـَكة التأملية، لا تمثل بالنسبة له عدم قدرته على القراءة والكتابة منقصة، لأنهما وسيلة استغنى عنهما بالوصول إلى الهدف بدونهما. ولذا عبر الله عن نبيه بأنه «لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى». فمعنى أنه «لا ينطق عن الهوى»، هو أنه لا يطرح المفاهيم والأفكار والمواعظ والنصائح والتوجيهات والأوامر والنواهي، إلا بما ينسجم مع روح وجوهر الوحي، فهو ليس إلا «وحي يوحى»، بمعنى امتلاكه لمَلـكة انسجام أفكاره وتأملاته مع روح وجوهر الرسالة. هذا يصح حتى بالنسبة لمن لا يؤمن بنبوته (ص)، لأنه حتى لو فهم هذا «الوحي» بأنه إلهام ما، أو هو تأملاته وقناعاته الذاتية، فإنه يبقى صاحب رسالة وصاحب فلسفة للحياة، وبالتالي، مع فرض أنه صانع هذه الرسالة، فهو من نوع الإنسان ذي الأبعاد والأفكار والطروحات المنسجمة مع بعضها البعض. وهذا المعنى يصح بنسبة أخرى على من يأتي بالأفكار الصحيحة - صحة نسبية - في مجال اختصاص ما - كالدين – أو في مجال فلسفة يتبناها، وإن كانت ليست من نتاجه، دون إيراد نصوص تؤيدها من قرآن أو سنة، أو كتاب مقدس آخر أو تقليد ديني كتقليد الكنيسة، أو نص للفيلسوف أو الفلاسفة الذي أو الذين يتبنى فلسفته أو فلسفتهم، فمثل هذا الإنسان، وإن كان لا يورد نصوصا من مصادر المعرفة الاختصاصية التي يحملها، إلا أنه قد استوعبها كمضامين لا كنصوص، وبالتالي لا يكون كلامه عن تلك المعرفة كلاما عشوائيا كيفيا ومنطلقا من فراغ، أي إنه بالنتيجة «لا ينطق عن الهوى»، وفقا لمعايير تلك المعرفة. وبعكسه من يحفظ النصوص دون القدرة على استنطاقها والاستيحاء منها، فهو خازن لها من غير وعي واستيعاب لها.
ونرجع إلى قانون النسبية الحاكم على عالـَم الإنسان، فأقول إن ما أوردته من مصطلحات فيما أسميتهم بـ «غير المثقف وغير المفكر»، و«المثقف غير المفكر»، «المثقف المفكر»، و«المفكر غير المثقف»، فلا أعني في كل من ذلك المعنى المطلق لتلك المفردة، بل بمقدار ما يمكن أن يصدق على النحو العام على المنعوت بهذا أو ذاك النعت، فهناك في كل ذلك مستويات ومراتب.
وأخيرا أحب أن أشير إلى ما بدأت به موضوعي، ذلك بعبارة «هذه محاولة ناقصة»، وأكدت ذلك بعبارة «بكل تأكيد»، فجاءت العبارة «هذه محاولة ناقصة بكل تأكيد»، ولا أعني فقط حقيقة أن لا شيء يشتمل على كمال نسبي، إلا وهو يشتمل على نقص نسبي، وليس ذلك من قبيل التواضع، حتى لو كان تواضعا صادقا وليس متكلـَّفا، بل إن سبب نقص محاولتي متأتٍ من حقيقة أني أرى أن خير من يتناول مثل هذا الموضوع هو «المفكر المثقف»، وحيث إني شخصيا لا أقيِّم نفسي جامعا للصفتين بما يؤهلني لمعالجة الموضوع، أحببت أن أؤكد على أمرين؛ أولهما أنها ليست إلا محاولة، وثانيهما حقيقة النقصان في هذه المحاولة، لاسيما إن ثقافتي المقروءة محدودة جدا بمعايير المثقفين. ولكن رغم نقص المحاولة، فهي من غير شك ذات منفعة ثقافية حسب قناعتي، هذه القناعة التي حركتني نحو إنزال هذه الأفكار على شاشة حاسبتي، ثم إلى صفحة مقروءة من صفحات الإنترنت، أو صفحة من صفحات الصحافة الورقية.
21/11/2006
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::