المقدس والعقل .. أي منهما تتقدم حاكميته على الآخر

ابتداء نتناول كلا من مصطلحي المقدس والعقل، لنتعرف على ما يقصد بكل منهما، قبل أن نحدد أي منهما جدير أن يتبع دون الثاني، أو قبله، أو بموازاته.

 

بالنسبة للمقدس فهناك ثمة علاقة بين ثلاثة مفاهيم ألا هي القداسة والسلام والحرمة. فالمقدس هو ما يكون في سلام تكوينيا، أي ما يملك المناعة الذاتية في أن يُمَس أو يُنتقـَص منه، أو ما يجب أن يُبقى عليه سالما من الانتقاص تشريعيا، سواء بحكم شريعة الدين أو الدستور أو القانون أو العقد أو العرف. هذا بالنسبة للعلاقة بين مصطلحي القداسة والسلام، أما فيما يتعلق بمصطلح الحرمة، فالمقدس هو ما له من حرمة توجب عدم المساس به أو الانتقاص منه، والحرمة قد تكون أيضا دينية أو دستورية أو قانونية أو وطنية أو عرفية، مطلقة أو نسبية.

 

وقد يأتي المقدس بمعنى المطلق، ولكنه قد يأتي بالمعنى الذي مر، دون أن يكون مطلقا بالضرورة، فتكون القداسة أو القدسية أو الحرمة متفاوتة الدرجات وبالتالي نسبية.

 

أما العقل فهو تلك الملكة التي منحت للإنسان لتحديد الضرورات (الواجبات) والمحالات (الممتنعات) والممكنات، دون أن يعنينا تحديد ما إذا كان هناك جهاز عضوي محدد مسؤولا عن هذه الملكة. وهناك تمييز بين العقل المجرد وبين قابلية كل منا في استخدام عقله النسبي استخداما يقترب أكثر من الصواب، وينأى به أكثر عن الخطأ. كما هناك تمييز بين ما يصطلح عليه بالعقلي، وما يصطلح عليه بالعقلاني أو العقلائي. فالعقلي هو ما يكون حاسما ونهائيا في الحكم على المقولات والمدعيات والنظريات عما إذا كانت واجبة عقلا أو ممتنعة عقلا أو ممكنة عقلا، وميادين الحقائق أو الأحكام العقلية هي الفلسفة والمنطق والرياضيات. وحتى هذه الميادين متفاوتة في درجة القطع، وإلا لما اختلف الفلاسفة مثلا في رؤاهم الفلسفية فيما بينهم. فالرياضيات هي الأشد صرامة وحسما ودرجة في القطع واليقين بصحة ما تحكم به الرياضيات، ويأتي المنطق بدرجة ثانية بعد الرياضيات، وتأتي الفلسفة بدرجة ثالثة. ولكن لو استخدم المنهج العقلي في التفكير بشكل صحيح وبدون ثغرات، فيفترض ألا يقع أحد في خطأ النتائج التي يتوصل إليها منهج التفكير العقلي. أما ما يصطلح عليه بالعقلاني أو العقلائي، فهو ما يمكن اعتباره من نوع العقل العملي في مقابل ما هو عقلي الذي يعني العقل النظري. والعقل العملي هو أشد نسبية من العقل النظري، فتأتي العقلانية بدرجة تالية للعقلية في درجة القطع، وتتخذ العقلائية درجة ثالثة، لأنها تعني ما تبانا عليه العقلاء، وبالتالي قد تخضع لظرفي المكان والزمان وبالتالي للتحول أكثر مما هو الحال مع العقلانية التي تعني السلوك المنسجم مع العقل بدرجة أشد استقلالية من ظرفي المكان والزمان مما هو الحال مع العقلائية.

 

والعقل كان دائما هو المعول عليه كمرجعية للحكم على الصواب والخطأ والعدل والظلم والخير والشر والحق والباطل. وإن كانت هذه المرجعية للعقل غير متساوية في درجة التعويل عليها من قبل المدارس الفكرية المختلفة في كل من المجال العام والمجال الديني. ففي مجال المعرفة الإنسانية العامة اختلف المفكرون وانقسموا ما بين عقليين وتجريبيين. فالتجريبيون يحصرون معارف الإنسان كلها بالتجربة لا غير، بينما العقليون يضمون إلى التجربة مصدرا أوليا أساسيا هو العقل، فالمعارف العقلية بقطع النظر عما إذا كانت تدرك بالبداهة أو بإعمال الفكر، لا تحتاج إلى تكرار التجربة لثبوت صحتها، بل هي تبلغ درجة القطع من اللحظة الأولى لإدراكها، سواء جرى الإدراك بديهيا أم نظريا أي بإعمال الفكر، ومثال ذلك استحالة اجتماع وارتفاع النقيضين، ووجوب كون الجزء أصغر من الكل وغيرهما. هذا بالنسبة لمعارف الإنسان عموما، أما بالنسبة للمعارف الدينية، فانقسم المفكرون الدينيون أيضا إلى عقليين ووحيويين. فالعقليون هم الذين يقولون بالحسن والقبح العقليين، أي بقدرة العقل مستقلا على الحكم على الأشياء، ما هو حسن وجميل وجيد منها، وما هو قبيح وسيئ، وكذلك الحكم على ما هو عدل وما هو ظلم، بقطع النظر عن مقولات الدين أو الوحي أو ما يسمى بالكتب المقدسة. وبعض الدينيين من أتباع مختلف الديانات ما هم وحيويون، ويسمَّون بالمعطلة أي الذين يعطلون دور العقل في إدراك المقولات الدينية، بل يعولون على مقولات الوحي أو الكتب المقدسة حصرا، والتي هي عند المسيحيين مثلا الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد والتقاليد الكنسية، وهي عند المسلمين القرآن والسنة، مع الاختلاف بين السنة والشيعة، باعتبار السنة عند أهل السنة هي قول وفعل وتقرير الرسول (ص) وحده، بينما هي عند الشيعة قول وفعل وتقرير المعصوم، وتشمل الرسول (ص) وأئمة أهل البيت الاثني عشر (ع).

 

والقول بالتعويل على مصادر الوحي حصرا يؤدي إلى الإقرار بالجبر الذي يتعارض مع العدل الإلهي كحقيقة عقلية، لأنه يفترض أن كل إنسان ملزم بمقولات كتبه الدينية المقدسة التي فتح عينيه عليها دون اختياره، فيذهب حسب أهل كل كتاب هم وحدهم إلى الجنة بينما يرسلون كل من سواهم إلى الجحيم.

 

في كل الأحوال وحتى مع افتراض وصول كل منا إلى حقائق مقدسة، فيفترض أن يكون للعقل الدور الأساسي في تحديد ما هو مقدس حقا ابتداءً، ثم ما إذا كان مقدسا مطلقا أم مقدسا نسبيا. ثم حتى المقدس المطلق فهو مقدس نسبي أو مطلق نسبي، وهذا ليس بالتناقض، فالمقصود بالمطلق النسبي أنه مطلق عند البعض وليس كذلك عند البعض الآخر، بينما المقدس النسبي فهو من قبيل الأولى أشد نسبية، لأنه مقدس نسبي عند من يؤمن بقداسته النسبية، وغير مقدس عند من لا يؤمن به. ثم فهم كل إنسان لما يفترض به أنه مطلق، إذا ما ثبتت له مطلقيته هو فهم نسبي، وتبقى صفة الإطلاق غالبا في عالم التجريد، إذن حتى مع افتراض مقدسات مطلقة، فهي نسبية في إدراكات الأفراد بتفاوت الإدراك والفهم والتصور.

 

إذن مع القول بوجوب اتباع المقدس فهو وجوب نسبي وخاص، وليس وجوبا مطلقا وعاما، أي درجة اتباعه تتحدد بمقدار إيمان كل فرد بأصل قداسته، ثم مقدار إيمانه بمدى قداسته. فوجوب الاتباع يكون وجوبا ذاتيا وليس إيجابا غيريا، أي أن يلتزم به صاحبه دون إلزامه الآخرين به، إلا إذا تحول إلى عقد ملزم بين أفراد المجتمع وجماعاته.

 

من هنا أقول أن المعول عليه في الاتباع بدرجة أساسية هو العقل، أما المقدس فيلزم نفسه به كل بمقدار إيمانه بقداسته، ولا يجوز له فرض تلك القداسة على الآخرين رغما عنهم، سواء آمنوا بذلك أو لم يؤمنوا، وسواء اختاروا الالتزام الطوعي به أو لم يختاروا. أما ما قد يرد البعض به من خلال فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو فريضة الدعوة، فهذا لا يكون إلا على نحو العرض الرفيق بالوعظ والإرشاد والسبل الحكيمة، دون تعسف ولا ممارسة قمع فكري أو نفسي معنوي، لأن من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر بالأساليب المنكرة وجب نهيه عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من حيث أن أمره ونهيه تحولا إلى منكر من خلال الأسلوب المنكر المتبع، لا من خلال الدوافع والأهداف التي قد تكون معروفة ونبيلة. والدعوة هي ليست إلا عرض وترويج للأفكار الذي من حق كل من يحمل فكرة أو رسالة اجتماعية أو ثقافية أو وطنية أو دينية أن يمارسه، فيعرضها ويروج لها ولكن لا يكره أحدا عليها ولا يتعسف بها، لأن الدعوة هي فيما هي جذب، بينما التعسف تنفير، ثم القاعدة الأخلاقية التي توجب أن تعامل الآخرين بمثل ما تحب أن يعاملوك به توجب النأي عن التعسف بهم واضطهادهم ولو اضطهادا معنويا ونفسيا عند امتلاكك القدرة عليهم، لأنك لا تحب أن يتعسفوا بك ويضطهدوك على أي نحو من الأنحاء عند امتلاكهم القدرة عليك.

 

من حقك إذن أن تقدس مقدسك، ولكن ليس من حقك أن تفرض قدسيته على الآخرين، إلا بمقدار ما توجبه أخلاقية احترام المشاعر كحق وواجب متبادلـَين متكافِئين وليسا ممارسين باتجاه واحد، مما لا يبرره حتى واقع الأكثرية والأقلية.

 

ليكن العقل مرجعنا في إدراك الحقائق المجردة، والعقلانية مرجعنا في فهم حركة الحياة، والعقلائية في الالتزام بما جرى التباني عليه، والقواعد الأخلاقية في التعاطي مع بعضنا البعض، ولندع رفع سقف القداسة على المقدس النسبي بجعله مقدسا مطلقا، وبتعميم المقدس الخاص بجعله مقدسا عاما. ولنحفظ حرمة مقدسات الآخرين، كما نحب أن يحفظوا حرمة مقدساتنا.

03/05/2006

 

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::