العقلانية والنسبية في الفكريَن العَلماني والديني من وحي مقالة «مستقبل العلمانية» لـ د. مراد وهبة
في مقالة بعنوان «العلمانية في مصر» لـ د. مراد وهبة في الهلال - عدد يونيه (حزيران) 2006 يقول:
العلمانية بحسب تعريفي هي التفكير بالنسبي، بما هو نسبي، وليس بما هو مطلق. ومعنى ذلك أن النسبية ينبغي ألا ترقى إلى المطلق، وإلا امتنع التطور، لأن التطور يستلزم النسبية. ومعنى ذلك أن جميع الأحوال الإنسانية ينبغي أن يكون تناولها زمانيا، ولا يكون تناولها مجاوزا للزمانية. ومن مميزات هذا الزمان الكوكبية، وتعني الكوكبية أن كوكب الأرض، بفضل الثورة العلمية والتكنلوجية، قد أصيب بـ «موت المسافة»، زمانيا ومكانيا، استنادا إلى الإنترنت والبريد الألكتروني. ومع موت المسافة تموت الدوڠمات، إذ أن من شأن الدوڠما أن تخلق مسافة بينها وبين أي دوڠما أخرى، إلى الحد الذي تتوهم فيه كل دوڠما بأنها مالكة للحقيقة المطلقة، فتنقضّ على الدوڠمات الأخرى، وتقتلها. وهذا ما أسميه القتل اللاهوتي، وهو النتيجة الحتمية لما أسميه «صراع المطلقات». العلمانية إذن ملازمة للكوكبية.
إني أكاد أتفق تماما مع الأستاذ وهبة، فيما هي النسبية، ولكني أختلف معه في أن العلمانية مساوقة للنسبية، وبالتالي الدينية مساوقة للمطلقية. وإني تناولت النسبية في كثير من مقالاتي، ورفضت تعميم المطلقية من قبل الإسلاميين، سواء المفكرين الإسلاميين منهم، أو الإسلاميين السياسيين، ودعوى تعميم المطلقية هذه - بتقديري - ليست نتاجا للفكر الديني بما هو ديني، بل هو نتاج الأصولية الدينية، والجمود على النص الديني، والقوالبية في التفكير الديني، والعصبية الدينية بأية درجة من درجاتها، والتي ينتج عنها بحسب الدرجة «التشدد»، كمرتبة أولى، ثم «التطرف» كمرتبة ثانية، ثم «العنف» كمرتبة ثالثة، ثم «الإرهاب» كمرتبة رابعة. فدعوى المطلقية لما يسمى بالحقائق الدينية ليس من الدين في شيء، بل هو من الفكر الديني، كنتاج إنساني نسبي، ولكنه رغم نسبيته مدع للمطلقية. وهؤلاء الذين يدعون أن ما يحملون من فكر ديني، أو ما يستنبطون أو يفسرون أو يؤولون أو يجتهدون، يمثل الحقائق المطلقة للدين بما هو دين، أي هو وحي موحى به من الله، وبالتالي غير قابل للرد، بل غير قابل للنسبية، فإنهم ابتدعوا دينا، ليس هو الدين الذي جاء به جبريل من عند الله، بل هو ما أوحى به جبريلهم الخاص بهم من عند أنفسهم، أي من عند فهمهم النسبي والقاصر، ومن عند عصبياتهم وجمودهم على النص.
ولو سلـّمنا بوجود حقائق مطلقة، والحقائق المطلقة لها بالتأكيد ثمة وجود، وهذا ما تقره حتى فكرة النسبية، فمقولة «كل شيء نسبي»، تحمل نقيضها، باعتبار أنها تنفي المطلقية، وتدعي المطلقية لنفسها، فتعتبر أن «كل شيء [بالمطلق] نسبي»، إلا إذا كان يُقصد بذلك «كل شيء نسبي، بما في ذلك مقولة أن ”كل شيء نسبي“». إذن حتى القول بنسبية الأشياء نسبي، إذ ثمة مطلقات، كالحقائق العقلية، ومنها الحقائق الرياضية، والضرورات العقلية من المقولات المنطقية والفلسفية، وأرجو ملاحظة أني اعتمدت النسبية حتى فيما يفترض به أن يكون من المقولات المنطقية والفلسفية، بحكم اختلاف المناطقة والفلاسفة في بعض المقولات، ولكن هناك ما عليه إجماع، بأنه يمثل ضرورات عقلية، على أقل تقدير عند رواد المدرسة العقلية، وهذا بحد ذاته مما يحوّل هذه القضية إلى قضية نسبية بدرجة ما، بحكم وجود المدرسة التجريبية إلى جانب المدرسة العقلية. أقول بقطع النظر عن موقف كل منا من هذه المسائل، دعونا نفترض أن منا من هم متفقون على وجود ثمة حقائق مطلقة. فلننظر، وهذا ما أعالجه على ضوء الفكر الديني، كيف تتحول هذه المطلقات إلى نسبيات بثلاث مراحل من مراحل التحول إلى نسبي، وما هو أكثر نسبية. المرحلة الأولى في تحول ما يفترض به أنه مطلق إلى نسبي، هو أن هذا المطلق بحد ذاته مطلق نسبي، وهذا ليس بالتناقض، لأني أعني هنا أن الإيمان بمطلقيته إيمان نسبي، من حيث أن هناك من لا يؤمن بمطلقيته، وحتى المؤمنون به على أنه مطلق، تتفاوت درجات الإيمان به بين أفرادهم، بحيث ليس كل واحد منهم يؤمن بمطلقيته بالمطلق، أعني بدرجة القطع واليقين، فيقينهم مشوب بثمة شك، ولا أعني هنا الشك الذي يقصد به تساوي كفتي التصديق والتكذيب، بل كل ما يخفض القطع واليقين إلى ما دونه منزلة. ثم تأتي المرحلة الثانية من التحول إلى النسبي، ذلك أن هذه الحقيقة المطلقة بما هي – وبحسب الافتراض - حقيقة مطلقة، تبقى في أغلب الأحيان مطلقة في عالم التجريد، لكنها تتحول إلى نسبية في الفكر الإنساني، أي أن كل فرد من أفراد النوع الإنساني، من المؤمنين بتلك الحقيقة كحقيقة مطلقة، له فهمه النسبي لهذه الحقيقة المطلقة. وما هذا التباين بين فهم وآخر، وما الاجتهاد في تفسير هذا المطلق، ومن ثم تعدد الاجتهادات، إلا دليل على نسبية الفهم الإنساني للمطلق. ثم تأتي المرحلة الثالثة من تحويل هذا النسبي في فهم المطلق النسبي إلى مستوى أشد نسبية من خلال إنزال النظرية المفترض بها أنها مطلقة إلى الواقع، والتي كانت نسبية، من حيث أن ليس الجميع يؤمنون بمطلقيتها، ثم النسبية في فهم كل فرد من الأفراد المؤمنين بمطلقيتها، فتتحول هنا إلى نسبية عندما تنزل من عالم التجريد إلى عالم الواقع، أو من عالم النظرية إلى عالم التطبيق، أو بتعبير آخر من عالم «الكتاب» إلى عالم «الحكمة»، حسب المصطلح القرآني في قوله تعالى «ويعلمهم الكتاب والحكمة». ولطالما قلت في كتاباتي، أننا غالبا ما نجد أن «الصواب يختزن شيئا من الخطأ»، كما أن «الخطأ يختزن شيئا من الصواب»، وأن «الحق يختزن شيئا من الباطل»، كما أن «الباطل يختزن شيئا من الحق»، وأن «الخير يختزن شيئا من الشر»، كما أن «الشر يختزن شيئا من الخير»، وأن «الإيمان يختزن شيئا من الكفر»، كما أن «الكفر يختزن شيئا من الإيمان»، وأن «التوحيد يختزن شيئا من الشرك»، كما أن «الشرك يختزن شيئا من التوحيد»، وأن «الإسلامية أو الدينية عموما تختزن شيئا من العلمانية»، كما أن «العلمانية تختزن شيئا من الإسلامية أو الدينية»، وأن «العقلانية تختزن شيئا من اللاعقلانية»، كما أن «اللاعقلانية تختزن شيئا من العقلانية»، وأن «الذكاء يختزن شيئا من الغباء»، كما أن «الغباء يختزن شيئا من الذكاء»، وهكذا في مجمل المتضادات، كالجمال والقبح، والعدل والظلم، والمنفعة والضرر والإنسانية واللاإنسانية وغيرها، فلكل شيء في عالم الإنسان أو في عالم الممكنات وجهان، بما في ذلك الدين، والديمقراطية وغيرهما.
إذن القضية قضية تباين بين منهجين للتفكير الإنساني عموما، وليست هي قضية تباين بين التفكير العلماني والتفكير الديني، فحتى بعض العلمانيين فيما هي السياسة، أو الماديين فيما هي الإيديولوجية، وقعوا في مطب منهج تعميم المطلقية في التفكير والأحكام. فالقرآن تحدث عن الإيمان النسبي من جهة لمن نعتهم بالكفار من جهة أخرى، كما تحدث عن الكفر النسبي من جهة، فيمن اعتبرهم من المؤمنين من جهة أخرى، وهذا دليل النسبية. كما تحدث عن المساحات المشتركة أو لا أقل إمكان إيجاد مساحة مشتركة أو الدعوة إلى البحث عن المساحات المشتركة أو خلق تلك المساحات بين دوڠما ودوڠما، فيما عبر عنه قوله تعالى يحث المسلمين على دعوة غيرهم بقول «تعالوا إلى كلمة سواء»، ثم رفض التعميم والإطلاق بقوله سبحانه «ليسوا سواء». وهناك شواهد كثيرة عن نسبية الإيمان ونسبية الكفر في القرآن والسنة.
إذن الذي ينبغي أن نتحدث عنه هو «العقلانية»، وليست «العلمانية». و«العقلانية» هذه تشمل «العقلية»، و«العقلائية»، أي «العقلانية» في استيعاب «الكتاب» أي النظرية، أية نظرية، و«العقلانية» في اعتماد «الحكمة»، أي إنزال النظريات إلى أرض الواقع وتحريكها في رحابه وساحاته. والعقلانية توجب الموضوعية. ولكن تبقى قضية «العقلانية» ذات ثغرة، لأن مجانبة الموضوعية لا تكون دائما من جراء خطأ في الفهم فيما هو القصور غير المتعمَّد، أي عندما يكون الإنسان «جهولا»، بل في كثير من الأحيان من جراء مجانبة العدل: «لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى»، وبالتالي من جراء تقصير متعمد ناتج عن عقد نفسية، عندما يكون الإنسان «ظلوما»؛ «إنه كان ظلوما جهولا». إذن نحن بحاجة إلى «العقلانية» لمواجهة «الجهولية»، وإلى «الإنسانية» لمواجهة «الظلومية»، وبالتالي إلى «العَقـْلانِنـْسانِيّة».
ومن هنا فإني أتفق إلى حد كبير جدا مع د. مراد وهبة فيما أسماه بـ «موت المسافة»، كواحد من أبرز ما أسماه بـ «الكوكبية»، التي هي من مميزات هذا الزمان، وبالتالي «موت الدوڠمات». إذ قال:
ومن مميزات هذا الزمان الكوكبية، وتعني الكوكبية أن كوكب الأرض، بفضل الثورة العلمية والتكنلوجية، قد أصيب بـ «موت المسافة»، زمانيا ومكانيا، استنادا إلى الإنترنت والبريد الألكتروني. ومع موت المسافة تموت الدوڠمات، إذ أن من شأن الدوڠما أن تخلق مسافة بينها وبين أي دوڠما أخرى، إلى الحد الذي تتوهم فيه كل دوڠما بأنها مالكة للحقيقة المطلقة، فتنقضّ على الدوڠمات الأخرى، وتقتلها. وهذا ما أسميه القتل اللاهوتي، وهو النتيجة الحتمية لما أسميه «صراع المطلقات».
وقلت أني أتفق إلى حد كبير جدا مع الكاتب المحترم، ولم أقل أني أتفق معه تماما، أو بالمطلق، بل الاتفاق بيننا هو الآخر نسبي، فموت المسافات نفسه ليس إلا حقيقة نسبية، ولا يجب أن تمثل الصفة الملازمة بالمطلق للكوكبية والزمانية. ولذا فإني أعبر عن هذه الحقيقة بطريقة أخرى، ألا هو عدم وجود الفواصل الحادة وفي كل الأحوال وفي كل المواقع بين دوڠما ودوڠما أخرى، ومن هنا فهناك بين دائرة دوڠمائية ودائرة دوڠمائية أخرى ثمة مساحة أو ربما أكثر من مساحة مشتركة، أي أن في الدوائر الدوڠمائية، أو الفكرية، أو الإيديولوجية، أو الثقافية المختلفة ثمة تداخل أو تراكب في المساحات، مما يكوّن المشتركات فيما بين بعضها والبعض الآخر، وإن هذه المساحات المشتركة، وهذه التداخلات تتسع تارة، وتضيق أخرى، وبنسبة أو بأخرى.
المهم عالمنا وكوكبنا ومجتمعنا الإنساني يحتاج اليوم أكثر من أي عصر مضى إلى العقلانية، فإذا اصطلح البعض على هذه العقلانية مصطلح العلمانية، وافترضنا صحة هذا الاصطلاح، ولو صحة نسبية، فلا يفترض أن تكون لدينا أي مشكلة في أن نكون علمانيين، وقد قلت في مقالة «عمق إسلاميتي صيرني علمانيا»:
كما قلت من قبل أني فتشت عن الديمقراطية في الإسلام، فاكتشفت الإسلام في الديمقراطية، بمعنى أني وجدت الكثير من ملامح الإسلام في عناصر الديمقراطية، ثم وجدت في وقت لاحق أن عمق إسلاميتي هو الذي صيرني علمانيا دون الوقوع في التناقض، لأني اكتشفت علمانية الإسلام في الشأن السياسي. فكما إن الإسلام غيبي مثالي في الأخرويات، فهو شهادوي واقعي في الدنيويات، وكما إن إسلامية الإسلامي تجعله إسلاميا أصوليا مع الذات، فإنها تصيره ديمقراطيا ليبراليا، بل علمانيا مع الآخر. فالإسلام نفسه لا يلزمنا بأدلجة الحياة السياسية حتى بإيديولوجيته هو، وهذا ما فصلت فيه في مقالتي «الحركات الإسلامية ومفهوم أسلمة المجتمع».
وحتى عقلانيتنا ستكون نسبية، وتسير في خط التكامل، وإنسانيتنا ستبقى نسبية، وتسير هي الأخرى في خط التكامل. وعندما نتحدث عن التكامل، الذي هو من شأن النسبي، الذي ما يبلغ من كمال نسبي، إلا وتطلع إلى كمال أكمل مما تطور إليه في سيره التكاملي، فالنسبية تتطلب التكامل، وهذه هي سنة التطور، ومن هنا فإن كلام د. مراد وهبة دقيق تماما، عندما يقرر:
ومعنى ذلك أن النسبية ينبغي ألا ترقى إلى المطلق، وإلا امتنع التطور، لأن التطور يستلزم النسبية.
والمشكلة أن الذين يرفعون النسبي إلى مستوى المطلق، هم ممن يفترض بهم أنهم يحملون عقيدة تمنعهم من رفع النسبي إلى المطلق، والمحدود إلى اللامحدود، وممكن الوجود إلى واجب الوجود. فنظرية التوحيد، التي يفترض أنها تمثل قاعدة الرؤية الكونية التي يعتمدونها، تؤكد وحدانية واجب الوجود سبحانه وتعالى، لأن التعدد من صفات الوجودات الممكنة، وليس من صفات الوجود الواجب. فواجب الوجود هو وحده ممتنع التكامل، لأن ليس وراء الكمال المطلق ما هو أكمل، كي يتكامل إليه، ولأن التكامل لون من ألوان التحول، والتحول والتغير من صفات ممكن الوجود، ويمتنعان على واجب الوجود، وكل ما سواه متحول متغير، وبالتالي قابل للتكامل، أي ممكن التكامل كحد أدنى، وبعض مفردات ممكن الوجود واجب التكامل، إما وجوبا تكوينيا غير إرادي، وإما وجوبا تكليفيا واعيا إراديا، والمعني بهذا النوع من واجب التكامل هو الإنسان بالذات، وهذا ما تعبر عنه الآية الكريمة في معنى من معانيها «يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه»، وهو ما عبر عنه علي - عليه السلام -: «من تساوى يوماه فهو مغبون، ومن كان أمسه خيرا من يومه فهو ملعون»، وتكليف الإنسان في استثمار ما سخره الله له في الطبيعة والكون من مادة متنوعة وطاقة وقوانين، وما أعطاه من عقل مبدع، وملكات متنوعة خلاقة، إضافة إلى ما يتجسد من معنى في مفهوم التوكل «أعقلها وتوكل»، وفي آية التغيير «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم»، وفي حديث وجوب إتمام عملية شتل الفسيل حتى لو قامت الساعة، ناهيك عن المعاني المختزنة في آية الخلافة «إني جاعل في الأرض خليفة»، بعدما أهل الله الإنسان لهذه الخلافة: «وعلمنا آدم الأسماء كلها»، «خلق الإنسان، علمه البيان»، «الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم». ولولا أني لا أريد أن أسهب في التفاصيل، لتوقفنا سوية عند كل معنى من المعاني مارة الذكر، لنستبين منها مدى علاقتها بتكليف الإنسان في التطور والتطوير، أي تطوير نفسه وتطوير الواقع من حوله ضمن مسيرة تكاملية، وهذا ليس فقط في أمور الدين، كما قد يذهب إليه البعض في فهم تبسيطي تسطيحي، بل هو تطور في العلم، في التكنلوجيا، في الفكر، وفي كل مناحي الحياة المادية والمعنوية، للتحول باطراد مما هو أدنى إلى ما هو أعلى وأفضل وأجمل وأكمل وأنفع؛ التحول من الفقر إلى الغنى، من ضنك العيش إلى رفاهية العيش، من الفوضى إلى النظام، من الاحتراب إلى السلام، من الظلم الاجتماعي والسياسية والاقتصادي إلى العدل، من سطحية الفكر إلى الغور في عمق الأفكار، من شكل الأشياء والمعاني والمفاهيم والمدنيات والحضارات وحتى العقائد والشرائع والأخلاق إلى جوهر كل منها، التطور والتحول من التخلف إلى التقدم، من اللاوعي إلى الوعي، من الجهل إلى العلم، من الخرافية إلى العقلية، من غياب الرشد إلى الترشد، من أراذل الأخلاق إلى مكارمها، من الاستعباد إلى الحرية، من الرتابة والجمود إلى الحركية، من التقليد والمحافظة إلى الإبداع والتجديد، من الانغلاق إلى الانفتاح، من ثقافة الكراهة إلى ثقافة الحب، وإلى غير ذلك. وإذا لم يقم الإنسان بكل ذلك، فقد خالف سنة التسخير، وتقاطع مع مبدأ الخلافة، وتحرك بعكس اتجاه الكدح التكاملي، وجانب العقلانية.
نعم المجتمع الإنساني لا يزدهر، ولا يتقدم، ولا ينمو، ولا يتكامل، إلا بوعي قانون النسبية، وإلا باعتماد العقلانية، والموضوعية، والعلمية، والإنسانية، والأخلاقية. فإذا كان ذلك من الفكر الديني، فليكن كل الناس دينيين بهذا المعنى، وإذا كان ذلك من العلمانية، فليكن كل الناس علمانيين بهذا المعنى، وإذا قيل إن العلمانية هي المشترك، فليلتق الجميع على هذه المساحة المشتركة، وإذا استعضنا عن مصطلح العلمانية بالعقلانية أو العقلاننسانية، فليكن ذلك، فالمهم جوهر القضية ومسماها، لا شكلها واسمها.
06/07/2006
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::