أمل بمستقبل أخضر كالربيع يجاهد الموت الأحمر

ضياء الشكرجي

 مقالة كتبت أثناء أزمة تسببت في نزف دموي، حذفت منها المصاديق الخاصة بتلك الأحداث، وأبقيت الثابت العام.

 

عندما تريد أن تكتب تموت الكلمات، وتتحرك أصابعك متثاقلة حائرة على لوحة مفاتيح الحاسوب، الذي بدت شاشته شاحبة كالتوابيت، لا تدري أتطلق العنان لمشاعرك؟ أتـُنظـّر؟ أتـُحلـّل؟ أتستنكر؟ أتتساءل؟ أتصرخ، وتصرخ، وتصرخ؟ تراك في كل ذلك عاجزا، بل شبه ميت. فإذا أردت أن تطلق العنان لمشاعرك، تراك تكاد لا تتعرف أصلا عليها، ما هي، كي تستطيع أن تنقلها من عالم الشعور – أو لا أدري لعله اللاشعور - إلى عالم التعبير. أما إذا أردت أن تـُنظـّر، رأيتك تهزأ بنفسك وبعبقريتك التنظيرية، بل توبّخ نفسك لتلك المحاولة، لمجرد المحاولة، أو مجرد التفكير بالمحاولة أيّما توبيخ، صارخا بها: وهل الوقت وقت تنظير؟ ثم ماذا تملك مما تستطيع أن تـُنظـّر على ضوئه؟ وهكذا إذا أردت أن تحلل أو تستنتج، تراك تتهم كل ذكائك وقابليتك على التحليل بالعجز، أما إذا أردت أن تستشرف المستقبل، فأما ان تغمض عينيك لتعيش حلما، سرعان ما تكتشف أنه ليس إلا حلم، فتفتح عينيك فزعا مرعوبا على كابوس تلون بلون واحد لا لون سواه، ألا هو اللون الأحمر، وسرعان ما تتعرف على هوية الحمرة، لأنها نفس حمرة دمك، فتعلم أنه دم أبنائك أو أبناء إخوانك وأخواتك، ودم إخوانك وبني عمومتك وبني عماتك، وبني أخوالك وبني خالاتك، ودم جيرانك وأصدقائك. لا فرق من أي فريق يسقط الدم، فهو دمك أنت، وحمرته هي حمرة دمك أنت. من نتهم؟ ومن ندين؟ ثم نحاول أن نخرج صوتنا المخنوق في حنجرتنا صارخين: توقفوا، أوقفوا هذا النزف، أوقفوا نزف دمي، ولكن لا تجد عقلا يستجيب، ولا قلبا ينبض، لأن صخب الموت المجنون لا يدع لهما فرصة أن يسمعا، فترجع كلماتك تختنق، وتختنق، حتى تخنقك معها، وتخنق العَبرة، وتـُحيّر العِبرة. مع هذا لا نيأس، ونهتف بوجهَيْ [المسؤولين عن الاقتتال]، احقنا الدماء، أوقفا النزيف بالله عليكما، فالمعركة ليست لصالح أحد منكما، ولا من غيركما. لماذا يجب أن تدفع [...] كلها، ويدفع أهاليها كلهم، وتدفع حتى قبورها والراقدون فيها ثمن هذه المعركة، التي لا رابح فيها، وأخسر الخاسرين فيها هو شعبنا العراقي. ظننا أن زمن الحلول الدموية للأزمات، وزمن لغة السلاح وإلهاب الساحة بالحروب قد ولى مع زمن صدام، ولكن لم نغمض أعيننا على حلم الخلاص، حتى دوّى صخب كوابيس اليقظة، فأفسد علينا أحلامنا، وكأن الأحلام حرام على العراقيين. أسكتوا يا أحبتنا صوت دويّ الرصاص، حتى تـُسمَع كلمة الحوار بلا صخب، وبلا دماء، وحتى تـُسمَع كلمة العقل، كلمة السلام، فكـّروا قليلا بالملايين المقاربة للثلاثين التواقة للأمن والسلام، والتي ملـّت آذانها سماع طبول الحروب النشاز، وتاقت إلى سماع معزوفة الحب والسلام، والتي لم تعد أعينها تطيق رؤية اللون الأحمر إلا في ورود الربيع، وما لوّنت به ريشة الخالق المبدع سبحانه لوحة الطبيعة من تزويق متجانس، بلا إفراط ولا تفريط، والتي فقدنا حتى إحساس التمتع بجمالها، ولم تعد هذه الملايين ما سوى ذلك تطيق مشهد الحمرة في دماء الأهل والأحباب. ابحثوا في قاموس الوطن عن الكلمات الخضراء، واهجروا للحظة من التاريخ استخدام الكلمات الحمراء، كي يستطيع العراق أن يتنفس، أن يتعافى، ليبدأ يتعلم ولو مرة كيف يفرح، ويكفكف الدموع التي حفرت أودية وأخاديد على خديه المتعبين. افسحوا الفرصة للطفل العراقي يتعلم الدرس الأول في الابتسامة والتفاؤل والفرح بالمستقبل. سيذهب المحتلون غدا، نعم، لا أشك أنهم سيذهبون، وسيغادر العابثون الغرباء أرضنا، ويبقى العراقيون يضمّدون جراح بعضهم البعض، يعفو عن بعضهم البعض، ليبدأوا صفحة جديدة، صفحة المستقبل، طاوين صفحات الدموع والدماء، ليزرعوا المستقبل أخضر كالربيع، أزرق كالسماء، أبيض كقلوب الطيبين والطيبات، ذهبيا كالشمس العراقية، وأحمر كتطريزات الحقول بالورود، وليس الملون بحمرة الدماء، كفى دماء، بالله عليكم كفى دماء، كفى نزيفا، كفى جراحات، كفى، دعونا نبدأ بداية جديدة في عراق جديد في أول درس من دروس الحب الجديد. لماذا يُقـتـَل الشاب [من هذا الطرف]؟ ولماذا يُقتـَل [الآخر من ذاك الطرف]؟ لماذا لا يبقيان ليبنيا العراق الجديد يدا بيد، ويتعانق قلباهما على حب بعضهما البعض، وعلى حب الوطن، وحب السلام، وحب المستقبل؟ لماذا لا نختار الحب والبناء والحياة ، ونهجر البغضاء والدمار والموت، إلا ما كان منه أجلا مؤجلا من واهب الحياة ومقدر الموت سبحانه على ضوء سنن الكون، لا بتدخل عابث جهول أو ظلوم ممن أفسد فيها وسفك الدماء، منذ أول خطوة عبث دموي على يد قابيل راح ضحيتها شهيد الإنسانية، وشهيد السلام الأول هابيل، الذي يجب أن ينصب له كل محب للخير نصبا تذكاريا في ميدان قلبه؟

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::