وصايا المرجع أو الشخصية القيادية؛ كم هي ملزمة بعد وفاته؟
إن من دواعي الاعتزاز والافتخار أن تملك الأمة مراجع ومفكرين وقادة يبقون خالدين في وعيها، تحيي ذكراهم وتستوحي من نهجهم ما يعينها على مواصلة السير. ولا خير في أمة لا تملك عظماء، ولا خير في أمة لا تعظـّم عظماءها. لكن هناك فرق بين التعظيم والإجلال وإحياء الذكرى واستيحاء الدروس والتزام الخط، وبين الغلو وتحويل القائد أو الرمز إلى مقياس مطلق، وتحويل مقولاته إلى نص نهائي ساري المفعول وثابت إلى يوم القيامة، غير قابل لإعادة النظر والناقشة.
لعل الشهيد الصدر (رض) هو تلك الشخصية التي استطاعت أن تتألق أكثر من أي شخصية أخرى، فتبوأت موقع الذروة من دون الآخرين. ومع هذا نقول، ليس من الصحيح أن نحوّل حتى الشهيد الصدر إلى مقياس مطلق، بحيث لا يجوز مراجعة أي من افكاره، أو أي من مواقفه. فإذا كان هذا الموقف من الشهيد الصدر الذي بلغ ما بلغ من السمو والرفعة، فمن الأولى أن يتم التعامل مع من لم يبلغ ما بلغه بطريقة متوازنة.
وصايا بعض الشخصيات العلمائية، إن كان من موقع المرجعية، أو من موقع القيادة والتصدي الاجتماعيين والسياسيين، أو عبارات التقييم الصادرة منهم تحولت إلى مقولات نهائية عند البعض. ومن أجل ألا نبقى في مستوى المفاهيم المجردة، لا بد من ذكر أمثلة لمثل هذه الظواهر. وسأقتصر على خمسة أمثلة:
وصية الشهيد الصدر بالدعوة.
قول الشهيد الصدر بالسيد محمد باقر حكيم.
ترشيح الصدر الثاني للسيد كاظم الحائري.
إشارة الإمام الخميني للسيد الخامنئي.
أقوال الخميني بالشهيد الصدر.
المثال الأول: من غير شك إن من دواعي الفخر لدى الدعاة أن يكون من مثل الصدر - ومن مثله؟ - يوصي بدعوتهم خيرا وأن يعتبرها أمل الأمة. ومن حق حزب الدعوة الإسلامية أن يستشهد بهذه المقولة أو قل هذه الشهادة. ولكن لو تعاملنا بموضوعية مع هذه المفردة، في رأيي أنه لا ينبغي التأكيد كل هذا التأكيد على وصية أو شهادة الصدر هذه. وأدرج أسباب نقدي للمبالغة بالتأكيد على هذه الوصية بما يلي:
من الممكن جدا أن تتغير الأحزاب سلبا أو إيجابا، ولا سيما عندما يتحول حزب كحزب الدعوة من مرحلة إلى مرحلة أخرى تختلف اختلافا يكاد يكون جذريا، بحيث يمكن أن يتعرض إلى نوع آخر من الاختبارات، لم يكن قد مر بها من قبل، فقد يثبت جدارة وأصالة وقوة بدرجة أكبر، أو بدرجة دون ما جرى في المرحلة السابقة.
من الممكن جدا أن الشهيد الصدر كان - لو كتب الله له البقاء - سيغير من موقفه تجاه الدعوة، بتحوله إلى موقف سلبي أو ناقد أو متحفظ، أو موقف أكثر إيجابية وانسجاما ودعما وتأييدا واندكاكا من ذي قبل.
حتى لو كان الصدر - لو كتب الله له البقاء - قد بقي على موقفه تجاه الدعوة، فهو وإن كان - كما بينت - يمثل مقياسا كبيرا وكبيرا جدا، ولكنه لا يتحول إلى مقياس مطلق وملزم للجميع، بل هو قابل للمناقشة والنقد.
الحزب يجب أن يقيَّم على ضوء واقعه، وعدم الاقتصار على وصية شخصية فكرية وقيادية ومرجعية عظيمة كالصدر، وعلى ضوء هذا التقييم الذي يأخذ واقعه الراهن (فكره، مواقفه، رجاله) يمكن تحديد الموقف سلبا أو إيجابا تجاهه.
المثال الثاني: ومن حق السيد الحكيم ومن حق مريديه وحزبه حزب المجلس الأعلى للثورة الإسلامية أن يفتخر ويفتخروا بوصف الشهيد الصدر له بأنه عضده المفدى. ولكن ما قيل في الحزب يقال في الفرد، مع كون احتمال تغير الفرد أرجح من احتمال تغير الحزب بشكل كبير قد يكون جذريا أحيانا. لآ سيما أن هناك مؤشرات إلى أن الصدر قد سجل في الشوط الأخير من حياته الشريفة موقفا آخر. ولكن كما بينت فيما يتعلق بالدعوة بأن الموقف الإيجابي حتى لو افترضنا بقاءه، لا يمثل بالضرورة الحقيقة المطلقة النهائية، كذلك يمكن القول عن الموقف السلبي إذا افترضناه تجاه جماعة ما كان أو تجاه فرد ما.
المثال الثالث: إن الشهيد الصدر الثاني انطلق من ترشيحه للحائري مرجعا خلفا له من نظرية تحمل من حيث المبدأ عناصر قوة، وإن كانت قابلة للمناقشة، ألا هي نظرية وجوب تقليد الأعلم من المدرسة الأعلم، وحيث أن مدرسة الشهيد الصدر (محمد باقر الصدر) هي الأعلم عنده، لا بد من اختيار الفقيه الأعلم منها. النظرية جديدة وجديرة بالاحترام، لكن هناك مناقشة من قبل بعض الفقهاء في أصل فتوى وجوب تقليد الأعلم، أو - في حال القبول بها - في مدى واقعية إمكانية تحديد الأعلم. ثم هناك كلام في المصداق، فيمكن للبعض أن يتحفظ على هذا الترشيح بالتساؤل عن أنه كيف يمكن أن يتحول مجتهد لم يكن له من مقلدين أو مريدين من عراقيي المهجر باستثناء أفراد معدودين جدا إلى مرجع وولي أمر لكل العراقيين في الداخل.
المثال الرابع: حاول الكثيرون في إيران أن يستفيدوا من بعض أقوال الإمام في محافل خاصة أو عامة بحق السيد الخامنئي، ليضفوا الشرعية بل القداسة على الموقع الجديد للقيادة وولاية الأمر بعد الإمام الراحل. ولم تكن تلك المحاولات موفقة بل ضعيفة غاية الضعف ومتكلفة. وهذا الكلام لا علاقة له بتقييم السيد الخامنئي وكفاءاته، بل الإشكال يدور حول طريقة الاستشهاد بالرجوع إلى نصوص الإمام وجعلها والنصوص الشرعية الملزمة من القرآن والسنة على حد سواء، إضافة إلى أن هناك تحفظا على أصل صدور تلك الأقوال، أو على طريقة تأويلها.
المثال الخامس: كثيرا ما استشهد محبو ومريدو الصدر من العراقيين بأقوال الإمام الخميني بطريقة توحي وكأن قيمة الصدر متوقفة على تلك الشهادات والتقييمات للإمام. فالإشكال يرد هنا في كون الصدر أعظم من أن يستدل على رفعة مقامه بشهادة الإمام الخميني (رحمه الله) دون التقليل من شأن الأخير، فصناعة النصر الذي حققه الإمام لا يحوله إلى مقياس ومعيار يقاس ويوزن به الصدر العظيم. نعم لا بأس من ذكر ما قيل في الشهيد الصدر من قبل العلماء والمفكرين وغيرهم من الأعلام من قبيل التعضيد لحقيقة عظمت لا من قبيل اعتبار قول شخصية ما شاهدا مستقلا وحيدا يحمل المشروعية والقداسة والعصمة، والإيحاء إلى كون المستشهد به يمثل مقياسا مطلقا نهائيا.
2003
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::