عوامل ضعف التبليغ والمبلغين في أوربا
بسم الله الرحمن الرحيم
عوامل ضعف التبليغ والمبلغين في أوربا
وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون
نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم
كونوا لنا دعاة صامتين
كونوا دعاة بغير ألسنتكم
ابتداء أحب أن أسجل إشكالا على مصطلح (التبليغ) و(المبلغين)، الذي فرض نفسه على الواقع في أوساطنا كمصطلح، بينما المصطلح القرآني - وكلاهما قرآنيان -، بينما المصطلح القرآني الآخر الأكثر دقة في هذا المجال، والمستخدم في أوساط الاخوة السنة (الدعوة) و(الدعاة) لم يشق طريقه في أوساطنا، وربما نستطيع أن نوعز ذلك إلى سببين أساسيين:
مصطلح (الدعوة) و(الدعاة) تحول إلى مصطلح خاص لتيار محدد. لذا كان مصطلح (التبليغ) و(المبلغين) البديل الذي يؤدي المعنى العام للمصطلح دون حصول شبهة قصد المعنى الخاص.
ولعل من عوامل شق المصطلح البديل طريقه في الانتشار والتبني، هو تبني الإعلام والحوزة له في إيران.
اخترت أن أتحدث في هذا المؤتمر عن عوامل ضعف التبليغ وضعف المبلغين بشكل عام، وفي أوربا بشكل خاص.
عموما يستطيع كل مراقب واع وموضوعي غير مكابر أن يسجل على التبليغ والمبلغين ضعفا ملحوظا، ذلك على المستويين النوعي والكمي.
ومن أجل أن أؤسس قاعدة أنطلق منها في تسجيل عوامل ومصاديق الضعف، أحب أن احدد الخطوط العريضة لمهمة المبلغ والداعية للإسلام. فأقول إن دوره في الواقع وبإيجاز ما هو إلا امتداد لدور المراجع والأعلام من العلماء والمحققين والمفكرين، وما دور هؤلاء إلا امتداد لدور المعصوم رسولا أو إماما. ودور الإمام المعصوم بدوره ما هو إلا امتداد لدور الرسول - صلى الله عليه وآله -.
إذن نتناول الدور الذي يحدده القرآن في خطوطه العريضة للرسول - صلى الله عليه وآله -. بهذا الصدد يحدثنا القرآن في أربع آيات عن دور الرسول في من بعث إليهم، وذلك في قوله تعالى:
ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم
كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون
لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة
وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين
هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة
وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين
نستطيع أن نقول بشكل قاطع بأن الحال هو تماما كذلك مع المبلغ، إذ تتحدد مهمته ودوره في الجمهور المخاطب بهذه العناصر الأربعة كخطوط عريضة لعمل الدعوة والتبليغ، ذلك إنه:
يتلو عليهم آيات الله
يزكيهم
يعلمهم الكتاب
يعلمهم الحكمة
لست بصدد تفسير الآيات أعلاه لأقول أني أفهم أن هناك تلاوتين، وتزكيتين وتعليمين، وإن كانت الآيات لم تذكر التفصيل الثنائي إلا في التعليم، ولكني سأقتصر على التعرض لبعض هذه الثنائيات، وذلك بقدر تعلقها بالموضوع.
وسوف لا أتعرض بالتالي إلى أقوال المفسرين ولا أتعرض لفهمي للأسباب المحتملة لتقديم التزكية على التعليم في ثلاث آيات وتقديم التعليم في واحدة منها، بل سأتناول المعنى الذي أستوحيه من العناصر الثلاثة أو الأربعة، أيضا بحدود تعلق ذلك بالموضوع.
تلاوة آيات الله:
ماذا نفهم من كون المبلغ يتلو على الجمهور آيات الله؟ يمكن أن ندعي أن المقصود - فيما هو مقصود من ذلك - هو أنه يجعل من القرآن القاعدة التي ينطلق منها. القرآن هو المنطلق، هو المحور، هو المرجع، هو المقوم، هو الشاهد، هو المقياس والمعيار، هو المسطرة التي تقاس عليها سائر المفاهيم وتصحح على ضوء مفاهيمه. ولكن لا نغفل عن حقيقة أن العقل والقرآن متلازمان مترافقان في المسير. وهذا من ضرورات ما يجب أن يدركه المبلغ. مع إن معنى الترافق والتلازم لا يدرك إلا بعد فهم كل منهما، فهم العقل وفهم القرآن.
وما يحتاجه المبلغ بهذا الصدد وما يحتاج الناس في المبلغ هو أن يمتلك ملكة الاستنطاق القرآني، أي ألا يتلو القرآن تلاوة القارئ الناقل أو الحافظ، بل تلاوة المستنطق والمحاور للقرآن، والغائر في أعماقه، والسائر بمعيته في كل ميادين الفكر، وساحات الحياة، وعوالم شخصية الإنسان.
نحتاج إلى مبلغين لا يقرؤون القرآن بأعينهم أو يستمعون إليه بآذانهم، بل يملكون عقولا قارئة وقلوبا سامعة للقرآن. وبالتالي نحتاج إلى مبلغين لهم ثقافة قرآنية واسعة، ووعي قرآني معمق، وتفاعل وجداني مع روح القرآن.
التزكية:
ثم ننتقل إلى التزكية لنرى ماذا تريد هذه المفردة منا أو من المبلغين. في جانب التعليم الذي سأتناوله لاحقا نحتاج إلى شخصية علمية. ولكن هل يكفي للإنسان أن يكون ذا شخصية علمية وثقافة إسلامية، ليكون مبلغا. الشخصية العلمية وحدها تكفي في سائر العلوم التي لا دخل لها في سلوك الإنسان. لكن المبلغ لا يقدم محاضرات في الفيزياء أو الفلك أو الرياضيات أو غيرها، فالذي يحاضر في موضوع علمي صرف، أستفيد من علمه ولا دخل لي بسلوكه ولا دخل لسلوكه في علمه. بينما مهمة المبلغين - كما عبر الشهيد الصدر - تتلخص في أنهم أدلاء إلى الله. أقول إن مهمتهم هي أن يشدوا الناس إلى الله، ثم أن يعينوهم على أن يكتشفوا في أنفسهم إنسانيتهم. المبلغ يعلم الناس الدين، والدين يعالج الروح والجسد، العقل والعاطفة على حد سواء. والتزكية تمثل من هنا عنصرا أساسيا في مهمة الأنبياء ثم أوصياء الأنبياء، ثم في مهمة امتداداتهم في الدور من خارج دائرة العصمة. وعلى قاعدة أن فاقد الشيء لا يعطيه، وكما أن فاقد العلم لا يعطي علما، فإن فاقد التزكية لا يعطي تزكية. وأستطيع أن أدعي - ولا أبرئ نفسي من هذا التشخيص - أننا نعيش أزمة القدوة الصالحة أكثر مما نعيش أزمة الثقافة، وإن كانت الأزمة الثانية ليست عادية. الناس يريدون أن يروا من المبلغ سلوكا، قبل أن يسمعوا منه مفاهيم ومواعظ، وكم من مفهوم جيد وموعظة حسنة سقطا ضحية الممارسة السيئة.
هذا من حيث التطبيق السلوكي من قبل المبلغ في جانب التزكية، والأثر السلبي للمفارقة إذا ما وجدت. أما من حيث مفهوم التزكية فهناك حسب تقديري خلل آخر في الموازنة. ومن أجل أن أوضح ماذا أعني بهذا الخلل في الموازنة في الثقافة التزكوية - إذا صح التعبير - لا بد لي من تبيان ثنائية التزكية التي أشرت إليها في مطلع حديثي. التزكية أي تربية وتهذيب النفس إنما هي تزكيتان:
§ تزكية إيمانية
§ وتزكية أخلاقية
أو لنقل:
§ تزكية عبادية
§ وتزكية اجتماعية
أي التزكية فيما هي العلاقة بالله، والتزكية فيما هي العلاقة بالناس. وأسميهما كذلك بتقوى العبادات وتقوى المعاملات، مستعيرا المصطلحين من الفقه، مع اختلاف التقسيم هنا عن التقسيم الفقهي للعبادات والمعاملات. فتقسيمي هنا لا يقوم على أساس ما يجب فيه قصد القربة، وما لا يجب فيه ذلك، كشرط لوقوع العمل صحيحا، بل أعني بتقوى المعاملات كل ما له صلة بالناس حتى لو بوب فقهيا في باب المعاملات أي ما توقفت صحته على قصد القربة.
إنني من خلال قراءتين: قراءة للكتاب والسنة من جانب، وقراءة لواقع مجتمع المتشرعة، أستطيع أن أدعي بأننا نكتشف هنا أيضا خللا كبيرا. فهناك ميزانان للتقوى، ميزان الإسلام وميزان المسلمين، ميزان الشرع وميزان المتشرعة، أو قل ميزان الدين وميزان عرف وفهم المتدينين. ميزان الإسلام يضع تقوى المعاملات في الكفة الراجحة التي ترجح على كفة تقوى العبادات بسبعين مرة، بينما يقلب ميزان المسلمين (أو المتشرعة) المعادلة فيرجح كفة تقوى العبادات - بل شكليات العبادات وجسمها لا مضامينها وروحها - على كفة تقوى المعاملات بسبع مئة مرة. ولا يسع الوقت أكثر من هذه الإشارة، ولا مجال للتوضيح وضرب الأمثلة.
وهذا الخلل في الموازنة، أو هذا القلب للمعادلة يمارسه ويؤكده ويكرسه إلم أقل كل - إذ لا تعميم في كل ما هو نسبي - فلا أقل جل المبلغين، وذلك على الصعيدين: يؤكدونه في الطرح من حيث درجتي الاهتمام بكل من الميدانين، ويؤكدونه أكثر في الممارسة. إذن هناك تهميش للتزكية في جانبها الاجتماعي والإنساني والأخلاقي.
التعليم:
بعدما تناولنا بإيجاز كلا من تلاوة الآيات والتزكية، ننتقل إلى التعليم الذي تذكره الآيات الأربع بشقيه، تعليم الكتاب وتعليم الحكمة. إني أريد أن أتناول التعليمين مفهوميا، ولا أتعرض لهما مصداقيا فيما جاء في التفاسير، من قبيل أنهما يمثلان القرآن والسنة، فالقرآن والسنة ليسا إلا مصداقين - وإن كانا أبرز وأهم مصاديق - مفهومي الكتاب والحكمة. الذي أفهمه من الكتاب هنا النظرية، ومن الحكمة أفهم التطبيق والأسلوب، الكيفية في تطبيق النظرية والأسلوب في طرح مفاهيمها. وهذا التقسيم في التعليم - وشرطه ومقدمته اللازمة من غير شك هو التعلم، إذ فاقد الشيء لا يعطيه -، أقول هذا التقسيم الثنائي له أثر كبير جدا في الواقع وفي واقعنا المعاصر بالذات ويتأكد أكثر في واقعنا المعاصر في المهاجر الغربية.
نتناول أولا مفهوم الكتاب، أي النظرية. أقول: العلم علمان علم حفظ ورواية، وعلم وعي ورعاية ودراية. أي العلم المتلقى قراءة أو سماعا، والعلم المنبعث من خلال إعمال ملكات التأمل والتدبر والتفكر. من غير شك أن الذي يتوفر على العلم بمعناه الثاني، هو المتوفر على الأنفع منهما لنفسه وللآخرين دون الاستغناء عن الأول. ولكن قد لا تسنح الفرصة لكل المبلغين أن يتوفروا على هذه الملكات أو ينموها، فنقول أن الحد الأدنى المطلوب من أصحاب العلم المتلقى، هو حسن التلقي. وفي نظري قليل معمق من العلم خير من كثير مسطح.
الظاهرة التي أستطيع أن أسجلها، هو أن الكثير منا يطفو على سطح الفكرة ولا يقدر على أن يغوص إلى العمق، ولو إلى أي مستوى من مستويات عمق المضامين. ونحن نريد جمهورا ذا عمق، لا جمهورا سطحيا. فكيف نعطي العمق إن كنا نفتقده؟ فكثير من الخطباء مثلا لهم ملكة رائعة في الحفظ، مما أغبطهم عليها، لأني قد أفتقد إلى هذه الملكة. ولكن الحفظ وحده - لا أقول لا يعطي - لكن لا يعطي إلا القليل.
فنحن في العقائد يجب أن يكون لنا عقل متوقد محاور، وفي الفقه يجب أن يكون لنا ثمة ذوق ووعي وحس فقهي، وفي القرآن يجب أن نفهم كل الحياة بروح قرآنية، وفي الأخلاق يجب أن نسلك سلوكا أخلاقيا وتتفاعل كل مشاعرنا مع قيم الأخلاق الراقية، وفي السيرة نحتاج إلى من يستنطق السيرة أكثر مما نحتاج إلى من يحفظ ويقص السيرة، ولا يكفي أن تكون لنا ثقافة عقائدية وثقافة فقهية وثقافة قرآنية وثقافة أخلاقية، بل غور في عمق مضامين الثقافة، وتفاعل وجداني مع مفرداتها، ومحاورة علمية لأدلتها، وتطبيق في السلوك لقيمها، ووعي لمفاهيمها.
إعادة ترتيب الأولويات في ثقافة المبلغين:
ثم لا بد من أن نعيد ترتيب الأولويات في ثقافة المبلغين وثقافة المبلغين على حد سواء. فهل الدين أحكام وسيرة كما هو المطلوب غالبا من المبلغ؟ ثم هل الأحكام والسيرة هي جسم الأحكام وشكل السيرة، دون روح الأحكام ومضامين السيرة؟
هنا أشخص إهمالا لقضيتين في غاية الأهمية في الإسلام: ألا هما العقائد والأخلاق وأقصد بالأخلاق في بعدها الاجتماعي الإنساني، لا بعدها العرفاني دون أن يعني ذلك التقليل من شأن البعد العرفاني. مع إننا يمكن أن نقول أن العقائد تمثل عقل التدين، والأخلاق تمثل شفافية إنسانية المتدين.
ضرورة الاختصاص:
ومما أراه في المبلغين هو ضرورة الاختصاص في العلوم والمعارف الإسلامية. فمن يبرع في العقائد أو المفاهيم أو التفسير أو غيرها، لا يجب أن يكون بالضرورة حافظا للأحكام وفقا لكل المراجع. فإن حضرته المسألة التي يسأل عنها من خلال ثقافته الإسلامية العامة، التي لا بد أن تكون - وبطبيعة الحال - أوسع من ثقافة عموم الناس بل عموم مثقفة المتشرعة، يجيب بما يعرف، وإلا فيقول دون أي حرج: لا أعلم، عندما لا يحضره الجواب، دون أن ينبعث بالضرورة انطباع في أنه محدود المعلومات، لاسيما أنه قد برع في جوانب أخرى.
الدعوة الصامتة:
ونرجع إلى أن شخصية المبلغ والداعية لها دخل أساسي في تأثير عمله التبليغي والدعوي في الوسط. في جانب التزكية بينا أهمية أن يكون المبلغ قد حقق قسطا لا بأس به من تغيير نفسه، ليكون قادرا على تغيير الوسط الذي ينشط فيه، أي لا بد له أن يكون ذا أخلاق عالية، وورع وتقوى، أي أن تكون دعوته الصامتة تصديقا لدعوته الناطقة بل سابقة لها وبالتالي أعمق أثرا منها.
الحكمة:
هذا كان في جانب الأخلاق والتقوى فيما هي التزكية. وهنا في جانب الحكمة نقول لا بد له من أي يتوفر على قسط لا بأس به من الوعي الاجتماعي، والخبرة الاجتماعية. وهذا وذاك يحقق له عامل المقبولية الاجتماعية التي تمثل أهم شرط من شروط التأثير.
اللغة كمفردة من مفردات الحكمة:
من شروط أو من مصاديق حكمة المبلغ هو اللغة. واللغة تقصد هنا بمعنييها الحقيقي والمجازي. أقصد بالمعنى الحقيقي سلامة اللغة العربية عنده أولا، والتمكن من لغة المهجر ثانيا، وأقصد بالمعنى المجازي معرفة فن الدقة في اختيار أسلوب الخطاب مع المخاطب، مع التوفر على ثقافة ووعي بتنوع المخاطبين، وبالتالي تنوع أسلوب الخطاب الموجه.
من المؤسف جدا أننا نرى معظم المبلغين وحتى بعد سنوات طويلة من الإقامة في بلد المهجر لا يتكلمون لغته، أو يتكلمونها بشكل محدود جدا، وبمستوى لا يليق بهم. وليست القضية هي أنك يجب أن تعرف لغة البلد الذي تعيش فيه لتخاطب فيما تخاطب أهل هذا البلد، وهذا أمر مطلوب على كل حال، بل عدم معرفة لغة المهجر يجعل ثمة حواجز في التفاهم مع أبناء الجيل الثاني والثالث، حيث أنهم أو أكثرهم - وإن كان هذا يمثل واقعا مؤسفا إلا أنه يمثل واقعا على أي حال - يتقنون لغة بلد الإقامة بشكل أكبر بكثير من اللغة العربية، وبالتالي يفهمون المطالب المطروحة بتلك اللغة بشكل أوضح، ويتفاعلون بالتالي مع المفاهيم المطروحة بتلك اللغة بدرجة أعمق. هذا ناهيك عن الضعف الملاحظ على الكثير من المبلغين في اللغة العربية ذاتها. ولا أقطع في نفي احتمال وقوعي شخصيا - ولو على نحو السهو - في خطأ لغوي أثناء حديثي هذا.
وعلى ذكر الجيل الثاني، أقول أن هناك تشخيصا لهوة عميقة بين الجيلين، وأن معظم المبلغين الذين ينتمون إلى الجيل الأول لا يتقنون لغة الخطاب - واللغة هنا مقصودة هذه المرة بمعناها المجازي - للجيل الثاني. لذا لا بد من دراسة معمقة لوضع خطة وبرنامج علمي لردم هذه الهوة.
الحكمة الاجتماعية:
والأكثر أهمية من ذلك كله في الحكمة التي نحن في صدد بيان أهميتها توفرا وتعلما، وممارسة وتعليما، هو أن المبلغ يجب أن يكون فنانا في التعامل الاجتماعي، وطبيبا ومحللا نفسانيا، وباحثا اجتماعيا، إلى جانب وجوب توفره على بعدي الأخلاق والتقوى، وإلى جانب توفره على بعدي العلم والوعي. يجب أن يملك قسطا جيدا من وعي الحياة، ووعي لغة الخطاب: "نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم"، فنراعي مستوى عقل المخاطب ومقدار فهمه، نراعي ذوقه ووعيه، نراعي خلفيته الاجتماعية وتركيبته النفسية، ثم نراعي ظرف الخطاب، أي مفردات الزمان والمكان.
الحكمة من مرحلة التعلم إلى مرحلة التعليم:
هذا كان كله عن الحكمة التي يجب على المبلغ أن يتعلمها ويمارسها، لكن الآيات التي اتخذتها منطلقا لموضوعي لا تتحدث عن تعلم، بل عن تعليم الحكمة. وإنما قدمت الأول لأن فاقد الشيء لا يعطيه، هذا أولا، وثانيا لأن الواقع يحدثنا عن قصة الضعف في حكمة الكثير من المبلغين.
ماذا نتوقع من الجمهور:
إذن الكلام عن أهمية الحكمة لا ينحصر في دائرة المبلغين، بل هم المسؤولون عن نقله إلى دائرة المبلغين. وهذا يعني أننا - أقصد كل أصحاب الشأن في عملية التغير - مسؤولون عن بذل أقصى الجهد لخلق وعي عند الجمهور. المطلوب إجراء عملية تصحيح لمفاهيمه وموازينه في التقييم. نريده أن يكون قادرا على تشخيص وتقييم العالم، فيعرف العالم لا بزيه بل بمحتواه. ونريده أن يكون قادرا على أن يميز بين العالم والمبلغ، فليس كل عالم مبلغا ولا كل مبلغ عالما. وأن يميز بين العالم والمعمم، فليس كل معمم عالما ولا كل عالم معمما. نريد جمهورا لا يقتصر اهتمامه على مجالس العزاء وعلى أحكام الحلال والحرام، مع كل ما لهما من دور مهم، إلا أن الإسلام أكثر من ذلك. نريد جمهورا يفهم ضرورة الاختصاص، وبالتالي لا يشكل على من لا معرفة واسعة لديه في المجالات الخارجة عن اختصاصه. نريد جمهورا يوازن في التعامل مع العلماء والمبلغين بين الاحترام دون مرتبة التقديس، وبين جرأة الحوار والإشكال، دون درجة التجرؤ واللاإحترام.
مستلزمات أخرى للمبلغ:
إضافة إلى ما ذكر يحتاج المبلغ فيما يحتاجه إلى عناصر وشروط أخرى للنجاح، أذكر منها كعناوين:
ذوق حضاري
معاصرة
ذهنية متحركة
وإنما ذكرت الذهنية المتحركة، إذ كثير من المبلغين يعيشون ذهنية جامدة على قوالب محددة. وهنا أحب أن أشير - كمصداق لذلك - إلى مفهوم التوقيفية، الذي يعني توقف صحة شيء على صيغة محددة، فنجد هناك نوعين من التوقيفيات، التوقيفية الإيجابية والتوقيفية السلبية، وأعني بالإيجابية منها ما يمثل التعبد بالنص والتسليم للحكم. أما السلبية منها فما يمثل الجمود على قوالب شكل النص، والذي هو غير مطلوب لذاته أو بذاته، وذلك دون وعي مضمون النص والمراد الفعلي والأساسي منه. فليس التعبد والتسليم أن نتجمد على قوالب شكل النص، دون أن نغور في عمقه ونتفاعل مع أجوائه ونكتشف إيحاءاته.
ختاما مشاكل أخرى في التبليغ:
وهناك عوامل أخرى للضعف في التبليغ، أسردها هي الأخرى على شكل عناوين:
كون مناهج الحوزة تعلم ولا تزكي، ثم هي تعلم الكتاب ولا تعلم الحكمة.
غياب المؤسسة التي ترعى وتقوم:
فهي فيما للمبلغ ترعاه وتغطي احتياجاته.
وفيما عليه تقوم قابلياته وشخصيته الإيمانية والتبليغية، لتعرفه للأمة، كي لا يعتلي منابر ومنصات التبليغ والوعظ والدعوة والإرشاد والتثقيف والتربية كل من هب على منصة أو دب على منبر أو تسلق على مكبرة صوت، أو ليعرف الجمهور فيمن يستودع ثقته.
أعتذر إن اقتصرت كلمتي على المفاهيم دون تحديد عملي للعلاجات،إلا ما ذكر على شكل عناوين عامة، آملا أن يغطي بقية أصحاب الفضيلة الجوانب العملية.
وأخيرا أوصي وأذكر نفسي والمبلغين والمبلغين بتقوى الله ونظم الأمر وصلاح ذات البين.
ضياء الشكرجي
لندن – مؤتمر التبليغ في أوربا
3/2/2001
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::