بين لا معصومية القائد النظرية ومعصوميته العملية

 

هناك ظاهرة في وسط المسلمين تمتد جذورها إلى المرحلة الأولى لما بعد حياة الرسول (ص). فقد برزت شخصيات إسلامية متصدية لمواقع سياسية أو فقهية أو فكرية أو اجتماعية متقدمة في المجتمع الإسلامي، من وسط الصحابة، وبالأخص من تبوأ الموقع القيادي الأول في فترة ما عرف بالخلافة الراشدة، ثم اتسعت الظاهرة لتشمل أئمة المذاهب ورجال الحديث وعلماء الكلام. أقصد تلك الظاهرة التي تتمثل بتعامل المريدين لهذه الشخصيات من المسلمين، وكأنهم معصومون، بالرغم من عدم تبني دعوى العصمة كمتبنى عقائدي، بل إضفاء العصمة عليهم من حيث التعامل، أي إنهم نظريا إذا سألت عنهم مريديهم غير معصمومين، ولكنهم يتبنون عصمتهم عمليا، من خلال عدم السماح بالمساس بتلك الشخصيات بالنقد لهم في موقف من المواقف أو قول من الأقوال أو فكرة من الأفكار أو نظرية من النظريات، ولا يكتفون بذلك بل يذهبون إلى ما هو أبعد منه في اعتبار مقولاتهم ومواقفهم نهائية ونافذة إلى يوم القيامة، وفي تحويلهم إلى مقاييس مطلقة يقاس الخطأ والصواب، والحق والباطل عليها.

 

أول ما تم التعامل بهذه الطريقة هو تعامل أتباع مذاهب السلطة من بعد رسول الله من عامة الناس بشكل خاص مع الخلفاء، وفقهائهم ورجال حديثهم. فأنت لا تجرؤ أن تقول عن الخليفة الفلاني أن على عينيه حاجبين كما يقول المثل، وإلا فسيف التكفير مسلط عليك. ولكن هل يا ترى إن هذه الظاهرة هي ظاهرة سنية محضة؟ أبدا، فإننا نجد كثيرا من مصاديق هذه الظاهرة في الوسط الشيعي، لا سيما في عصر ما بعد الأئمة المعصومين، أي عصر الغيبة.

 

من أبرز الأمثلة على هذا اللون من السلوك، هو كيفية التعاطي مع الإمام الخميني، حيث كان أي توقف وأي محاولة دراسة نقدية لقول من أقواله، لفتوى من فتاواه، لموقف سياسي من مواقفه، لنظرية من نظرياته، بمثابة المروق من الدين، وهتاف «مرﮒ بر ضد ولايت فقيه» أي (الموت للمخالفين لولاية الفقيه) كان تعبيرا عن هذا المنهج التعسفي. وامتد هذا اللون من الحرب النفسية التكفيرية - ولو ضمنيا - ليشمل كل من يمارس النقد لأي مسؤول في الجمهورية الإسلامية، ولا سيما للمعممين منهم. وقد نالت شخصية المنتظري قبل تسقيطه هالة من القداسة كادت تفوق هالة القداسة التي أضفيت على شخصية الخميني. واستغلت بعض الأطراف الإسلامية العراقية التي لاقت مشاريعها ورموزها دعما من مؤسسات الدولة في إيران، مما يعني منحها شهادة إقرارها من لدن دولة ولاية الفقيه، وبالتالي فيمثل هذا الإقار إقرار الحجة المهدي (عجل الله فرجه)، وبالتالي إقرارا نازلا من السماء من لدن رب السماوات والأرض، فاستخدم هؤلاء سيف الشرعية ضد كل من لا يلتقي معهم كليا من إخوانهم الإسلاميين العراقيين، ليكيلوهم بتهمة مخالفة ولاية الفقيه التكفيرية، ومورست هذه الحرب النفسية بشكل مؤذ جدا يتذكره الكثيرون ممن عانوا منه بمرارة شديدة.

 

أما في العراق، فوجدنا مثل هذا اللون من التعامل على أساس القول بلسان الحال ومن الناحية العملية بالعصمة المضفاة على بعض الشخصيات العلمائية من مراجع أو شخصيات علمائية متصدية أو أبناء مراجع ومعممين.

 

ولعل شخصية الشهيد الصدر (رضوان الله عليه) هي الشخصية التي استطاعت أن تتألق إلى الذروة أكثر من أية شخصية أخرى، وما محاولة مساواته بشخصيات أخرى كالإمام الخميني، أو السيد الحكيم، أو السيد حسن الشيرازي، أو الصدر الثاني، أو غيرهم إلا محاولات تفتقر إما إلى الموضوعية أو إلى دقة الاطلاع. ومع كل هذا نقول أن الصدر مع تألقه وعظمته وروعته وسموه لا يتحول إلى مقياس مطلق، وإن كان مقياسا كبيرا جدا يعول عليه إلى درجة كبيرة جدا في تشخيص الصواب النسبي من الخطأ النسبي والحق النسبي من الباطل النسبي، ولكن من الخطأ أن يحول إلى مقياس مطلق، وإن تحول مقولاته إلى نهائية محسومة إلى يوم القيامة، ومن قبيل الأولى ألا يتحول من يرى أنه يمتد طوليا في خطه من بعده.

 

وهنا أحب أن أتناول مقولتين بقي يطرحهما طرفان إسلاميان للاستشهاد بها على سلامة الخط. الأولى قوله (رضوان الله تعالى عليه) «أوصيكم بالدعوة خيرا فإنها أمل الأمة». والثانية ذكره للسيد محمد باقر الحكيم واصفا إياه بعبارة «عضدي المفدى». وكلا القولين صحيحان وموثقان ولا شك في صدورهما عن الشهيد. ولا يخفى على أحد الاختلاف التأريخي الذي يرجع إلى بداية الثمانينات بين الطرفين الإسلاميين المذكورين. فهل يا ترى أصحاب الشهيد الصدر «كالنجوم بمن اقتدينا اهتدينا» فحزب المجلس الأعلى نجم يهتدى به، وحزب الدعوة بكل تنظيماته الثلاث (حزب الدعوة الإسلامية، حزب الدعوة الإسلامية تنظيم العراق، حركة الدعوة الإسلامية) كل منها نجم هدى إلى صراط العزيز الحميد. لذا أقول إنه من الخطأ أن نعتبر مقولة شخصية إسلامية حتى لو كانت بعظمة الصدر مقولة نستدل بها بالضرورة على سلامة الخط. نعم يمكن أن تعتبر مفردة من مفردات التقييم، ومعيارا من المعايير، يوضع في ميزان التقييم، ولكن من الخطأ اعتباره المعيار الوحيد. فهل الدعوة التي أوصى بها الشهيد واعتبرها أمل الأمة هي ذات الدعوة الإسلامية في يومنا هذا؟ وهل هي دعوة الجعفري والمالكي والأديب، أم دعوة أبي ياسين، أم دعوة أبي عقيل؟ ثم هل الحكيم الذي رأى فيه الصدر عضدا له، وأحبه حتى فداء نفسه الشريفة له، هو نفس محمد باقر اليوم؟ هذه أمور يجب أن تدرس الآن على ضوء حيثيات ومعطيات الواقع الراهن. فلا الصدر يعطيني تزكية نهائية للدعوة أو لمحمد باقر الحكيم، ولا الخميني يعطيني تزكية نهائية للخامنئي، ولا الصدر الثاني يعطيني تزكية أولية ناهيك عن تزكية نهائية للحائري أو غيره.

 

قليلا من الموضوعية، ولنبتعد عن المزايدات بأقوال الماضين (رحمهم الله)، وقليلا من الصدق. اطرحوا أفكاركم على الأمة، اطرحوا برامجكم وأهدافكم، وعضّدوا الأقوال والنظريات والبرامج والمدعيات بالعمل الصادق المخلص، فعندما تقتنع الأمة بطروحاتكم، وعندما تجد الأمة منكم الصدق، حيث تصدق أفعالكم أقوالكم، ستتبعكم وتواليكم وتؤيدكم وتنصركم وتنتصر لكم وتدافع عنكم وتنضوي تحت لوائكم.

 

2003

 

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::