المرجعية والحركة الإسلامية والشأن السياسي
ضياء الشكرجي
هناك كثير من التساؤلات .. الشبهات .. التشكيكات .. التحفظات .. الاستبيانات فيما يطرح أو يثار هنا أو هناك بشأن ثلاثية «المرجعية» - «الشأن السياسي بشكل عام» - «العمل الحزبي الإسلامي بشكل خاص». ومن هذه المسائل الحساسة المثارة على سبيل المثال لا الحصر الأسئلة التالية:
- هل دور المرجعية دور علمي إفتائي فيما يمثل استنباط الحكم الشرعي من مصادره، أم هو دور اجتماعي وبالتالي سياسي فيما هو التصدي للموضوعات لا سيما الاجتماعية والسياسية في الواقع، وعدم الاقتصار على الجانب الأول؟
- هل يكون شرط شرعية العمل السياسي وشرعية عمل الحزب الإسلامي مرهونا بإمضاء المرجعية على مصاديق تلك النشاطات والهياكل التنظيمية، أم يكتفي المرجع بالإفتاء على القضايا المطروحة من حيث المبدأ وبعناوينها الأولية أو قل بمفاهيمها، ويترك تشخيص تطبيق الفتوى (المفهوم – العنوان الأولي) على الموضوع الخارجي في الواقع (المصداق – العنوان الثانوي)، وتشخيص ملاكات الحكم لأصحاب الخبرة والاختصاص في تلك الميادين؟
- هل علاقة الحركة الإسلامية بالمرجعية علاقة طولية، أي علاقة تبعية وامتداد في الأمة، أم علاقة عرضية، أي علاقة تنافس وتقاطع واستبدال، أم هي علاقة تكامل، كل من موقع اختصاصه؟
- هل تحاول الأحزاب الإسلامية أن تكون البديل للمرجعية فتزحزحها عن موقعها الريادي في الأمة وتحل محلها؟
- هل تحاول المرجعية أن تصادر القرار السياسي وتحتكره لنفسها من خلال إضفاء الشرعية على ممارستها للدور السياسي ونزع هذه الشرعية عن غيرها ما لم يكن هذا الغير تابعا لها ومنفذا لقراراتها أو على أقل تقدير مرآة تعكس التوجهات والمواقف السياسية للمرجعية؟
- أم هل يجب التمييز بين مرجعية وأخرى، فتكون صلاحيات الوصاية والولاية والإشراف والتوجيه (دور الشهادة حسب المصطلح القرآني الذي استخدمه الشهيد الصدر) في الشأن السياسي للمرجعية السياسية أي المتصدية والجامعة لشروط التصدي للشأن السياسي، دون المرجعية غير المتصدية أو غير الجامعة للشروط ولو تصدت؟
هذه المقالة تحاول تسليط الضوء على هذه الأسئلة أو التساؤلات أو لنسمها ما نشاء وعلى مواضيع أخرى ذات علاقة ومناقشتها.
حول دور المرجعية ما إذا كان إفتائيا فقط أم هو إلى جانب ذلك دور اجتماعي وسياسي، أقول من حيث المبدأ، فالأساس النظري يؤكد الدور الاجتماعي. أما مع لحاظ الواقع، فيجب القول أن من أجل تبوؤ الفقيه للدور السياسي لا بد من التوفر على شروط هي:
1. ثقافة سياسية واسعة أي إحاطة نظرية بالعلوم والنظريات السياسية وبكل معطيات المسألة الاجتماعية والسياسية.
2. إحاطة بالمسائل أو الموضوعات السياسية، فيما هو الاطلاع والملاحقة للحدث السياسي. وهذا ما نسميه بالمعاصرة السياسية، وهو ما عبرت عنه الرواية الشريفة بشرط معرفة الفقيه بأمور زمانه.
3. هم سياسي واجتماعي، فيما هو التفاعل الوجداني، أي أن يكون مصداقا بل من أعلى مصاديق (من يصبح ويمسي وهو مهتم بأمور المسلمين)، لاسيما بأمور شعبه لا بل بأمور عموم الإنسانية.
4. اهتمام سياسي واجتماعي، فيما هي المتابعة للحدث وتحليله وتحديد الموقف منه وإعلانه على ضوء بقية الشروط المذكورة آنفا ولاحقا.
5. وعي سياسي، فيما هو الفهم لخلفيات الواقع الاجتماعي والسياسي، وفيما هو التحليل المعمق والشمولي لحوادث التأريخ والقضايا الاجتماعية والسياسية المعاصرة.
6. حكمة اجتماعية وسياسية في الممارسة والتطبيق والرعاية والولاية.
7. أخلاقية وتقوى اجتماعية وسياسية، فيما يحقق شرط العدالة الشرعي في بعدها الاجتماعي، وذلك بالمستوى المتناسب مع الدور الريادي والولائي.
8. مران وممارسة وخبرة اجتماعية وسياسية، فيما هي المباشرة بالأداء الاجتماعي والسياسي.
كلما توفرت هذه الشروط أو جُلـّها بدرجة أعلى، كلما كان الفقيه مؤهلا للتصدي للأداء السياسي والفتوى السياسية المتوجهة إلى الموضوعات الخارجية للشأن السياسي، وكلما كان دوره الولائي ملزما، وإن اختلف الفقهاء أنفسهم في إلزامية ولاية الفقيه وسعتها.
حرص حزب الدعوة الإسلامية منذ بداياته وعبر مراحل سيره على أن تكون شرعية العمل وشرعية القرار محرزة. بالنسبة لمشروعية العمل الحزبي فقد بينت الدعوة ذلك في أدبياتها واستشهدت بالنصوص الشريفة من القرآن والسنة ومن السيرة المطهرة للمعصومين، ثم تكفل الشهيد الصدر كأبرز مؤسسي الدعوة وكمجتهد جامع للشرائط التأصيل لشرعية العمل الحزبي على نحو الإباحة ابتداءً وبالعنوان الأولي، وعلى نحو الندب بل وقد يصل ذلك إلى درجة الوجوب إذا توقفت على ذلك مصالح إسلامية كبرى بالعنوان الثانوي. وبقي السيد الشهيد (رض) يشرف على سير الدعوة من داخل الدعوة في مراحلها الأولى ومن ثم من خارج الدعوة عندما تطلبت أمور منها تصديه للمرجعية أن يكون خارج الإطار التنظيمي.
وبعد استشهاد الشهيد المؤسس وبعد هجرة الدعوة الإسلامية بأغلب كوادرها حرصت دائما وبآليات مختلفة على إحراز شرعية العمل، من وجود فقيه للدعوة من داخلها، إلى الرجوع إلى فقيه الأمة، إلى الرجوع إلى أي فقيه جامع للشرائط، كلما تطلب الأمر الرجوع إلى رأي فقهي لا تجده الدعوة لدى فقيه من الفقهاء الجامعين للشرائط، ومن خلال اعتماد جواز التبعيض في التقليد، القائل به كل الفقهاء فيما يتعلق بالتبعيض بالأبواب، والقائل به على نحو التبعيض حتى بالمسائل بعضهم، تجد الحركة الإسلامية سعة في تحديد الموقف الشرعي على ضوء خبرتها السياسية.
وبشكل عام يمكن القول أن إحراز شرعية العمل الحزبي يمكن أن يجري بآليات متعددة ولا ينحصر في آلية واحدة. ولذا ليس هناك لزوم بارتباط التنظيم الإسلامي بفقيه محدد، وإن كانت الدعوة قد استخدمت هذه الآلية في أشواط طويلة من مسيرتها.
حزب الدعوة الإسلامية – كأبرز مصداق للحركة الإسلامية العراقية - لم يعتبر نفسه في يوم من الأيام منافسا للمرجعية أو حالا محلها، بل كانت علاقته دائما علاقة طولية، فكان يمثل ذراع المرجعية في الأمة. وتجسدت هذه العلاقة مع كل من السيد محسن الحكيم (رض) والسيد الشهيد الصدر (رض) بشكل خاص. ومن حيث المبدأ لم تعتبر الدعوة التنظيم الإسلامي بوكيل أو نائب عن المرجعية، ولا هو منافس لها، بل يمكن أن نعتبر العلاقة بين التنظيمات الإسلامية والمرجعية علاقة تكامل، ليؤدي كل منهما دوره المرسوم له، دون أن يمس التنظيم موقع المرجعية، ولا أن يكون بالضرورة صدى لمرجع محدد. والدعوة أصابت إذ لم تتدخل يوما في تقليد أفرادها، فكان فيها المقلدون للسيد الحكيم والسيد الشهيد والسيد الخوئي والسيد الإمام الخميني والسيد السيستاني والسيد فضل الله، لأن الداعية يبقى أساسا كأي مكلف ملزما بأن يحرز مشروعية عمله بأن يكون إما مجتهدا أو مقلدا لفقيه واحد محدد من الفقهاء أو مبعضا في التقليد أو محتاطا. وقد اعتبرت الدعوة في إحدى نشراتها الداخلية الموسومة بـ «صوت الدعوة» لو اتفق أن يكون التعليم أو الأمر أو الموقف الحزبي معارضا لاجتهاد الداعية إذا كان نفسه مجتهدا أو معارضا لاجتهاد مقلــَّده، فهل التعليم الحزبي بحكم العهد الشرعي الذي قطعه على نفسه مع الدعوة هو الذي يحدد موقفه الشرعي أم رأي المجتهد الملزم له، فكان الجواب هو الثاني، باعتبار أن ذلك هو الذي يبرئ ذمته وليس العكس.
ولذا من غير الصحيح القول أن الأحزاب الإسلامية من شأنها أن تقصي المرجعية عن موقعها لتحل الأحزاب محلها، وذلك للفارق الواضح بين دور كل من المرجعية والتنظيمات الإسلامية. وكما إنه ليس من الصحيح القول أن المرجعية تسعى لمصادرة الفعل والقرار السياسيين لتحتكرهما لنفسها بحجة الشرعية.
من غير شك أن المرجعية ليست مفهوما مجردا، بل عندما يجري التحدث عن المرجعية، فإنما يجري الكلام عن (المرجعيات)، أي المصاديق المتواجدة في الواقع. والمصاديق يمثلون شخصيات في المجتمع، وبالتالي فإن هذه الشخصيات كأفراد من النوع الإنساني تتمايز فيما بينها في القناعات فيما هي التفاصيل، وفي المزاج والذوق فيما تميل إليه من آليات وأساليب للأداء، وفيما تشخصه من أولويات. من هنا قد نجد تفاوتا في حمل الهم الاجتماعي بين مرجع وآخر، وكما نرى تفاوتا في مدى ملاحقة الحدث الاجتماعي أو السياسي ومدى ما تساهم المباشرة للأداء الاجتماعي والمران السياسي من تنضيج درجة الوعي الاجتماعي والسياسي لدى هذا المرجع أو ذاك. وبقطع النظر عن المطلوب للمرجعية من دور يتفاوت المراجع في درجة تصديهم للفعل السياسي والأداء الاجتماعي. ولعله لهذا السبب بلور الشهيد الصدر نظريته في كل من دور الخلافة (المباشرة للأداء السياسي) ودور الشهادة (الرقابة الشرعية للأداء السياسي) ففي الوقت الذي رأى فيه وحدة الدورين في شخص المعصوم (ع)، اعتبر الدورين يفترقان في خطين في غياب المعصوم، فتكون الخلافة (الممارسة السياسية) للأمة، بينما تكون الشهادة (الرقابة الشرعية) للفقيه. ثم لم يعزل الفقيه تماما عن الفعل السياسي، بل جعل للفقيه كفرد من أفراد الأمة حق المشاركة في الحياة السياسية، ولكن لا بصفته الفقاهية بل بصفته المواطنية، فهو يتبوأ موقعه من الأداء السياسي بمقدار ما يملك من هَمّ سياسي ومتابعة سياسية ووعي سياسي وثقافة سياسية. نعم لو تساوى الفقيه المتصدي للشأن السياسي في كفاءته السياسية مع غيره وتميز عليه بالفقاهة، فمما لا شك فيه أن يكون تصدي الفقيه للشأن السياسي الريادي أولى من تصدي غيره، لا سيما إذا توفر على شرط تقوى السياسة، التي هي شرط لغيره أيضا، لكنه يمثل للفقيه ضرورة لا بد منها، لأن السياسي الذي لا يملك تقوى السياسة سيضر بالمسألة السياسية فقط، بينما الفقيه أو الحوزوي عندما لا يستوفي شرط تقوى السياسة سيضر إضافة إلى المسألة السياسية بقضية الدعوة إلى الإسلام.
لاشك أن دراسة الموضوع تحتاج إلى قسط أكبر من السعة والتعمق والتفصيل، ولكن هذه كانت محاولة للكاتب لتسليط الضوء على أهم ما يتعلق بثلاثية (المرجعية) و(الحركة الإسلامية) و(الشأن السياسي).
2003
إضافة:
لكن تبقى هناك مشكلة في تصدي الفقيه للشأن السياسي، هي توهم قداسة آرائه ومواقفه السياسية، مما يجعل مناقشتها والتوقف عندها أمرا غير مسموح به دينيا من الناحية العملية لا من الناحية الشرعية الحقيقية، أما الاعتراض عليها وتخطيئها فذلك من المحرمات في الفقه الشعبي وسوق المزايدات السياسية للمتلبسين بالقداسة.
2006
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::