ظاهرة الفتوى السياسية والموقف الشرعي منها

 

نريد أن نتناول هنا قضية في غاية الحساسية، ولكن في نفس الوقت في غاية الأهمية؛ ألا هي قضية ما يسمى بـ (الفتوى السياسية). وعندما نتناول هذا الموضوع، ننطلق من غير شك في فهمنا ومناقشتنا له من حقيقة كوننا إسلاميين في متبنياتنا الفكرية والسياسية، ومتشرعين، أي متعبدين بأحكام الشريعة، وذلك على نحو الإلزام الذاتي بما لا يقبل التسامح "ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم"، أما على نحو الإلزام الغيري، فنحن لا نلزم أحدا إلا بمقدار ما ألزم به نفسه، وإلا بمقدار أداء تكليفنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بلغة خطاب محببة إلى النفوس، تجذب ولا تنفر، وبمقدار قبول المتلقي بتلقي النصيحة بالامتثال بالمعروف أو اجتناب المنكر، ندعو إلى أطروحة الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة والأسلوب الجميل، إذ "لا إكراه في الدين". فنحن نتعبد بالأحكام الشرعية دون أن يعني ذلك فرض التعبد بها على الآخرين، إلا بمقدار ما يستجيبون هم ومقدار ما يقتنعون.

 

من هذا المنطلق نريد أن نتناول ظاهرة إصدار الفتاوى في الشأن السياسي، وما إذا كان هناك أصلا شيء اسمه "فتوى سياسية"، وإن وجدت فما هو مدى إلزامها للمكلف.

 

ابتداءً نوضح لمن يراد له التوضيح معنى كل من مصطلح "الفقيه" و"المجتهد" و"المرجع". كل من مصطلحي "الفقيه" و"المجتهد" مترادفان، ويستعمل كل منهما في مجال (الفقه) بمعنى واحد. وكلاهما مستحدثان ومنقولان، وهما بالتالي من مصطلحات المتشرعة، لا مصطلحات الشريعة، والفرق بين المجموعتين أن مصطلحات الشريعة أو المصطلحات الشرعية قد استخدما في القرآن والسنة أو في أحدهما، وبنفس المعنى المراد من القرآن والسنة، بينما مصطلحات المتشرعة، مصطلحات لم ترد في القرآن والسنة كـ "الاجتهاد"، أو وردتا ولكن لا بالمعنى المستخدَم له المصطلح لاحقا، وذلك حسبما تبانى المتشرعة على استخدامه في المعنى الجديد.

 

"الفقيه" أو "المجتهد" كمصطلح هو صاحب الاختصاص الذي يملك المقدَّمات العلمية والمَلـَكة الذاتية، والخبرة والممارسة التطبيقية في استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها.

 

ثم هناك أمران متعلقان بالفتوى أي بالحكم الشرعي الظاهري المستنبَط من قبل الفقيه: الأول يتعلق بالفتوى نفسها كفتوى، والثاني يتعلق بموضوع الفتوى أي بتطبيقاتها في الخارج.

 

الفقهاء أنفسهم يقولون أنه في الوقت الذي يكون فيه الإفتاء من اختصاص الفقيه المجتهد، يكون تشخيص المواضيع الخارجية من اختصاص المكلف، لا الفقيه. فإذا ثبت للمكلف موضوع خارجي في الواقع بالقطع، فتكليفه أن يعمل بقطعه هذا حتى لو تعارض مع قول المرجع الذي يقلده. فلو افترضنا أن مرجعا حلل تناول مادة غائية من طعام أو شراب، علم أحد مقلديه بحكم إحاطته بالموضوع الخارجي الذي هو هذه المادة بالذات علما قطعيا بعدم حليته كان ذلك حجة مُنـَجِّزِيّة عليه لاجتنابه خلافا لرأي مرجع تقليده، والعكس بالعكس في حال تحريم المرجع لما يعلم المكلف على نحو القطع واليقين بحليته، فذلك حجة مُعَذِّرِيّة له في تناوله.

 

والسياسة في الكثير الكثير من مفرداتها تتحرك في إطار الموضوعات الخارجية، أكثر مما تتحرك في إطار الفتوى كفتوى، أي إن تشخيصها من مهامّ المكلـَّف، أو لنقل من مهامّ أصحاب الخبرة والاختصاص. وحيث أن الكثيرين من الفقهاء بل معظمهم – مع كل إجلالنا وتوقيرنا لهم - لا خبرة لهم في السياسة، يكون بتـُّهم في الموضوعات الخارجية في هذا المجال غير ملزم، بل يعبر عن رأي شخصي لا أكثر، لأنه لا ينطلق من موقع الاختصاص، وإن كنا نحترمه – أي الرأي – ليس بالضرورة لذاته بل لمكانة صاحبه في الأمة، حتى عندما لا نرى أنفسنا ملزَمين شرعا باتباعه، وإذا كان ملزما فربما – وبتحفظ - لخاصّة مقلديه. ونحن نستند على عدم إلزامية الفتوى السياسية بنفس فتاوى الفقيه المُصدِر لها. بل ربما ينعكس الدوران بين المُقـَلـِّد والمُقـَلـَّد، فيكون الأول مكان الثاني والثاني مكان الأول، فيكون مكلـَّف من مقلدي مرجع ما هو المجتهد في الموضوعات (السياسية) وعلى ذلك المرجع وربما غيره من المراجع أن يقلدوه في هذا المجال لا العكس، وبذلك تعتدل المعادلة من جديد من بعد اختلالها بتبدل المواقع. وهذه الرؤية تستند هي الأخرى على نفس آراء الفقهاء فيما هو التمييز بين الفتوى والموضوع. من هنا نفهم أن الكثير من الفتاوى الصادرة هنا وهناك غير ملزمة، وشبهة إلزاميتها ناتجة عن خلط بين الفتوى والموضوع.

 

نعم على قول ولاية الفقيه، التي تستلزم الخبرة في السياسية يكون الأمر ملزما. ولكن ولاية الفقيه من الناحية النظرية ليست موضع إجماع، وبالتالي فهي ليست ملزمة إلا لمن التزم بها اجتهادا أو تقليدا. وأما من الناحية التطبيقية، فإن نظرية ولاية الفقيه على عظمتها تبقى نظرية مثالية تنأى كل النأي عن الواقع، لا المعاصر فقط بل الواقع الممتد قرونا طويلة. فولاية الفقيه قد فـُصِّـلت على مقاس فقيه، قد لا يظهر إلا مرة كل خمسة قرون.

 

بالفعل يندر أن نجد المجتهد المؤهل – فكيف بك بغير المجتهد وغير المؤهل - للإفتاء السياسي، الذي يتطلب إحاطة وخبرة ووعيا وثقافة سياسية.هذا لا يعني أننا ندعو لعدم تدخل الفقيه في أمور السياسة، بل نتمنى لفقهائنا أن يدلوا بدلوهم في السياسة، ولكن أن يتدخل الفقيه شأنه شأن الآخرين بمقدار تصديه وخبرته واهتمامه بالشأن السياسي والمستوى العالي جدا من التقوى والورع، وليس بمقدار فقاهته، وهذا ما يتبناه الشهيد الصدر في بحثه الموسوم بـ (دوري الخلافة والشهادة) في كتاب (الإسلام يقود الحياة)، فيشرح الدورين شرحا رائعا يحل المعضل الذي بقي في تصوري يمثل ثغرة في نظرية الإمام الخميني.

 

نعم إذا فهمنا الفقاهة فقاهة في كل شؤون الحياة، كما هو المطلوب من حيث المبدأ، يكون الأمر مختلفا. ولكن حيث أننا لا نتحدث في موضوع محلق في الفضاء النظري، بل عن واقع متحرك في ميدان الحياة، ومع كل احترامنا وإجلالنا وتقديرنا لفقهائنا، نقول ليكن لكل شأنه المختص به، ورحم الله من عرف قدره، فوقف عنده. ولا نريد – والمعاذ بالله – أن نجرئ جمهورنا على فقهائنا، ونحن الذين أعطينا الدماء وملأنا السجون من أجل ربط الأمة بققهائها ومراجعها، كمفردة من المفردات التي عملت الدعوة من خلالها على أسلمة الحياة بالحكمة والموعظة الحسنة وأساليب الجذب الأخلاقية، لا أساليب الحرب النفسية وتوظيف الشعارات في تسقيط الآخر المختلف معنا وأساليب التنفير التي أبعد ما تكون عن نهج الإسلام "فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك". نريد للأمة وعيا وتقوى في التعامل مع مرجعها، تـُجـِلـُّهم دون منزلة إضفاء القداسة والمطلقية، وتتلقى آراءهم الفقهية السياسية والاجتماعية – ولا نقول فتاواهم – تلقيا واعيا فاحصا ناقدا، دون التجرؤ على مكانتهم والتوهين لأشخاصهم فهم رموز الأمة التي يستحقون احترامها وبرها وطاعتها طاعة واعية لا طاعة عمياء غير فاحصة. ومن الوسائل التي يمكن للمكلـَّـف من أوسط المواطنين ثقافة شرعية أن يتبين من خلالها شرعية التزام موقف أو خط لا يلتقي مع فتوى المرجع، هو صدور ما يؤيد له ذلك من خلال فقهاء آخرين يشهد لهم بوعيهم وعلمهم واستقامتهم، أو شخصيات إسلامية معروفة بسعة وعمق ثقافتها ووعيها ومرانها السياسي، إضافة إلى ما تتحلى به من ضوابط شرعية مثلت ملامحها وتأريخها، أو من خلال تنظيم إسلامي عرف طوال تاريخه بالدقة في التزام الضوابط الشرعية، أو تيار واسع من المتشرعة، وذلك حسبما يحقق له الاطمئنان المبرئ للذمة بين يدي الله يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم والعاقبة للمتقين.

 

ضياء الشكرجي

2003

 

ملاحظة: كتبت هذه المقالة يوم كان الكاتب في حزب الدعوة، ومع هذا فما كتبه لا يمثل بالضرورة رؤية الحزب، بل ما كان يتمنى أن يتبناه الحزب في سعيه الإصلاحي، وهو ما يؤمن به الكثيرون من أفراد الدعوة، لكنه لا يمثل الموقف الرسمي المعلن والمتبنى. وقد استجدت حتى لدى الكاتب الكثير من المستجدات سلبا وإيجابا في تفاصيل القضية من وحي الواقع.

2006

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::