مدى إلزامية الفتوى الاجتماعية

 

ضياء الشكرجي

d.sh@nasmaa.com

www.nasmaa.com

 كتبت عام 2003 مقالة تساءلت فيها عن مدى إلزامية الفتوى السياسية، وانتهيت بنفي ذلك موردا الأدلة الشرعية على ذلك الرأي، والذي اعتبره البعض رأيا مناوئا للمرجعية، فخلط بين ما بحث علمي وما هو موقف سياسي، بعدما سُيِّسَت المرجعية. وبإيجاز كان رأيي يستند إلى حقيقة أن القضايا السياسية إنما يستمد الموقف العملي منها من التجربة الإنسانية وليس من مصادر التشريع المتعارف عليها، وكون القضايا السياسية من نوع الموضوعات الخارجية بتعبير الفقهاء، أي الجانب التطبيقي بحسب تشخيص واقع حال القضايا الخارجية أي الموجودة في الخارج أي خارج الذهن وخارج النظرية (الفتوى) أي في الواقع، والتي يقرر الفقهاء أن تشخيصها أي تشخيص الموضوعات الخارجية من تكليف المُكلـَّف، أي الإنسان الملتزم العادي، وليس من تكليف الفقيه أو المرجع. وللتوضيح يكون معرفة أن لمن تكون ملكية شيء ما، فالفقيه بعنوانه كمجتهد يستنبط الأحكام الشرعية من مصادرها، وليس بعنوانه كحاكم شرعي يقضي في المنازعات، فهو بالنسبة لهذا المثال يستنبط الأحكام الشرعية فيما يتعلق بالتصرف بالملك الشخصي، وليس من شأنه أن يقول هذا ملكك، وذاك ملك غيرك، ولا علم له بوجود رخصة خاصة أو عامة من قبل المالك بتصرف الغير بذلك الشيء، ولمن تكون الرخصة ممنوحة إذا كانت خاصة، وبأي حدود. ثم بينت أن السياسة والمواقف السياسية تتحدد غالبا بالموازنة بين المنافع والأضرار، واتخاذ القرار على ضوء تلك الموازنة، التي هي من اختصاص أصحاب الاختصاص من المزاولين للفعل السياسي، وبحسب الصلاحيات المعتمدة وفق العقد الاجتماعي أو الدستور، وعما إذا كان اتخاذ القرار من شأن السلطة القضائية أو التشريعية أو التنفيذية، وإلى غير ذلك، فتحديد موعد الانتخابات مثلا وتحديد التحالفات السياسية، وتشريع القوانين التي تحل مشاكل المجتمع أو تلبي احتياجاته، وتحديد القائمة أو المرشح الذي يصوت له المواطن الناخب، كل ذلك ليس من شأن الفقيه، وتدخله فيها بدون إحاطة كافية، أو بما يحتمل الخطأ والصواب، فيتعامل معه المواطن الملتزم كفتوى شرعية ملزمة وكرأي معصوم، دون توضيح الفقيه المباشر للتدخل بالشأن السياسي للمواطن خلل هذا الفهم في التعامل مع آرائه السياسية بهذا الشأن؛ فطرح الفقيه لرأي سياسي مع عدم توضيحه بانتفاء القداسة والعصمة والإلزام الشرعي لرأيه السياسي، والتي يسود الاعتقاد بها، ويساء استخدامها، واضح الإشكال الشرعي فيه، لما يترتب عليه من أضرار على الوطن وعلى الدين.

 

هذا فيما يتعلق الأمر بما يسمى بالفتوى السياسية التي لا تستند إلى قاعدة شرعية صحيحة، ما عدا نظرية مختلف فيها بين الفقهاء، بحكم الاختلاف في الروايات التي تستند عليها، وفيما يستنبط منها من أحكام، هذه النظرية التي تمنح الفقيه صلاحية الولاية السياسية العامة المطلقة المعروفة بمصطلح ولاية الفقيه. واليوم أريد أن أقدم في هذا الاتجاه خطوة متقدمة، في بحث مدى إلزامية الفتوى التي تحدد الموقف الشرعي من السلوك الاجتماعي، لأعرض رؤية شرعية تتبنى نفي الفتوى الملزمة في الشأن الاجتماعي.

 

لا أدعي أن هذه الرؤية التي توصلت إليها، إنما توصلت إليها بمحض جهد وتأمل ذاتيين، بل إن للبحوث الشرعية التي اطلعت عليها خلال هذه السنوات أمدتني بمعرفة، أيدت ثمة هاجس كان يعيش في داخلي بعمق لمدة طويلة، وقناعة كانت تبحث عن أدلة في عالم التشريع الديني.

 

من أبرز أدلتي على ذلك، هو أننا إذا ما تناولنا أي سلوك ذي بعد اجتماعي، وحاولنا أن نتعرف على الحكم الشرعي في ضوء الفتاوى المستنبطة من قبل فقهاء المذاهب الإسلامية المختلفة، أو من قبل الفقهاء المختلفين في المذهب الواحد، اكتشفنا أن ليس من قضية اجتماعية تحدد سلوكا أو وضعا اجتماعيا في ضوء الشرع، إلا واكتشفنا تعدد الحكم الشرعي الظاهري أي المستنبَط من المجتهدين والمفتين فيها. وفي خضم هذا التعدد والتنوع في الفتوى، لا بد من أن نعثر على رأي فقهي له ما يتفق معه من رأي اجتماعي وضعي أو تشريع قانوني غير ديني، استـُمِدّ من التجربة الإنسانية عبر تطورها وترشدها، من أجل تحقيق أكبر قسط ممكن من العدالة في المجتمع، وضمان الحقوق المدنية للفرد والتي تحفظ للأفراد الآخرين في المجتمع حقوقهم كذلك.

 

دعونا نتناول الأصول التي ينبغي اعتمادها في نوعين من الأحكام الشرعية؛ النوع الأول الذي يتناول العبادات والسلوك الفردي الشخصي، والنوع الثاني الذي يتناول المعاملات والسلوك ذا البعد الاجتماعي.

 

في الفتاوى المتعلقة بالعبادة والسلوك الفردي يسري الالتزام بستة أصول:

1.  أصل التعبد.

2.  أصل الثبات النسبي.

3.  أصل اتباع أهل الاختصاص، والمعروف بالتقليد.

4.  أصل اليسر.

5.  أصل التبعيض في الاتباع أو التقليد.

6.  أصل اتباع الفتوى لا المفتي، أي التقليد الموضوعي لا التقليد الشخصي.

 

أما في المعاملة ذات البعد الاجتماعي، فيسري الالتزام بأربعة أصول:

1. أصل ثبات جوهر التشريع ومبادئه، أو ما يعرف بمقاصد الشريعة، وهي مقاصد إنسانية بالضرورة.

2.  أصل عدم ثبات الحكم الشرعي لخضوعه لظرف الزمان والمكان.

3. أصل الاحتياط فيما يتعلق بحقوق الآخرين المعنوية والمادية (الحياة، الحرية، الأمن، المال، العرض، السمعة، الكرامة، المساواة ...).

4.  أصل جواز بل رجحان الاستفادة من التجربة الإنسانية.

 

ولنسم الأحكام المتعلقة بالعبادات والمعاملات ذات البعد الشخصي بأحكام النوع الأول، وأحكام المعاملات ذات البعد الاجتماعي بأحكام النوع الثاني. مع العلم إن المقصود بما له بُعد اجتماعي كل ما فيه طرف ثان، حتى لو كان شخص واحد، بما يمس حقوق ذلك الآخر، وأما المقصود بما له بُعد شخصي هو ما لا يكون فيه طرف ثان، أو كان فيه طرف ثان أو أكثر بما لا يمس حقوق الآخر. وكمثال للتوضيح يُعَدّ الزنا برضا الطرفين ذنبا من النوع الأول، بينما يُعَدّ الاغتصاب الجنسي حتى للزوجة ذنبا من النوع الثاني.

 

ولنفصل قليلا في كل من الأصول الستة في أحكام النوع الأول، والأربعة في أحكام النوع الثاني.

 

أصول أحكام النوع الأول (العبادات والمعاملات الشخصية):

1. التعبد: أي إن الالتزام بكيفية العبادات والأحكام الشرعية ذات البعد الشخصي كأحكام ما يجوز ولا يجوز من الطعام، لا يُعوَّل فيه على المرجحات العقلية، بل يُتـَعَبَّد فيه بالحكم، لعدم معرفة تمام علته وغاية الحكمة منه، ككيفية الصلاة وعدد الركعات وأوقات الصلاة وما يجب قراءته وغيرها. فهنا يجري التعبد بالحكم الشرعي، باعتبار أن المُتـَعَبِّد به يؤمن أنه حكم الله.

2. الثبات النسبي: فالعبادات والسلوكيات الفردية أو الشخصية غالبا ثابتة، وإن كان ثباتها نسبيا. فعدد الصلاة اليومية الواجبة وغيرها من الأمور التي لا تتغير بتغير الزمان والمكان، وحتى ما هو متغير بتغير المكان والزمان فيها، كالقصر في السفر وجوبا وتعينا أو ترخيصا وتخييرا، وحرمة الصلاة في المكان المغصوب، هذا لا يعتبر من المتغيرات بتغير الزمان والمكان، بل هي أحكام ثابتة، بما في ذلك ثبوت أحكام التغير الطارئ عليها، ونفس الشيء يقال عن الأحكام بالعناوين الثانوية، أي تحول شرب الخمر إلى جائز أو واجب، مثلا إذا توقف شفاء المريض، أو توقفت حياة إنسان على تناولها.

3. التقليد: ليس للمكلف العادي (المؤمن الملتزم غير المجتهد) أن يجتهد في كيفية القيام بالعبادات الواجبة وغيرها من أحكام النوع الأول، بل عليه أن يرجع في ذلك إلى أصحاب الاختصاص، وهذا الرجوع أمر عقلائي، كما هو الحال مع أي قضية في الحياة تحتاج إلى رأي من أصحاب الاختصاص.

4. اليسر: ليس المطلوب التشدد في مثل هذه الأحكام، ما زالت عديمة التأثير على طرف آخر، بل الأصل فيها اليسر، وكثيرة النصوص من القرآن والسنة التي تؤكد أصل اليسر، أكتفي بذكر نص قرآني ألا هو «يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر»، ومن الحديث: «أتيتكم بالشرعة السهلة السمحاء»، «ما خيرت بين أمرين إلا اخترت أيسرهما».

5. التبعيض: وهذا يتعلق بالأصلين السابقين، فبحكم لزوم التقليد وبالتزام بأصل اليسر، يكون التبعيض في التقليد هو الأصل، وليس هناك دليل على وجوب اتباع فقيه معين على وجه التحديد والحصر.

6. التقليد الموضوعي: وهذا يتفرع عما سلف، فليس هناك دليل على وجوب اتباع فقيه بشخصه، بل المطلوب الأخذ بالفتوى الجامعة للشرائط، حتى لو لم يعرف المُكـَلـَّف من هو المُستنبـِط لها من الفقهاء، وما إذا كان حيا أو ميتا، فشروط التعيين الشخصي لما يسمى بمرجع التقليد، والأعلمية والحياة والذكورة أمور لا علاقة لها بالرجحان العقلائي لرجوع الإنسان إلى أصحاب الاختصاص فيما لا اختصاص له فيه.

 

أصول أحكام النوع الثاني (المعاملات الاجتماعية):

1. ثبات جوهر التشريع: فالثابت ليس الحكم الذي هو بمثابة القانون، بل جوهر الحكم ومبادئ الأحكام التي هي بمثابة الدستور، وهذا ما يعرف بمقاصد الشريعة أو علل الشرائع التي هي الملاك الذي يدور الحكم مدارها، فمثلا العدل من المبادئ الثابتة في أحكام المعاملات ذات البعد الاجتماعي، أي التي فيها طرف ثان أو أكثر، يتأثر بها إيجابا أو سلبا.

2. عدم ثبات الحكم: فهناك دراسات لعدد غير قليل من أساتذة الدراسات الشرعية، أو ما يسمى عند الشيعة بالحوزة العلمية، مفادها تغير الحكم بتغير الزمان والمكان وتغير المصالح والمفاسد، وإنما الثابت هو مبادئها ومقاصدها وعللها كما مر.

3. الاحتياط: بعكس أحكام النوع الأول الذي من أصوله اليسر كما ذكرنا، يكون هنا الاحتياط والتشدد هو الأصل، كلما كان الحكم يتناول سلوكا ذا مساس بآخرين، بحياتهم وحقوقهم وحرياتهم ومصالحهم وأمنهم وكرامتهم. وقد دلت النصوص الشرعية على وجوب الاحتياط في الدماء والأموال والأعراض، وأقول هذا ليس من قبيل الحصر، بل من قبيل الأولوية، بل يشمل الاحتياط كل ما ذكرناه فيما له مساس بالآخر.

4. الاستفادة من التجربة الإنسانية: فكما يذهب فقهاء معترف بمكانتهم الفقهية والفكرية على سبيل المثال محمد مهدي شمس الدين في أن الأحكام الشرعية المتعلقة بالسياسة والدولة والحكم يستفاد في معظمها من التجربة الإنسانية، وليس من النص أو من التاريخ الديني، فهناك رأي معتبر، وإلم يكن واسع الانتشار بأن حتى القضايا الاجتماعية، وهي في رأيي من سنخ القضايا السياسية، كذلك يمكن الاستفادة فيها من التجربة الإنسانية، ما زالت مبادئ التشريع ثابتة، مع إن مبادئ التشريع غالبا ما تمثل مبادئ إنسانية توصلت إليها الإنسانية باعتماد مبدأي العقلانية والإنسانية.

 

وفي الختام أعيد ما أسميته من أبرز أدلتي على هذه الرؤية، هو إننا مع تناول أي سلوك ذي بعد اجتماعي، نكتشف تعدد الفتاوى المستنبَطة في ذلك، ونعثر على رأي فقهي يتفق مع رأي اجتماعي وضعي أو تشريع قانوني غير ديني، استـُمِدّ من التجربة الإنسانية، ومن أمثلة ذلك أحكام المعاملات المصرفية وما يعتبر منه ربويا ولا يعتبر كذلك، وعموم الأحكام ذات البعد الاقتصادي، من أحكام البيع والشراء والتملك والإيجار والعمل، فنجد هناك في كل ميدان اجتماعي مختصين ودراسات وبحوثا ومعاهد ونظريات وقوانين، لا بد من أن تلتقي مع الفتوى المستنبطة من هذا أو ذاك الفقيه، فما زالت الفتاوى متعددة في كل قضية من تلك القضايا، سواء في ميادين الاقتصاد أو التربية والتعليم أو الرعاية الاجتماعية أو الأسرة أو علاقات العمل أو تخطيط المدن، وما زال لكل تشريع وضعي ما يؤيده من رأي شرعي على وفق اجتهاد مجتهد من المجتهدين، وما زال الأصل هو ثبات جوهر الحكم ومبادئه ومقاصده وعلله، وما زال «الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره»، وما زالت حقيقة «إنما الأعمال بالنيات»، وما زال تعدي الحدود ممكنا حتى مع الالتزام بالفتوى عن طريق المخارج الشرعية أو ما يسمى بالحيل الشرعية، وما زالت وحدها الأخلاق، والضمير، وخوف الله هي التي تضبط سلوك الإنسان، لا يكون من الأحكام الشرعية ذات البعد الاجتماعي ما هو ملزم وضروري بالنسبة للإنسان الملتزم، إلا ما قل وندر.

 

ثم كثير من أحكام المعاملات لم يعد لها موضوع، كأحكام إحياء الأراضي الموات، وأحكام الرق وملك اليمين، وأغلب حالات ما يسمى بمجهول المالك، لاسيما فيما يتعلق بالعقارات، بل وحتى الكثير من الأموال المنقولة، وأحكام دار الإسلام ودار الحرب، وأحكام أهل الذمة. ولو إن بعض ما ذكر مما له علاقة بشؤون السياسة والدولة. والأمثلة كثيرة على أن كثيرا من الأحكام أصبحت سالبة بانتفاء موضوعاتها في الخارج، مع إنها ما زالت تملأ كتب الفقه من غير أن تكون موضع ابتلاء كما يُعبَّر، أي إنها فاقدة لملاكاتها أصلا، وما زال الحكم يدور مدار الملاك، فهو منتف بانتفائه.

 

وهناك العديد من الكتب والبحوث التي عالجت الموضوعة التي تناولتها بمقالتي المتواضعة هذه، أشير إلى بعض مما يحضرني منها على سبيل المثال:

-      مقاصد الشريعة طه جابر العلواني – قضايا إسلامية معاصرة - دا الهادي - بيروت

-      الإسلام المدني - أحمد اقبانجي - سلسلة ثقافة إسلامية معاصرة

-      نظريات الحكم في الفقه الشيعي - محسن كديڤر (كديور) - دار الجديد - بيروت

 

نسأل الله هداية الأمة مجتهديها ومقلديها، ملتزميها ولاملتزميها، مؤمنيها ولامؤمنيها، موقنيها ومرتابيها، مسلميها ومسيحييها وصابئتها وإيزيدييها ويهودها وبهائيتها، إسلامييها وعلمانييها، سياسييها ومواطنيها، مثقفيها وبسطائها، متعلميها وأمييها، نسائها ورجالها، أفرادها وجماعاتها، إلى ما هو أصوب، وأقوم، وأرضا له سبحانه، وأكثر تجسيدا للإنسانية والعقلانية، وأنفع للوطن وللمجتمع الإنساني.

 

26/01/2008 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::