«الفقيه» .. «المرجع» .. «الأعلم» .. «المثقف» .. «المفكر»
هذا بحث أردت له أن يكون مفصلا، ثم عدلت إلى ترجيح الاختصار. هدفي في البحث هو أن أتناول مع القارئ مجموعة من العلاقات الثنائية، على النحو الآتي:
- بين «الفقيه» و«المثقف»
- بين «الفقيه» و«المرجع»
- بين «المرجع» و«المفكر»
- بين « الفقيه الأعلم» وبين « الفقيه المفكر»
وقبل بيان العلاقات الثنائية، نمر على كل من العنوانين التي ذكرت.
- «الفقيه» هو من يسمى أيضا بـ «المجتهد»، أي صاحب القدرة على استنباط الحكم الشرعي من مصادره، وذلك بآليات الاستنباط المعتمدة، أي المتزود بالمقدمات العلمية اللازمة المكتسَبة بالدرس والبحث، والمتوفـِّر على المَلـَكات الذاتية التي تؤهله لعملية الاستنباط. وهو بفقاهته، أي ببلوغه مرتبة الاجتهاد، لم يعد يجوز له تقليد غيره، حسب ما يقرر الفقهاء، بل يكون تكليفه العمل بما استنبطه من أحكام شرعية ظاهرية، إلا إذا كان مجتهدا متجزئا، فيرجع فيما لا اجتهاد له فيه إلى غيره.
- «المرجع»، هو الفقيه الذي لا يكتفي بالتعويل على اجتهاده فيما يكون مكلفا به عملا أو تركا، بل يتحول إلى مرجع للتقليد أو مُقـَلـَّد، أي من يرجع إليه آخرون في تقليدهم له، كما يصطلح في لغة الحوزة العلمية، أو لغة المتشرعة، أو بتعبير آخر يرجع إليه مقلدوه في الالتزام بما استنبطه من أحكام شرعية، وعرّفه لمن يريد تقلديه، وذلك غالبا بواسطة ما يعرف بالرسالة العملية، بالرغم من أن إصدار الرسالة العملية لا يعتبرونه شرطا لصدق مرجعية المرجع، ولكن يمكن اعتبار ذلك من الناحية العملية من اللوازم المعتمدة عادة.
- «المثقف»، وأعني الفقيه المثقف، وهو المتزود بالثقافة العامة العصرية، ويكون من المستوى الثقافي الذي يجعله متلقيا واعيا وناقدا ومستوعبا لسعة لا بأس بها من الثقافة العامة المعاصرة، لاسيما فيما له علاقة بالعلوم الإنسانية.
- «المفكر»، وأعني الفقيه المفكر، وهو الذي لا يكون من أهل الاختصاص كمجتهد في الفقه، بل صاحب حركية فكرية عامة، تجعله يقدم رؤى ونظريات في قضايا مختلفة، ولا يقتصر على علمي الفقه والأصول والعلوم المرتبطة بهما، كالمنطق واللغة وعلمي الحديث والرجال وغيره.
- «الأعلم» هو من يُدَّعى له أنه بلغ الأعلمية من بين مراجع التقليد، فتكون أعلميته النسبية، أي نسبة إلى من توصل من المُكـَّلفين المُقلـِّدين إلى الاعتقاد بأعلميته بأحد الطرق المذكورة في أغلب الرسالات العملية، ومنها الشياع، أو شهادة عدلين، أو السؤال من أهل الفضل، زلو من واحد منهم، أو الاختبار المباشر الذي يختص به المنخرطون في السلك الحوزوي خاصة. وفي الحقيقة إن الأعلمية أمر شائك جدا، ولا يمكن إثباته، بل هو افتراض يكاد يكون نظريا محضا، ولا تحقق له في الواقع.
تناول هذه العلاقات في تقديري في غاية الأهمية، من أجل أن يتعرف الناس، لاسيما من لهم قدر من الثقافة يؤهلهم لاستيعاب هذه المعاني، ولمعرفة الفوارق التي سيتناولها بحثنا المختصر، وترتيب الأثر في التطبيقات الخارجية، أي تطبيق المفاهيم التي نستخلصها من هذه الدراسة على مصاديقها في الخارج، كما يعبر المناطقة، وبلغة أكثر مفهومية نقول تطبيقها على أمثلتها في الواقع، وعلى شخوصها من مجتهدين ومراجع ومثقفين ومفكرين.
ومن أجل الربط بين هذا البحث والبحوث التي تناولتها سابقا، يمكن للقارئ الكريم الرجوع إلى ما طرحته في المقالات الآتية:
- آفاق المرجعية دور علمي أم دور علمي واجتماعي 01/06/2002 (على نسماء www.nasmaa.com - تحت باب المرجعية والمؤسسة الدينية).
- ظاهرة الفتوى السياسية والموقف الشرعي منها 2003 (على نسماء - تحت باب المرجعية والمؤسسة الدينية).
- المرجعية: امتداد شرعي لموقع الإمامة، أم موقع اختصاص؟ 24/08/2006 (على نسماء - تحت باب المرجعية والمؤسسة الدينية).
- المثقف والمفكر .. الفوارق والجوامع بينهما 21/11/2006 (على نسماء - تحت باب الثقافة ومناهج التفكير).
ولولا وجوب مراعاة ضغط الوقت، كنت أتمنى أن أقوم بضمن ما أقوم به في هذا البحث بجولة عبر المقالات المذكورة، أي جولة في أهم ما كتبته في المرجعية، منذ المحاضرة التي ألقيتها في لندن عام 2002، حتى مقالة «المرجعية امتداد للإمامة أم موقع اختصاص في 2006»، مع إضافة مقالة لم تكن ذات علاقة مباشرة بالمرجعية، بل بموضوعتـَي «المفكر»، و«المثقف»، لأني في هذا البحث أريد - كما بينت آنفا - تناول علاقات مثل:
- العلاقة بين «الفقيه» و«المثقف»، وعن الموقف من «الفقيه غير المثقف»، أي غير المتزود بقدر كاف من الثقافة العامة المعاصرة. باعتبار أننا حتى إذا تعاملنا مع الفقيه، كصاحب موقع اختصاص، كما شرحت في مقالة «المرجعية امتداد للإمامة أم موقع اختصاص»، وليس كمرجع، كما تبنيت في تلك المقالة، فلا بد أن يكون حتى الفقيه غير المرجع مثقفا بثقافة العصر، بدرجة تؤهله لفهم عصره، تطبيقا لشرط أن يكون «عارفا بأحوال زمانه»، لأن الفقيه المثقف بالثقافة العصرية الواسعة والمعمقة هو بالضرورة الأجدر بمنحه ثقة التعويل على اجتهاده.
- العلاقة بين «الفقيه» و«المرجع»، ولو أن كل مرجع هو فقيه بالضرورة، ولكن ليس كل فقيه يتأهل للمرجعية، أو ربما يتأهل ولكن لا تتضافر الظروف المواتية لبروزه كمرجع. ومن هنا يمكن القول أن المرجع هو فقيه يفترض أن يكون بمؤهلات استثنائية، رفعته إلى مقام المرجعية، أي أكسبته ثقة الوسط الخاص، ومن هناك ثقة الوسط العام، حتى غدا عدد من الجمهور يُعوِّلون على الرجوع إلى فتاواه، أو يقلدونه حسب المصطلح المتداول.
- العلاقة بين «المرجع» و«المفكر»، وهذه العلاقة هي من أهم ما يجب أن يُبحَث ويخضع للدراسة. لأن المرجع غير المفكر لا يكون مؤهلا للتصدي لقضايا الأمة ذات الشأن الكبير، حيث من غير المعقول أن ترجع الأمة إلى مرجع في القضايا الكبيرة، وهو ليس بمفكر، لأن غير المفكر لا يملك ديناميكية ذهنية عامة خارج إطار اختصاصه.
- العلاقة بين «الأعلم» و«المفكر»، حيث إن بحث هذه العلاقة من الأهمية بمكان، باعتبار أن الفقيه «المفكر»، وليس الفقيه «الأعلم» هو المؤهل للمرجعية، إذا ما سلمنا بها، ليس آخرا لأنه من السهولة تشخيص المفكر من غير المفكر، ولكن ليس من السهولة تحديد الأعلم. أما إذا اعتبرنا المرجعية ملغاة بالمعنى والدور الشائعين، باعتبار الفقيه أو المجتهد إنسانا متبوئا لموقع اختصاص ليس أكثر، وليس امتدادا لموقع الإمامة، كما يُراد له من غير حجة قطعية، فعندها يكون بحث هذه العلاقة سالبا بانتفاء الموضوع، إلا إذا اعتبرنا درجة «المفكر» متقدمة على درجة «المثقف»، وبالتالي لازمة الملازَمة لـ «الفقيه»، ليكتسب قدرا أكبر من الثقة في التعويل على اجتهاده.
إذن يبقى «الفقيه المفكر» وحده الفقيه الذي يستحق منحه ثقة أكبر في التعويل على اجتهاده، لما يجمعه بين فهمَين؛ فهم روح الوحي، وفهم روح العصر. بل ويبقى الجمع لازما بين العناصر الثلاثة؛ «الفقاهة»، و«المفكرية»، و«الثقافة المعاصرة». وحتى عند توفر هذه الشروط الثلاثة، لا بد من الإبقاء على حق إبداء الملاحظة، أي جواز وضع الفقيه، أي فقيه، ما زال غير معصوم، في ميزان التقويم والمقارنة والنقد، وعدم فرض وجوب الاتباع المطلق، وذلك من خلال أصالة حلية التبعيض، في الاتباع الفقهي - ولا أقول التقليد -.
وكما بينت لتدعيم هذه الفكرة، أشير إلى ما تناولته حتى الآن بشأن المرجعية، ومنذ عام 2002، من أجل أن يستطيع القارئ/ـة الكريم/ـة ملاحقة الأفكار والربط بينها، فتلك المقالات مع هذه هنا تمثل حلقات مترابطة، يكمل بعضها البعض.
المهم أن نعي جيدا أن الفقهاء هم علماء محترمون في ميدان من أهم ميادين المعرفة، وهم يُسْدون بلا شك، أو يمكن أن يُسدوا خدمة كبيرة للدين والمجتمع والوطن والإنسانية، ولكنهم غير معصومين، لأن الله سبحانه وتعالى شاء ألـّا تمتد حلقات المعصومية المتمثلة برسل وأنبياء وأوصياء وأئمة عليهم جميعا سلام الله، من أجل ألا يجمد العقل البشري، بل يبقى يبدع في كل المجالات، وكذلك من أجل ألا يجمد الدين بما يملك من آفاق رحبة في الدائرة الضيقة لعملية استنباط الأحكام الشرعية، والتي أي الأحكام هي مشروطة غالبا بشروط الزمان والمكان كما عليه فقهاء معتبرون، بل أن يكون الفكر، بما في ذلك الفكر الديني المنفتح على كل الفكر الإنساني؛ الفكر المتحرك والمبدع هو الذي يقود الحياة ويرسم للإنسانية معالم طريقها، ويمكن أن يكون أي هذا الفكر المبدع مستظلا ومستهديا ومستضيئا بروح وجوهر وقيم ومثل الدين، وقواعده الأساسية العامة ومبادئه الثابتة، دون تحويل المتحول والمتغير من الأحكام إلى ثابت، فتحدث الهوة وتكبر وتتسع وتتعمق بين الدين/الشكل لا الدين/الجوهر وبين تطور الحياة الإنسانية في كل مساحاتها وميادين إبداعها المتأتي مما أودع الله سبحانه وتعالى في الإنسان من خالقية وإبداع وقدرة على النمو والتكامل، من حيث تكون حركة الخالقية والإبداع والتجديد في خط الثوابت من القيم تمثل جوهر العبودية لله تعالى، باعتبارها تمثل المصداق الأصدق لتـَمثـُّل كمالات الله المطلقة في عالم الإنسان النسبي المتكامل.
27/01/2007
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::