آفاق المرجعية: دور علمي أم دور علمي واجتماعي
ضياء الشكرجي
بحث ألقي في مؤتمر لرابطة الشباب المسلم في لندن 1/6/2002
معالجة الموضوع من زاويتين: زاوية الواقع وزاوية الطموح
إن معالجة هذا الموضوع الحساس لا بد أن تنطلق من زاويتين: من زاوية ما هو الواقع، ومن زاوية ما هو الطموح، أو بتعبير آخر من زاوية ما هو كائن، ومن زاوية ما ينبغي أن يكون. أي إننا عندما نواجه مثل هذا التساؤل، لا تواجهنا إجابة واحدة، بل سنجد أنفسنا – حسب وجهة نظري – أمام إجابتين تتخذان موقع الضد من بعضهما البعض، وذلك لا من خلال إمكان اجتماع الضدين، بل من خلال أن كل إجابة منهما تنطلق من زاوية غير التي تنطلق منها الإجابة الثانية. فإجابة تنطلق بلحاظ الواقع، والثانية بلحاظ الطموح، فهما يلحظان السؤال من زاويتين: زاوية ما هو كائن، وزاوية ما ينبغي أن يكون. وهنا لا بد من الإشارة بأني لا أعني فيما سأذكره فيما هو كائن تعميما مطلقا للواقع، إنما هو تشخيص لما هو قائم على الأعم الأغلب. كما أني لا أعني بالطموح، وفيما ينبغي أن يكون، ذلك الطموح المثالي محلقا في فضاء الأحلام التي لا تقوى على الهبوط إلى أرض حركة الواقع، ولو على مدى المستقبل المنظور، بل الذي أعنيه من الطموح هو ذلك يأخذ بنظر الاعتبار بنسبية التطبيق، فالطموح لا يريد مما هو نسبي أن يتحول إلى مطلق، بل أن يتحول الطموح إلى الظاهرة العامة رغم نسبيتها.
المرجع: فقيه الفتوى أم فقيه الفتوى وموضوعاتها؟
عندما نسأل أنفسنا هل ينبغي لدور المرجعية أن يكون دورا علميا أم دورا علميا واجتماعيا، فإننا بذلك إنما نسأل ضمنا ما إذا كان يراد للفقيه المتبوئ لموقع المرجعية أن يكون فقيه النظرية الفقهية، أم فقيه النظرية والتطبيق الفقهيين، أو بتعبير لغة الفقه ما إذا يراد له أن يكون فقيه الفتوى، أم فقيه الفتوى وموضوعاتها في الخارج، ولا سيما الموضوعات ذات البعد الاجتماعي.
الإجابة التلقائية العفوية
قد يكون من الطبيعي أن أكثر من يواجه مثل هذا السؤال ويريد أن يجيب عليه، ستكون إجابته بكل تلقائية وعفوية هو ضرورة أن يكون دور المرجع دورا علميا واجتماعيا على حد سواء. وهذه التلقائية تنطلق من الحقائق التالية:
1. إذا طرحنا السؤال ما إذا كان الإسلام دينا يعنى بالفرد فقط، أم بالفرد والمجتمع على حد سواء. جاء الجواب تلقائيا لكل عارف بالإسلام - ولو بالحد الأدنى من المعرفة - أن الإسلام دين يتخذ فيه البعد الاجتماعي موقعا ذا أهمية قصوى.
2. وإذا طرحنا السؤال ما هو دور المرجع، جاء الجواب باتجاهين فالمرجع باعتباره مجتهدا يكون دوره دورا علميا باستنباط الأحكام الشرعية من مصادرها، وباعتباره من ترجع إليه الأمة في شؤونها العامة فإنه يمثل الامتداد لدور الإمامة في كل ما مثلته من دور القدوة والقيادة والريادة والرعاية للأمة والمرجعية العلمية والاجتماعية، مع تنوع الممارسة لهذه الأدوار بتنوع الظروف.
3. وإذا طرحنا السؤال بماذا تعنى الأحكام الشرعية التي يستنبطها الفقيه، جاء الجواب بأنها تعنى بسلوك الإنسان في الشأن الفردي وفي الشأن الاجتماعي على حد سواء.
الإجابة المغايرة الممكنة
ولكن من الممكن أن يأتي الجواب مغايرا، إذ تبدأ المغايرة بالإجابة عن السؤال الثاني من الأسئلة آنفة الذكر، ألا هو سؤال ما هو دور المرجع. فقد يقال إن المرجع هو من يرجع إليه في الجانب العلمي، كما هو الرجوع في أية قضية من قضايا الاختصاص إلى أصحاب العلم والخبرة والاختصاص فيها.
الرد على الإجابة المغايرة
وهنا يأتي الرد على هذا الفهم على النحو التالي:
1. حتى الرجوع إلى أصحاب الاختصاص في كثير من الأمور يتطلب الرجوع إلى من يملك الخبرة العملية إلى جانب المعارف العلمية. هكذا هو الأمر مع الطبيب والمهندس والباحث الاجتماعي والاقتصادي وغيرهم.
2. ثم حتى لو افترضنا اقتصار مهمة الفقيه على العملية الاستنباطية، فإننا نعلم أن الذي يستنبط مسألة شرعية في القضايا الاجتماعية، وهو يملك إلى جانب أدوات عملية الاستنباط، عناصر الثقافة والوعي والخبرة الاجتماعية، فإنه يضيف عنصرا مهما إلى عملية الاستنباط، ألا هو هذه المفردات المتعلقة بالمسألة الاجتماعية. فالثقافة بمواضيع الفتوى يمنحها بعدا عمليا يضيء للفقيه في عملية الاستنباط زاوية جديدة من الزوايا التي كانت مظلمة حتى الآن بالنسبة له.
السؤال مجددا: دور علمي أم دور علمي واجتماعي؟
أرجع إلى السؤال الأساسي المطروح والمطلوب من هذا البحث أن يدرس الإجابة عليه. مرة ثانية: هل دور المرجعية دور علمي أم دور علمي واجتماعي؟
علاقات المجتهد - المقلد - الفتوى - الموضوع
من أجل توضيح معالم الإجابات التي أريد أن أخلص إليها، والتي - كما بينت - ستكون ذات اتجاهين، اتجاه يلحظ ما هو الواقع، واتجاه يلحظ ما نطمح إليه، أحب أن أتوقف قليلا عند علاقتين - أو بالأحرى ثلاث علاقات – العلاقة بين المجتهد والمقلد أولا، والعلاقة بين الفتوى والموضوع ثانيا، والعلاقة بين العلاقتين ثالثا، لما أرى من أهمية في بيان هذه العلاقات للبحث. من أجل أن نحدد العلاقة بدقة بين المجتهد المقلـَّد والمكلف المقلـِّد، أي بين الفقيه - أو على وجه التحديد مرجع التقليد – والمكلف، لا بد لنا من التذكير ببعض الحقائق بخصوص التقليد والاجتهاد.
التقليد الذي هو رجوع المكلف غير المجتهد إلى الفقيه المجتهد أي مرجع التقليد ما هو في الواقع إلا رجوع الجاهل فيما هو جاهل فيه إلى أصحاب العلم والخبرة والاختصاص. وهذا الرجوع – كما هو معروف - هو من ضرورات السيرة العقلائية.
في التعامل مع الفتوى أي الحكم الشرعي المستنبط من قبل الفقيه هناك جانبان: جانب الفتوى وجانب الموضوع، أي عملية الاستنباط من جهة، ومجالات تطبيقاتها في الخارج من جهة أخرى.
وهناك مقولة فقهية معروفة هي أنه في الوقت الذي يكون فيه تحديد الفتوى - أي استنباط الحكم الشرعي - من شأن واختصاص الفقيه، يكون تحديد الموضوع في الخارج أي تشخيص موارد تطبيقات الفتوى من شأن المكلف.
الاجتهاد والتقليد في المواضيع كما في الفتوى
بعدما وضعنا هذه الحقائق أمامنا، نستطيع أن نستخلص من التجربة حقيقة رابعة: هي أنه حتى في المواضيع هناك ثمة اجتهاد وتقليد، ولو أنه ليس بنفس الدقة فيما هو المعني بالاجتهاد والتقليد الذي عرفناه كمصطلح فقهي خاص متعارف عليه، ألا هو الاجتهاد والتقليد في الفتوى. الذي أعنيه بالتقليد في المواضيع هو رجوع من لا يملك خبرة تطبيقية، كأن لا يملك خبرة اجتماعية، أو من يملك مثل هذه الخبرة ولكن بشكل محدود، إلى صاحب الخبرة أو من هو أوسع وأعمق منه خبرة اجتماعية، أو لنقل خبرة تطبيقية ليكون المصطلح أكثر سعة فيشمل ميادين التربية والسياسية والتبليغ وغيرها.
كيفية بلوغ الاجتهاد بالمواضيع – لاسيما - الاجتماعية
إن الخبرة والاختصاص العلميين لا يكتسبان على الأعم الأغلب إلا بالجهد العلمي وبالدراسة التي تمتد أفقيا في المدى الزمني وعموديا في العمق والتبحر، إضافة إلى الملكات الذاتية. هذا في مجال الخبرة النظرية، بينما تكتسب الخبرة التطبيقية من خلال التخرج من مدارس وحوزات وأكاديميات الحياة، وذلك بمقدار ما يخوض الإنسان معتركاتها، وبمقدار ما يمتلك من ملكات في الإفادة من تجربته وتجربة الآخرين.
الفقيه المجتهد في الفتوى مقلدا في المواضيع
من هنا نفهم أن الاجتهاد والتقليد في الفتوى غير الاجتهاد والتقليد في الموضوع. فكما أن الدليل العقلائي جعل الفقيه مرجعا للتقليد في الفتوى، يكون فيه نفس الدليل العقلائي الذي أوجب رجوع المكلفين من غير أصحاب الاختصاص في استنباط الحكم الشرعي إليه ليقلدوه فيما لا علم لهم فيه، موجبا لرجوعه هو - أي مرجع التقليد - إلى أهل الاختصاص فيما لا اختصاص له فيه. وهذا لا يشمل فقط ميادين الاختصاص العلمي من طب وهندسة وفلك وكيمياء وفيزياء وغيرها من العلوم، بل يشمل حتى ميدان الخبرة الاجتماعية، ليكون الفقيه المجتهد هذه المرة مقلـِّدا لمراجع تقليد في تلك الاختصاصات، في الوقت الذي قد يكون فيه من أصحاب الاختصاص هؤلاء الذي يتخذهم مراجع تقليد له يرجع إليهم، من هو من مقلديه في الفتوى. وحيث أن الموضوعات الاجتماعية للأحكام الشرعية أي الثقافة والوعي الاجتماعيين، وكذلك التجربة والخبرة الاجتماعيتين، تمثل ميدانا من ميادين الاختصاص التي قد لا يملكها الفقيه، يمكن أن نتصور مرجع التقليد مقلـِّدا لبعض مقلـِّديه أو مقلـِّدي غيره من المكلفين، يقلدهم في مواضيع فتاواه التي استنبطها من الأدلة الشرعية، فيما استنبطوه هم من تجربة الحياة، فيما لا يملك التجربة فيه. إذن مواقع التقليد والاجتهاد في مواضيع الفتوى أي تطبيقاتها، هي غير مواقع التقليد والاجتهاد في الفتوى نفسها. فبينما يكون التقليد هناك من المقلـِّد للمجتهد، يمكن أن يكون التقليد هنا من مقلـِّد لمقلـِّد آخر، أو من مقلـِّد لفقيه كما هو الحال في الفتوى، أو بالعكس من فقيه لمقلـِّد، أومن فقيه لفقيه آخر.
مبررات افتقاد ملكة الاجتهاد في المواضيع عند الكثير من المجتهدين في الفتوى
وإننا قد نجد المبررات المعقولة والمقبولة في كون من يركز على البحث العلمي - في أي ميدان من ميادين البحث العلمي - ويبرع فيه، قد يشغله ذلك عن مزاولة الحياة الاجتماعية بنفس الدرجة التي يمارسها غيره، وكما أن الذي يهتم في النزول إلى الميادين الاجتماعية قد لا يملك نفس الفرص في الإبداع العلمي والفكري، كمن يملك التفرغ أكثر منه. ولذلك نجد على الأعم الأغلب - أي باستثناء الحالات النابغة والنادرة - أن أكثر من تصدى للقضية الاجتماعية لا يملك إنتاجا علميا وفكريا إلا بشكل محدود، وأكثر من ضخ المكتبة الإسلامية بكم هائل من إنتاجه العلمي والفكري لم يكن من المتصدين للقضية الاجتماعية. فقليلون هم الذين يجمعون ويوفقون بين هذا وذاك، لأن مثل هذا التوفيق يتطلب ملكات تكون عادة فوق ما هو مألوف. ونعلم أن أبرز من استطاع التوفيق بين الجانبين، وأبدع فيهما على حد سواء، هو الشهيد الصدر. ولكن مثل الصدر يعتبر بحق من الولادات النادرة التي تمخضت عنها مسيرة التأريخ الإنساني.
أريد أن أقول بذلك أن الفقيه الذي يتصدى للفتوى ويتبوأ موقع المرجعية، في الوقت الذي يكون فيه مجتهدا في استنباط الحكم الشرعي، لا يجب بالضرورة أن يكون مجتهدا أيضا في مواضيع تطبيقات هذا الحكم، فمن الممكن أن يكون مجتهدا في ذلك لا من موقع فقاهته، بل من موقع خبرته بالمواضيع، وذلك بمقدار ما يمتلك من ممارسة وملكة في ذلك، لكنه قد يكون في ذات الوقت جاهلا في المواضيع أو في بعضها، أو عالما علما محدودا، مما يوجب عليه الرجوع إلى أصحاب الخبرة والاختصاص. ولعل هؤلاء أو بعضهم - كما بينت - يكونون من مقلديه، لأن نفس الدليل العقلائي الذي يلزم المكلف غير المجتهد أن يرجع إلى المجتهد، يلزم هنا - كما مر - رجوع الفقيه غير العالم بالمواضيع إلى من يملك هذا العلم، فتتبدل المواقع هنا، حيث يصبح مرجع التقليد مقلـِّدا، ويصبح المكلف المقلـِّد مرجعا للتقليد.
الواقع قد يفرض دورا علميا محضا للفقيه
لحد هنا انطلقت من الواقع الذي نعيشه، أي فيما هو كائن على الأعم الأغلب. ومن خلال هذا الواقع نجد أن موقع المرجع هو مرجعية الفتوى، وأن دوره هو دور علمي محض، دون أن أعني بهذا التمحض بأنه تمحض بالمطلق. أما إذا ما أردنا أن ننظر إلى ما ينبغي أن يكون، وهو أن تكون المرجعية امتدادا للإمامة في كثير من جوانبها وأبعادها إلم نقل في جميعها، مع فارق أن الإمامة انطلقت من موقع العصمة، وأنها معينة ربانيا تعيينا شخصيا، بينما تنطلق المرجعية من موقع الاجتهاد غير المعصوم، وبأنها معينة تعيينا نوعيا. أي إذا اعتبرنا المرجعية ليست موقعا للإفتاء وحسب، بل موقعا اجتماعيا وبالتالي قياديا، هنا لا بد من القول بأن المرجع القائد لا بد أن يكون مجتهدا في المواضيع، أو أن يكون جهازه المرجعي المؤسساتي مجتهدا في المواضيع من خلال أهل الخبرة الذين يمدون الجهاز المرجعي أو المؤسسة المرجعية بخبراتهم كل من موقع اختصاصه. والمرجع على رأس المؤسسة المرجعية ينبغي أن يكون على أدنى التقديرات ذا خبرة عالية في حسن اختيار الخبراء، وحسن ممارسة فن التشاور، وألا يكون متفردا في القرارات المتعلقة بالمواضيع، إذ مع افتراض أنه سيكون الأعلم في الفتوى، لا يجعله ذلك بالضرورة الأعلم بالمواضيع، ولا سيما المواضيع الاجتماعية والسياسية.
أمثلة لتوضيح التمييز بين الواقع والطموح
من أجل توضيح الفكرة أذكر هنا الدور القرآني للأمة المسلمة فيما ينبغي له أن يكون، مع تفاوت ذلك مع الواقع. وأذكر بهذا الصدد آيتين من القرآن الكريم:
الأولى تقول: "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ...". والثانية تقول: "وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ..."
فنعت الأمة المسلمة بأنها خير أمة أخرجت للناس، وبأنها أمة شاهدة على الناس، لا يقصد منه من حيث ما هو الواقع الفعلي الذي تعيشه الأمة، بل من موقع ما ينبغي لها أن تكون عليه، ما إذا التزمت بتعاليم الإسلام عقيدة وشريعة وأخلاقا، فكرا وعاطفة وسلوكا. وبالتالي فهي لا تكون خير أمة إلا بتحقيق شرط الأفضلية بأن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وشرط الأمر والنهي هذين أن تكون هي على النحو العام مؤتمرة بالمعروف ومنتهية عن المنكر. ثم لا تكون شاهدة على الناس، إلا بمقدار ما تجسد معنى الأمة الوسط. هنا تريد الآيتان الكريمتان أن تقول للمسلمين، أن الإسلام الذي من الله به عليكم وجعل هذه المنة نعمة لكم وحجة عليكم يمثل الأرضية الصالحة لصيرورة خير أمة أخرجت لسائر الأمم، وصيرورة الأمة الشاهدة على سائر الأمم. ومن أجل إضفاء وضوح أكثر للفكرة نضرب كذلك مثال كتاب "البنك اللاربوي في الإسلام" الذي كتبه الشهيد الصدر بلحاظ الواقع القائم على أساس من أنظمة مالية غير إسلامية.
بنفس المنهجية نقول أن المرجع لا يكون قائدا ذا صلاحية ولائية ودور اجتماعي، إلا بتوفر شروط القيادة والولاية، من علم ووعي وحكمة وخبرة، ومن ورع وتقوى وعدالة واستقامة. وإذا تحدثنا عن العلم على وجه الخصوص، فلا بد أن يكون عالما بالمواضيع، إلى جانب كونه عالما بالفتاوى أي باستنباط الأحكام.
شروط الفقيه المتصدي للدور الاجتماعي
وإذا ذكرنا من المواضيع المسألة الاجتماعية التي هي موضوع بحثنا على وجه الخصوص، نقول أن الفقيه المرجع القائد لا بد أن يتوفر على شروط هي:
1. معرفة اجتماعية، أو لنقل ثقافة اجتماعية، أي علم نظري بكل معطيات المسألة الاجتماعية.
2. إحاطة بالقضايا الاجتماعية، فيما هو الاطلاع والملاحقة للحدث الاجتماعي. وهذا نسميه بالمعاصرة الاجتماعية، وهو ما عبرت عنه الرواية الشريفة بشرط معرفة الفقيه بأمور زمانه.
3. هم اجتماعي، فيما هي المتابعة، وما هو التفاعل الوجداني، أي أن يكون مصداقا بل من أعلى مصاديق من يصبح ويمسي مهتما بأمور المسلمين، بل بأمور الإنسانية.
4. وعي اجتماعي، فيما هو الفهم لخلفيات الواقع الاجتماعي، وفيما هو التحليل المعمق والشمولي لحوادث التأريخ والقضايا الاجتماعية المعاصرة.
5. حكمة اجتماعية في الممارسة والتطبيق والرعاية والولاية.
6. أخلاقية وتقوى اجتماعية، فيما يحقق شرط العدالة الشرعي في بعدها الاجتماعي، وذلك بالمستوى المتناسب مع الدور الريادي والولائي.
7. ممارسة وخبرة اجتماعية، فيما هي المباشرة بالأداء الاجتماعي.
القضية السياسية كمصداق للدور الاجتماعي
إننا نعلم بأن الأجواء التقليدية المحافظة في الوسط المرجعي والوسط الحوزوي لم تكن تؤمن بضرورة بل حتى بجواز التصدي للقضية السياسية. وكان القليلون من علمائنا ومراجعنا ومفكرينا من الذين تصدوا بشكل فاعل للقضية السياسية، من أمثال الإمام الخميني، والشهيد الصدر. ولكننا لو أخذنا تجربة الإمام وثورته الإسلامية، أستطيع أن أدعي أنه حتى في هذا المجال كانت مشكلة الهوة بين النظرية والتطبيق مشكلة أساسية، إذ غالبا ما كان فيها نقاء النظرية ضحية لشوائب التجربة. مثال ذلك أن الإمام كان يؤكد دائما - وهو من حيث المبدأ محق تماما في ذلك - في ضرورة أن يبقى الروحانيون - حسب المصطلح الإيراني - في الميدان السياسي، وألا ينسحبوا منه مهما كانت الضغوط من حولهم. أقول إن الإمام كان محقا في ذلك من الناحية النظرية، ومن خلال وعيه لضرورة مواجهة مؤامرة إقصاء الدين مرة ثانية عن السياسة. لكننا عندما واجهنا الواقع، وجدنا أن الكثيرين من أولئك الروحانيين لم يكونوا يمتلكون شيئا من روحانية الإسلام إلا ما ندر، وكما نجد الكثيرين من العلماء أو المسمين بالعلماء قد لا يملكون العلم بالمعنى الدقيق للعلم، هذا إضافة إلى تشخيص الكثير من عناصر الضعف في ملامح الشخصية العلمائية أو التبليغة، وغياب الكثير من العناصر الأساسية مما يجب أن يتوفر في العالم أو طالب العلم المتبوئ لموقع الممارسة السياسية، من تقوى السياسة، وحكمة السياسة، وخبرة السياسة، ووعي السياسة، وأخلاقية السياسة. كما أننا نجد الكثيرين ممن يتبوؤون مواقع العمل الاجتماعي والتبليغي قد لا يملكون تقوى العمل الاجتماعي، ووعي العمل الاجتماعي، وحكمة العمل الاجتماعي، وأخلاقية العمل الاجتماعي.
إلى جانب المؤسسة ... حل آخر: عملية إصلاحية لمناهج الحوزة
وأرجع إلى الواقع لأسجل تشخيص حالة من عدم التوازن بين ما هو الطموح وما هو الواقع. فمن جانب نادرا ما نجد فقيها ضليعا بالمواضيع والقضايا الاجتماعية، وانطلاقا من تشخيص هذا الواقع، نقول أن المطلوب هو أن يكون الفقيه مقتصرا على دوره العلمي الإفتائي. بينما نجد من جانب آخر أن الكثير من فقهائنا الأجلاء - جزاهم الله خير الجزاء على جهودهم العلمية العظيمة - يحتفظون لأنفسهم بصلاحيات الممارسة الاجتماعية والدور الولائي، رغم عدم توفر الشروط الذاتية لذلك.
كحل: المؤسسة ثانية
وإذا لم تكن الشروط التي ذكرها هذا البحث المتواضع فيما ينبغي توفره في المرجع، هي مما يمكن اجتماعه في شخص المرجع على الأعم الأغلب، فلا بد من العمل على توفرها في الجهاز المرجعي، أو لنقل في المؤسسة المرجعية. فمن حيث أننا نعالج قضية واقعية وليست قضية نظرية، ومن حيث أننا نجد في الواقع أن اجتماع الصفات التي ذكرت أعلاه في شخص إنما هو أمر نادر جدا، لا يسعنا إلا أن نضع أمامنا هدف التحول أخيرا من المرجعية التقليدية إلى المرجعية الرشيدة، من المرجع الفرد إلى المؤسسة المرجعية. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو ما هي آليات هذا التحول؟
إيجاز الإجابة على السؤال المطروح عنوانا للبحث
يمكن أن أوجز الإجابة على السؤال المطروح، أي ما إذا كان دور المرجعية دورا علميا أم دورا علميا واجتماعيا، بناء على ما مر بنقاط على النحو التالي:
المطلوب أساسا ومن حيث المبدأ أن يكون دور المرجع دورا اجتماعيا إضافة إلى الدور العلمي.
من أجل التبوؤ للدور الاجتماعي لا بد من توفر شروط ذكرناها.
في الواقع المرجعي المعاصر لا نجد الشروط متوفرة إلا فيما قل وندر.
إذا خير المكلف بين تقليد المجتهد الضليع في القضية الاجتماعية إلى جانب اجتهاده وضلوعه في القضية الفتوائية، ومرجع ضالع بالأخيرة دون الأولى، فإن فهمي المتواضع يقول جازما أنه من الطبيعي أن يكون الأول أولى بالرجوع إليه.
ما زال الواقع كما هو في الأعم الأغلب، وإذا رأى بعض المكلفين أن تكليفهم الشرعي وفيما يبرئ ذمتهم ينحصر في تقليد المجتهد في الفتوى غير الملم بمواضيعها الاجتماعية، فينبغي أن نفصل بين مرجعية الفتوى والمرجعية الاجتماعية، كما ينبغي للمجتهد في الفتوى ألا يتبوأ الإفتاء في المواضيع الاجتماعية ما زال لا يملك ملكة الاجتهاد في هذه المواضيع والخبرة في ميادينها، بل أن يحيل إلى من هو أخبر منه.
إذن مع بقاء الأمر على ما هو عليه في الأعم الأغلب، لا نملك إلا حصر المرجعية اللاإجتماعية بالدور العلمي الإفتائي دون التصدي الاجتماعي.
مع توفر الشروط في مرجع ما، فلا مناص عندها من تبوئه للدور الاجتماعي.
إشكالية من يملك صلاحية التحديد والتشخيص
لكننا قد نواجه مشكلة عملية مع الإبقاء على حالة المرجعية الفردانية، ألا هي من يا ترى الذي سيحدد ماإذائية وكممدائية توفر الشروط إذا ما تم التوافق على شروط ما. حاليا لا أملك إجابة على هذا السؤال، إلا إذا ما تحولنا إلى الظاهرة الحضارية المؤسساتية. وهنا نسأل ما هي الخطوات التي أنجزت لحد الآن بهذا الاتجاه. كل ما تحقق لحد الآن بهذا الصدد هو أن المسألة أصبحت مطروحة للبحث، وأصبح لها رواد كثيرون، وإن كانت ما زالت تملك من المعارضين والمعرقلين أكثر بكثير مما تملك من الرواد والمؤيدين. ثم إننا إذا انتقلنا إلى دائرة الرواد، قد لا نجد أحدا من المحركين للمشروع، وإن وجدناه، نجده يتحرك بأدوات اللاحول وإمكانات اللاقوة. ومشكلة أخرى أن بعض المشاريع التغييرية المهمة، بل والتأريخية، تواجه الرفض أو التجاهل واللاإكتراث رغم كل أهميتها التأريخية، لا لشيء إلا لأنها أصبحت عنوانا لتيار فكري أو حركي أو مرجعي، دون النظر إلى الفائدة العامة التي تشمل معارضي التيار ورواده على حد سواء. كل ذلك لأننا - وللأسف والأسى الشديدين المريرين - ما زلنا غارقين في عصبياتنا. لا أريد أن أكون متشائما، فمجرد طرحي لهذا البحث ومناقشتي للموضوع أصلا، إنما هو ناتج عن ثمة تفاؤل وأمل. ولكننا نحتاج إلى وضع الخطط لتحريك التفاؤل، وبلورة البرامج لمنح الأمل جرعة من الديناميكية، وما توفيقنا إلا بالله.
إعادة صياغة لأكثر مفردات الواقع
والمرجعية ليست وحدها المعنية بإعادة الصياغة، بل إن حوزاتنا تحتاج إلى إعادة صياغة، وحركاتنا وأحزابنا تحتاج إلى إعادة صياغة، ومنابرنا و وأعمالنا التبليغية والدعوية، التربوية والثقافية، تحتاج إلى إعادة صياغة، ومشاريعنا السياسية تحتاج إلى إعادة صياغة، وبالتالي فإن نفوسنا وعقولنا تحتاج إلى إعادة صياغة. إنه مشروع تغييري شامل يبدأ من الذات، لا من دوائر ما خارج الذات، دون أن يعني ذلك أن نوقف عجلة حركة التغيير في الخارج، ليكون كل منا منشغلا بذاته، وإنما لا بد من إعادة صياغة للأولويات كما حددها الإسلام، إذ جعل الجهاد في ميدان النفس، أعلى مرتبة، وأشد أهمية، وأكبر خطورة، وأصعب مراسا، من الجهاد في ميادين الواقع الخارجي. وعندما أذكر الذات، لا أعني الاقتصار على الذات الفردية، بل أعني فيما أعني أيضا الكثير من مواقع الذات الجماعية. والقضية كلها في غاية البساطة، فقد لخصها أمير المؤمنين - عليه أفضل الصلاة والسلام - بثلاث عبارات قصار فأوصانا بـ:
1. تقوى الله
2. ونظم أمرنا
3. وصلاح ذات بيننا.
ما أسهلها على اللسان، وما أعظم افتقادنا لها في واقعنا. أصلحنا الله وأعاذنا من أن نكون ممن يقولون ما لا يفعلون، وأعاننا على أن نكون من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكل من بلغه القول ومن لم يبلغه من إخوتي وأخواتي في الإيمان.
ضياء الشكرجي
لندن – 19 ربيع الأول 1423 / 1 حزيران 2002
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::