المرجعية: امتداد شرعي لموقع الإمامة، أم موقع اختصاص؟

ضياء الشكرجي

d.sh@nasmaa.com

 

يطيب للبعض أن يصفني بكوني مناوئا للمرجعية، وهذا كان مبرر إصرار أحد أعضاء اللجنة المعينة من قبل المرجعية في انتخابات كانون الثاني 2004 للجمعية الوطنية، والتي كانت مهمتها الإمضاء على الأسماء المرشحة لقائمة الائتلاف العراقي الموحد، أو رد غير المستوفي لمقاسات اللجنة؛ كان مبرر إصراره على حذف اسمي، والذي أعيد بعد جهد لست بصدد سرد تفاصيله، ولعل ما جعل البعض يوصّفني هذا التوصيف، لأني كنت أكثر احتراما المرجعية، كوني لم أنزلها بضاعة إلى سوق المتاجرة السياسية، كما فعل كثيرون. كما ولست بصدد تبرئة نفسي من هذه التهمة، ولا بصدد تثبيتها أو تبريرها. فإني عندما أناقش قضية المرجعية، أحاول أن أناقشها مناقشة موضوعية محضة، أي مجردة عن شخوصها ومصاديقها في الواقع، سواء في الحاضر أو في الماضي، ولكن في نفس الوقت أناقشها لا كقضية تجريدية، بل بلحاظ الواقع العام الممتد زمانيا ومكانيا. وليس هناك من تناقض بين المناقشة الموضوعية غير المشخصنة، والمناقشة الواقعية لا التجريدية. فالمقصود بالواقع، والذي سميته بالواقع العام، هو إنه ليس بواقع خاص يتحدد بشخص مرجع ما، بل أقصد به واقع المرجعية على النحو العام، ودون الالتفات إلى الحالات الاستثنائية المفردة.

 

من الطبيعي أني أريد فيما أريد من هذا البحث أن أبيّن الثغرات في مقولة «ولاية الفقيه»، سواء المعتمَدة على كل من الصعيدَين النظري والعملي كما في إيران، أو المعتمَدة نظريا دون السعي لترجمتها إلى الواقع كما هو الحال عند بعض الفقهاء، أو الممارَسة عمليا، من غير تبن نظري، كما شهدنا مثالا صارخا لذلك في العراق. فأدلة ولاية الفقيه بعيدا عن كل تلك التفاصيل عند عدد غير قليل من فقهاء المذهب المعتبَرين أدلة ضعيفة، بما يحول دون اعتماد الإفتاء بها. وعلى أي حال حتى عدد غير قليل من القائلين بها، يعتبرها مسألة اجتهادية وتقليدية، يعمل كل مجتهد باجتهاده بها، وكل مُقلـِّد باجتهاد مقلـَّده.

 

ومبدأ ولاية الفقيه من الناحية العملية الواقعية، وبقطع النظر عن بحث أدلتها يصطدم أمام حقيقتين؛ الأولى أنها سواء المتبناة نظريا والممارَسة عمليا على حد سواء، أو الممارَسة عمليا دون التبني النظري، أو المتبناة نظريا والمتحيِّنة لفرص تطبيقها في أرض الواقع؛ فأنها تؤسس للون من ألوان التفرد، ولا أقول الاستبداد بالضرورة؛ التفرد بالقرارات الخطيرة للأمة. ولاستحالة وجود فرد يتمتع بمؤهلات التفرد هذه، وأقصد هنا الاستحالة من الناحية العملية الواقعية، وليس على نحو الفرضية النظرية، والتي هي بكل تأكيد ممكنة. ثم حتى لو افترضنا أن هناك في كل قرن أو بضعة قرون فقيها يتمتع بهذه المؤهلات، فلا يمكن تعميم الحالة المفردة النادرة كقاعدة كلية يجري تعميمها على الجميع. والمؤهلات هي الوعي السياسي، والحكمة السياسية، والثقافة السياسية، والتقوى السياسية، والعدالة السياسية، والهم السياسي، والمتابعة السياسية، والممارسة السياسية، وغير ذلك.

 

أما توهم الكثير من الشيعة بوجود وجوب شرعي باستمرار خط الإمامة متمثلا بالمرجعية، فمردود بأن الله سبحانه وتعالى لو شاء لجعل الإمامة مستمرة متواصِلة ممتدَّة من غير توقف، فهو عز وجل عندما حصرها في اثني عشر إماما، وشاء أن يكون الثاني عشر غائبا حتى يأذن له بالظهور بالنسبة لمن يؤمن بغيبته، أو حتى يأذن أن يولد، بالنسبة لمن يؤمن أنه يولد في زمانه. بل لو شاء الله لما ختم النبوة، بل لجعلها مستمرة متواصلة ممتدة من غير توقف. ولكل زمان آلياته الخاصة، فلزمن النبوات آلياته، ولزمن الإمامة المعصومة آلياتها، ولزمن عدم وجود المعصوم، نبيا كان أو إماما، آلياته الخاصة به. وهنا لا يصلح إلا خيار عقلاء هذا العصر، أي الديمقراطية، كآلية للتعامل مع واقع التنوع والتعدد والاختلاف، والتي من لوازمها التعددية والتداول والشورى والجماعية وغيرها.

 

ومع جليل احترامنا وتوقيرنا لكبار فقهائنا، علينا أن نذكـّر أنفسنا بواقع الفقهاء والمراجع، لنرى ما إذا كان هذا الواقع يؤيد تأهُّل الفقيه أو المرجع لدور القيادة العامة للأمة بهذا المستوى من الإطلاق. من أجل الإجابة على هذا السؤال، دعونا نطرح على أنفسنا مجموعة من الأسئلة:

-    هل وجدنا مراجعنا يتزاورون، أو يتواصلون بشتى وسائل الاتصال، من بريد وتلفون وفاكس وإيميل، للتباحث في أمهات قضايا الأمة؟

-    هل رأينا أن مرجعين أو أكثر التقيا، أو التقوا، ليجروا بينهم مناقشة علمية لمسألة فقهية أو أصولية تكون موضع خلاف بينهم، أو مورد تأمل عندهم؟

-    هل رأينا مرجعا توقف عند فتوى جديدة صدرت من فقيه آخر خلافا للمشهور، أو خلافا لمبناه الفقهي، وحاول فحص الأدلة أو ناقشها مع ذلك الفقيه مباشرة ليصلا إلى نتيجة ما؟

-    وهل أقر فقيه مرة برجاحة دليل عند فقيه آخر، فتحول من مبناه إلى مبنى ذلك الفقيه، معترفا بقوة الدليل عند الثاني، وبكونه شخصيا لم يكن ملتفتا إلى ذلك الدليل، وأنه قد خفيت أمور عنه وعن معظم الفقهاء، مما قد التفت إليه ذلك الفقيه، حتى لو افترض أنه أقل علمية منه؟

-    هل فكر المراجع والفقهاء بعقد مؤتمر لمدة أسبوع كامل، ولو مرة كل عشر سنوات، لإثراء بحوثهم الفقهية والأصولية، وإعادة النظر في مبانيهم أو مباني بعضهم، أو بحث المستجد لدى البعض منهم، مما خالف المشهور وامتلك الدليل لمشروعية المخالفة؟

-         هل اجتمع المراجع والفقهاء ليتدارسوا كيفية تحويل المرجعية من مشاريع فردية إلى مشروع مؤسسي؟

-    أليس مما يثير الاستغراب أن القليل والنادر جدا من الفقهاء من كان مفكرا، مع وضوح الفرق بين الفقيه والمفكر، وكذلك بين المثقف والمفكر؟ فلِمَ لـَمْ نجد مرجعا مفكرا إلا نادرا، ولعل الظاهرة انحصرت في محمد باقر الصدر ومحمد حسين فضل الله، فيما يتعلق بالمعاصرين؟

-    ثم لم كل هذا الغياب عن الوسط الاجتماعي، وتجنب الاحتكاك المباشر بالناس؟ ولا أقصد هذه المرحلة حيث المشكلة الأمنية، بل حتى في العهود التي لم يكن هناك أي خطر يهدد حياة المرجع، فنادرا ما نجد مرجعا يظهر للناس، ويتحدث إليهم، ويصلي الجماعة فيهم، ويعظهم، أو يستخدم التلفاز لمخاطبتهم. هذا باستثناء حالات نادرة ظهرت بظهور ظاهرة المجتهدين الثوريين أو الحركيين أو المتصدين، بحسب اختلاف المصطلح، كالخميني وفضل الله والصدر الثاني، هذا دون تقييمهم هنا، ودون إغفال الفوارق بين بعضهم البعض.

-    ثم من أين أتى المعممون - ولا أقول هنا المراجع - بروح الاستعلاء على الناس، ووجوب تميزهم عنهم، فيما يعرف بصدر المجلس أو الصف الأول لهم في حال التزاحم، والقيام لهم، والصلوات لهم، وتقبيل الأيادي لهم، وهذا كله لا من أخلاق رسول الله (ص)، ولا من أخلاق أهل بيته (ع)، ولا من أخلاق الصالحين.

 

دعونا نحترم ونوقر فقهاءنا ومراجعنا بما يناسبهم، ولا نسيء إليهم بإقحامهم فيما هو ليس من اختصاصهم ولا من مهامهم، وليكن واضحا أن هناك فرقا كبيرا بين الاحترام والتوقير، وبين المبالغة في إضفاء القدسية شبه المطلقة عليهم، مما يوصد أمام الناس الأبواب للمناقشة والمراجعة والتساؤل، مما يعني تعطيلا لحركة الإثراء الفكري والسياسي وحتى الفقهي في دوائر الاختصاص، كما وهناك فرق بين احترام المرجع وبين إحراجه في إقحامه فيما هو ليس من اختصاصه، وتحميله بالتالي وزر الأخطاء السياسية للأطراف السياسية التي تحمله على إسنادها. والأهم من هذا وذاك أهمية وعي الفرق بين الفتوى والرأي. فالفتوى عملية علمية اختصاصية في استنباط حكم شرعي من مصادره وبأدوات الاستنباط المعروفة، والمعتمدة على الإحاطة بمجموعة من العلوم الضرورية لعملية الاستنباط، كعلم أصول الفقه، وعلم الرجال، وعلم الحديث، وبعض علوم القرآن، وعلوم اللغة من نحو وبلاغة وغيرها. أما الرأي والموقف السياسيان فلهما عالم آخر وأدوات أخرى، وهناك للسياسة علومها الخاصة، وليس للفقه بالنسبة للسياسيين المتشرعين إلا دائرة محدودة جدا. والسياسة بحسب التعبير الفقهي هي بما يقارب التسعين بالمئة من الموضوعات الخارجية التي يكون تحديدها من شأن المكلف، أي من شأن أصحاب الشأن السياسي، وليس هو من شأن الفقيه، كما يقول الفقهاء أنفسهم. إذن اتباع الفقهاء - ولا أستخدم مصطلح التقليد - يلزمنا بجعل السياسة كمصداق للموضوعات الخارجية من اختصاص أهلها، ولا يتدخل الفقيه إلا عندما يجري تحليل حرام أو تحريم حلال. مع إن هذا لا يعتبر أمرا متقاطعا مع الشريعة دائما وفي كل الأحوال، فالشريعة نفسها تـُحوّل الحرام بالعنوان الأولي إلى حلال بالعنوان الثانوي، إذا شخصت مصلحة أكبر من مفسدة الامتناع عن ذلك الحرام. وحتى عند وجود ما يتقاطع مع الشريعة عموما، وبقطع النظر عن العناوين الأولية أو الثانوية، فإذا أقرت الأكثرية البرلمانية أمرا يُرى تعارضه مع الشريعة، فلا يجوز تعطيله إلا بأدوات الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وإلا بأدوات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الملتزمة بقواعد الرفق والحكمة والوعي وحفظ السلام الاجتماعي والالتزام بالعقد الاجتماعي الدستوري/البرلماني/الديمقراطي، وإلا بالأدوات العصرية المتبانى عليها عقديا. ثم حتى مع افتراض حدوث تقاطع مع الشريعة، فللسياسيين المتشرعة أن يستثمروا فسحة تعدد الاجتهادات باعتماد رأي فقهي معتبر آخر لا يرى هذا التقاطع. وهذا بالذات مما جعلني، ومعي العلمانيون والكرد وبعض الإسلاميين المعتدلين، في اللجنة الدستورية نصرّ على إضافة «المُجمَع عليها» في عبارة «لا يجوز سن قوانين تتعارض مع ثوابت الإسلام»، والتي غـُيرت إلى «ثوابت أحكامه».

 

إذن المشكلة تكمن في كثير من الأحيان في اعتبار الآراء والمواقف السياسية للمراجع والفقهاء بمثابة الفتوى، وعدم التمييز بين الرأي والفتوى. فعندما يكون للفقيه رأي سياسي، فهو متساو مع كل المواطنين، فإذا كان سياسيا إضافة إلى كونه فقيها، فرأيه يتساوى مع آراء السياسيين الآخرين، وإلم يكن كذلك، فرأيه يتساوى مع آراء عموم المواطنين. وهذا ما وضحه الشهيد الصدر في بحثه حول دورَي الخلافة والشهادة، كيف يتحدان في المعصوم، ويفترقان بغياب المعصوم، فتكون للفقيه الشهادة أي الرقابة، دون الخلافة، التي لا تعني إلا مباشرة العملية السياسية، وإلا بوصفه عضوا في منظومة الأمة وليس بوصفه فقيها. وحتى دور الشهادة أو الرقابة، فهذا مأخوذ به عند الشهيد إقامة نظام إسلامي، أما والإسلاميون، أو عقلاؤهم ومعتدلوهم قد شخصوا أن الديمقراطية هي الخيار الأفضل، فلا بد من إبعاد كل أساليب التعسف والقمع الفكري والحرب النفسية، ودعوى القداسة واحتكار الحق والصواب والشرعية.

 

كما إن هناك خطأ آخر وقع فيه أتباع مذهب أهل البيت (ع)، حيث انتقدوا إخوتهم من أتباع مذهب السنة والجماعة، لأن هؤلاء وقعوا في التناقض بين النظرية والتطبيق، فنظريا لا يؤمن السنة بعصمة غير الرسول (ص)، بينما نراهم يتعاملون مع الخلفاء الراشدين والصحابة، وكأنهم معصومون، بل أشد عصمة من الرسول (ص) نفسه، وذلك برفض تخطيئهم، بل اعتبار من يخطئهم خارجا عن الدين، وبعضهم يوسع دائرة هذا التعامل المختزن للتناقض لتشمل غير الخلفاء الراشدين من الأمويين والعباسيين، كمعاوية بن أبي سفيان والمأمون وهارون الرشيد، وبعضهم يضم إلى الدائرة حتى يزيد بن معاوية، مع إضافة رواة الحديث والتابعين إلى الصحابة، مع شمول أئمة المذاهب وغيرهم من مشاهير العلماء كابن تيمية وغيره. وإذا وقع السنة في تناقض واحد، فقد وقع الشيعة في تناقضين؛ التناقض الأول هو نقد إخوتهم السنة لهذه الازدواجية، مع وقوعهم هم في نفس الازدواجية، والتناقض الثاني هو مزاولة هذه الازدواجية أصلا، بعدم القول نظريا إلا بعصمة الرسول (ص)، وعلي (ع)، وفاطمة (ع)، والحسن والحسين (ع)، والأئمة الثمانية (ع) من ولد الحسين، وتاسعهم الغائب المنتظر المهدي (ع) من جهة، والتعامل من جهة أخرى مع مراجعهم وفقهائهم، وكأنهم معصومون، وذلك برفض تخطيئهم، بل اعتبار من يخطئهم خارجا عن المذهب، إلم يخرجوه عن عموم الدين، وبعضهم يوسع دائرة هذا التعامل المختزن للتناقض، لتشمل حتى بعض علمائهم الذين لم يبلغوا مرتبة الاجتهاد، ومع عموم قادتهم ورموزهم الدينية، ولعله عموم المعمَّمين.

 

وحيث ذكرت وأؤكد - لا مجاملة ولا محاباة ولا خوفا - على أهمية احترام وتوقير المراجع والفقهاء، ولا أتكلم هنا عن إهمال وجوب احترام وتوقير مفكرينا ومثقفينا. ولكن لا ينبغي أن يعبر عن الاحترام والتوقير، بألفاظ أقرب إلى الطلاسم منها إلى الكلام المفهوم، كـ «حجة الإسلام»، و«حجة الإسلام والمسلمين»، و«آية الله»، و«آية الله العظمى»، و«المراجع العظام»،  و«صاحب السماحة»، و«صاحب الفضيلة»، و«دام ظله»، و«قـُدِّس سره». وهذه العبارة الأخيرة بالذات لهي عبارة طلمسية في غاية الغرابة، وتوحي إلى الباطنية، ولا أشك في أنها تسربت من بعض الفرق الباطنية إلى لغة أتباع مذهب أهل البيت (ع). ولعل التشيع الصفوي هو الذي ابتكر كل هذه الطلاسم الغريبة على لغتنا وعلى ثقافتنا، ورحم الله المفكر الإيراني د. علي شريعتي عندما نبّه إلى ضرورة التمييز بين ما أسماه بالتشيع العلوي (نسبة إلى علي بن أبي طالب -ع-)، ويقصد به التشيع النقي من الشوائب الداخلة عليه، وبين ما أسماه بالتشيع الصفوي، الذي ملأ شعائر وطقوس وفكر وعقائد ولغة المذهب بأمور دخيلة وغريبة كثيرة جدا، بعضها قد يقترب قليلا أو كثيرا من الغلو والخرافة. كما إن الاحترام والتبجيل لا يعني طقوسا كسروية، من انحناءات، وصلوات، وتقبيل لليد، و«مولانا»، وغيرها.

 

وقد ابتعد معظم المراجع عن القضية السياسية والاجتماعية، إلا عند ظهور المرجعية الثورية، وهنا دون أن نتهم أحدا على وجه الخصوص، لا بد من التنبيه إلى أن الثورية كانت غالبا في الواقع هي رديفة للتشدد، والتشدد هو بذرة التطرف، والتطرف هو مقدمة الإرهاب. وهذا كله نقيض رسالة وأخلاقية وعقلانية الدين، ونقيض رسالة وأخلاقية وعقلانية مدرسة أهل البيت (ع) على وجه الخصوص.

 

ومن غرائب ما أفرزته تجربة المرجعية هو مصطلح «الأعلمية»، وبالتالي فإن كل فقيه يقول بوجوب تقليد الأعلم، ويعتبر تقليده مبرئا للذمة، وبذلك إنما يعتبر نفسه الأعلم. بينما الموضوعية العلمية في كل حقول العلوم والمعارف لا تسمح لعالم أو مفكر أو مخترع أو مكتشف أو صاحب نظرية جديدة أن يدعي أو يدعى له أعلميته مقابل أقرانه. والأعلمية لا يمكن إثباتها بأي حال، فإثابتها أمر يتعارض مع الموضوعية العلمية، التي من لوازمها النسبية، بينما تعتمد مقولة الأعلمية المطلقية، فالعلم ليس وزنا يوزن فيقرر أي هو الأثقل، ولا طولا يقاس فيقرر أي هو الأطول، ولا مساحة تمسح فيقرر أي هي الأوسع، ولا هي حرارة نقيس الأسخن منها، ولا حجما نتعرف على الأكبر. والنسبية من لوازم الموضوعية والعلمية والعقلانية، وبالتالي من لوازم الدين. ولعل هذه المقولة خلطت بين إثبات أن المعصوم أعلم أقرانه، وبضم شبهة أن المرجع امتداد المعصوم ونائبه إلى ذلك. فحتى لو ثبتت النيابة، فلازم حقيقة أن النائب غير معصوم هو نسبية علميته ونسبية أعلميته، أي لو افترضنا أعلميته في حقل من حقول الفقه، فمن الممتنع أن تثبت علميته في كل الحقول. فالأعلمية من القضايا المركبة، وليست البسيطة، كقضية الوزن والطول والمساحة والحجم والحرارة والضغط والكثافة وغيرها.

 

وأجد أخيرا أن التعامل مع المرجعية ينبغي أن يكون على ضوء النقاط الآتية:

1.   تأكيد احترام وتوقير المراجع مع عدم إغلاق الباب أمام حق النقد، وعدم رفعهم إلى مستوى ما هو فوق النقد والإشكال والتوقف والتساؤل والمراجعة، حالهم حال كل المفكرين والمبدعين والعباقرة والأفذاذ والمجددين، يُحترَمون ولكن لا يكونون فوق النقد.

2.   التعامل مع المراجع كأصحاب اختصاص، يرجع إليهم غير الضليع بهذا الاختصاص، كما يرجع المرء إلى أهل أي اختصاص، لا اختصاص له فيه.

3.   إشاعة مفهوم التبعيض في الاتباع - ولا أستخدم التقليد -، وعدم حصر الاتباع أو ما يسمى بالتقليد في مرجع واحد، كما هو الحال مع أي حقل من حقول الاختصاص التي يجب عقلائيا رجوع غير أصحاب الاختصاص إليهم في اختصاصهم، فالتبعيض جائز عقلائيا في الرجوع إلى الأطباء وإلى غيرهم من المختصين.

4.   اتباع الفتوى الجامعة لشرائط الاستنباط، والاستعاضة بها عن تقليد الفقيه الجامع للشرائط، بحيث لا يجب على المُبعِّض في الاتباع أن يعرف من هو صاحب الفتوى، بل يكفي أن يعلم بطريق مجزية وموثوق بها أن الفتوى قد استنبطت بأدوات الاستنباط الصحيحة ومن قبل فقيه جامع للشرائط، سواء كان حيا أو ميتا، وسواء كان أعلم من غيره، أو كان غيره أعلم منه. وفي الواقع ليس هناك أي مانع شرعي قوي الحجة والدليل على عدم جواز التبعيض، أو عدم جواز تقليد غير الأعلم، أو تقليد الميت ابتداء، أو على عدم جواز تقليد الفقيهة الجامعة للشرائط. وهذا يشبه الالتزام بقواعد صحية معتد بها، فلا يحتاج من يلتزم بها إلى معرفة مَن مِن الأطباء صاحب هذه أو تلك القاعدة أو النصيحة الطبية.

5.   تحويل المرجعية إلى مؤسسة، لتكون الثقة ممنوحة للمرجع كشخص وكجزء من مؤسسة، وللمؤسسة كمؤسسة، وليس لحاشية المرجع وأبنائه وأصهاره، وذلك لضمان مصير الأموال الشرعية بعد موت المرجع، كما حصل مع بعض المراجع، إذ تركوا ثروة هائلة من الحقوق بأيدي ورثتهم، ولم يعرف مصيرها. فبوجود المؤسسة يجري تنظيم القضية المالية من جهة، وتجعل المرجع غير مضطر أن يبدأ مشروعه من الصفر، بل أن يبدأ من حيث انتهى من قبله، كالوزير الذي يستلم الوزارة من سلفه، وكرئيس الوزراء ورئيس الدولة.

6.   ابتعاد المرجعية والمؤسسة الدينية عن تفاصيل شؤون السياسة، لأن السياسة ليست من اختصاصها، وبالتالي كما يجب رجوع من لا اختصاص له في شؤون الاستنباط إلى المراجع أو قل الفقهاء كأصحاب اختصاص فيما لا اختصاص له فيه، يكون لازم ذلك رجوع الفقهاء إلى أصحاب الاختصاص في السياسة، كونهم ليسوا من أهل الاختصاص فيها.

7.      استبدال مصطلح التقليد بالاتباع، ومصطلح المراجع بالفقهاء.

8.      تثقيف الأمة على وجوب احترام الفقهاء، لكن دون منزلة التقديس المبالغ فيه، والمختزن لشبهة دعوى العصمة.

 

24/08/2006

03/09/2006

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::