صرخة غضب في وجه الأقلام الطائرة خارج السرب العراقي ودعوة صبر للآخرين

 

 ضياء الشكرجي

     

الأقلام التي تلتقي مع ما يسمى بالمقاومة، الأقلام التي تـُظهر العهد الجديد بصورة سوداء قاتمة، الأقلام التي تستبطن من حيث لا تشعر ولا تريد ما يوحي بالشوق إلى النظام المقبور والأسف على الأيام السوداء الماضيات، الأقلام التي تعادي مجلس الحكم وكل القوى الوطنية الممثلة فيه، ولا أقول كلها وطنية، أو كلها خالصة في وطنيتها، أو كلها أصابت الموقف الصواب، وإن انطلقت من دوافع وطنية، الأقلام التي يطرب لها صدام في مخابئه التي تفوح بالرياح الخبيثة التي تتقيأ منها الأذواق السليمة، الأقلام التي تطرب لها السلفية الحاقدة على شيعة العراق، الأقلام التي يطرب عليها كل من لا يريد خيرا للعراق والعراقيين، من الجوار السني العروبي أو بعض الجوار الشيعي العربي أو الأعجمي، الأقلام التي يطرب لها فدائيوا صدام المقتاتون على الفطائس كالغربان، أقلام تطير خارج السرب العراقي، وأقلام تعزف معزوفة نشازا خلاف ألحان الوطن وأنشودات أهله، تعزف عزفا يؤذي أصحاب الحس الوطني المرهف.

 

إني لا أتحدث عن الدوافع، فلعل الكثير من هذه الأقلام تنطلق من فهم وطني خاص بها غير مفهوم من قبلنا نحن الآخرين، أو بعضها من فهم وطني وإسلامي خاص بها وغير مفهوم من قبلنا نحن الآخرين، ولكني أتحدث عن النتيجة، فهذه الأقلام وإن كان بعضها معاديا لصدام ومن غير شك بالنسبة للبعض من هذا البعض، ومتخذا موقفا معارضا أو ربما معاديا لكل ما ذكرت ومن ذكرت، وإن كان هذا البعض ينطلق من منطلقات وطنية ولو وفق فهم خاص للوطنية، ولكن هذه الأقلام أرادت أن تغني للوطن، فاختارت خطأ النوطة الخطأ وآلة العزف الخطأ والكورس الخطأ والتقنية الصوتية الخطأ، فأصبحت تـُطرب فقط أعداء العراقيين، بدلا من أن تـُطرب الوطن وأبناء الوطن. هذه الأقلام لا يحبها معظم العراقيين، إنها تؤذي مشاعر أكثر العراقيين، وقد أصبح معظمهم مرهف الحس جدا يا إخوان، إنها تستفز ذوق العراقيين، تنشد .. مقاومة .. مقاومة .. وتنعت كل من دخل مجلس الحكم وتعاطى مع العملية السياسية بالعملاء أو الأغبياء أو أنهم طلاب مال أو جاه أو منصب أو ذوو طموحات شخصية أو فئوية حزبية تارة أو طائفية او قومية أو قبلية، كلهم عندهم إما خونة أو عملاء أو جاهلون وأغبياء أو كفرة ومرتدون، وحدها هذه الأقلام حافظت على نقاوة الوطنية وعلى سلامة الفهم وعلى ثاقبية النظرة وعلى سعة الأفق وعلى قابلية استشراف المستقبل وعلى ملكة قراءة الممحي وما بين السطور، وحدها المخلصة، وحدها النقية النزيهة النظيفة العفيفة، وحدها التي تفهم وتعي وتقرأ وتؤسس للصواب، وحدها وحدها وحدها، فهي وحيدة زمانها في عبقرية الوعي السياسي ونقاء الوطنية وإدراك الواقع كما هو. مو هالشكل يا ناس .. مو هالشكل الحچي أرجوكم.

 

الكثيرون من أحبائي من مختلف التيارات، إسلاميين وعلمانيين، أصبحوا يتأذون من فتح المواقع التي تكتب فيها هذه الأقلام، وبعضهم يقول لولاك لما فتحنا الموقع الفلاني، وأخي الحبيب السيد الزاملي، الذي لا أشك في اعتداله وفي حبه للعراق وفي صدق توجهه، ولكنه لا يملك أن يغلق موقعه بوجه هذه الأقلام يا إخواني يا أحبائي، وبالتالي أصبح إخوانه المحبون يتحسسون وربما يظلمونه، وأصبح البعض يضغط علي شخصيا كي أقاطع الموقع، ولست مقاطعا له ما لم يتبين لي باليقين القاطع ضرر الإطلال من كتابات العزيزة على القارئ والكاتب العزيز الموافق والمخالف، وإطلال بعضنا على الآخر.

 

فأقول أيها الاخوة علينا أن نمرن أنفسنا أن نسمع الألحان النشاز ونقرأ للأقلام المؤذية، فإننا في عهد حرية الفكر، وكفى قمعا للأقلام وكما للأفواه، فالصواب والاعتدال وما ينفع العراقيين هو الذي سيمكث في الأرض، سيمكث في الوطن، سيمكث في العقول والقلوب، سيمكث في الواقع، سيمكث في الثقافة في الوعي في الحياة، وأما الزبد، أما الهراء، أما التطرف، أما الجهل، أما الخطأ المتعمد وغير المتعمد، أما المعزوفات النشاز المزعجة والمؤذية لذوقنا العراقي وحسنا الوطني المرهف، فستذهب جفاء وستذهب أدراج الرياح، فدعونا نتعلم الصبر، فالعراق يحتاج إلى صبرنا، يحتاج إلى وعينا، يحتاج إلى انفتاحنا، يحتاج إلى سعة صدورنا، يحتاج إلى نـَفـَسنا الطويل، يحتاج إلى بنائنا وتعبنا وسهرنا، يحتاج إلى ثقتنا بالمستقبل، وثقتنا بعون الله، والعراق يحتاج أيضا إلى اختلافاتنا، نعم بالذات إلى اختلافاتنا، لأن الاختلاف ليس نقمة دائما، بل رُبّ اختلاف يكون رحمة لأمة ما، عندما تتعلم هذه الأمة كيف توظف اختلافاتها باتجاه الرحمة والخير والسلام، ليكون الاختلاف سببا للإثراء الفكري والإغناء الثقافي والمران التعاملي، ولنعرف قيمة الصواب من خلال التعرف على الخطـأ، وقيمة الاعتدال من خلال التعرف على التطرف، ولأن الاختلاف حجة على كل طرف، ليراجع ما عنده على ضوء ما عند الآخر، فيكون الاختلاف رحمة لأنه يمثل عامل مراجعة وتصحيح، والاختلاف رحمة لأنه يجبرنا على أن نتدرب، نتمرن، نتعلم كيف نختلف كما يختلف العقلاء، كما يختلف المتأنسنون، كما يختلف المتحضرون، كما يختلف أفراد الأسرة الواحدة المتحابون.

 

إذن لنصبر على الأقلام الطائرة خارج السرب الوطني العراقي، والعازفة معزوفات النشاز، ولترأف تلك الأقلام قليلا بالحس المرهف للعراقيين، فإنهم وطنيون يا أعزائي، ليسوا عملاء وخونة، إنهم حريصون على الوطن، ليسوا بائعين له بثمن بخس، إنهم واعون ليسوا مغفلين.

 

أقول قولي هذا وأسأل الله أن يعطينا جميعا شحنة من وعي، شحنة من صفاء إنساني، شحنة من سمو في الأخلاق، شحنة من حب عاقل للوطن. وليعذرني من يرى حدة وتصعيدا في التعبير عن – لا أقول غضبي – بل غضب الكثير من أحبتي.

 

2003

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::