ثنائية جديدة في الطيف العراقي اسمها حزب المعتدلين وحزب المتشددين

 

ضياء الشكرجي

 

في واقع التنوع الاجتماعي العراقي، السياسي منه والفكري والاعتقادي، توجد مجموعة ثنائيات، في كل ثنائية نجد قطبين متقابلين بوجه من أوجه المقابلة. والتقابل كما هو معلوم قد يتخذ طابع التناقض والعداء، وقد يتخذ طابع التخالف دون درجة العداء، ويتعاطى بالتالي مع بعضه البعض ضمن آليات وصيغ التحاور أو التنافس. أو قد يتخذ التقابل طابعا تكامليا، كما يتكامل الضدان اللونيان ليشكلا تشكيلة لونية جديدة، تملك من جمال جديد، ما لم يكن متوفرا، أو ما لم يكن متوفرا على هذه الشاكلة الجديدة في كل من اللونين المتضادين، قبل أن يحصل التقابل والتكامل فيما بينهما.

 

وأذكر هنا بعض الثنائيات الموجودة في الساحة العراقية، لأتناول من بعد ذلك الثنائية المطروحة في عنوان المقالة. ولكن قبل سرد ثنائيات الساحة العراقية أحب أن أنبه إلى الحقائق التالية:

1.    لا يجب أن تكون الثنائيات التي سأذكرها كبيرة ومؤثرة في كل الأحوال، فبعضها كذلك وبعضها دون ذلك.

2.    كما لا يجب أن تكون كل ثنائية متكافئة الكفتين، من حيث تساوي حجم ومدى تأثير كل من قطبي الثنائية.

3.    ولا يجب أن يكون ذكر الثنائية بقصد حصر الحالات ذات العلاقة بالقطبين، بل يمكن وجود أطياف بينهما، أو أقطاب أخرى كما هو الحال مع ثنائية القوميات العراقية، بذكر العرب والأكراد، فنعلم ان هناك غيرهما من القوميات.

 

بعد هذا التوضيح نذكر من الثنائيات العراقية:

 

1.    الإسلاميون – العلمانيون

2.    المؤمنون بالله – الماديون

3.    لمؤمنون بالإسلام – المنكرون للإسلام

4.    الشيعة – السنة

5.    المسلمون – المسيحيون وأتباع الديانات الأخرى

6.    اليساريون – الليبراليون

7.    الديمقراطيون – الشموليون

8.    العرب – الأكراد

 

وجميل عندما يرى العراقي استعداده النفسي والفكري في أن يتعايش مع الآخر في طرف الثنائية التي يقف هو في طرفها الثاني، على أساس فكرة (الوحدة المتنوعة) أو (التنوع المتحد).

 

لكني أستطيع أن أدعي أن هناك ثنائية جديدة، هي اليوم الأكثر بروزا في الساحة السياسية العراقية من غيرها، والأكثر تأثيرا على واقع الساحة، بل الأكثر قابلية على تحديد ملامح المستقبل ووجهة مسار القضية الوطنية، إيجابا أو سلبا. هذه الثنائية سميتها بثنائية (الاعتدال والتشدد)، أو ثنائية (المعتدلون والمتشددونâ). وحاولت أن أكون دقيقا وموضوعيا ومحايدا في اختيار التسميتين، لأني لو استعملت (التطرف) الذي يُستعمَـل عادة للتقابل مع (الاعتدال)، لكنت متحيزا، إذ وسمت طرف الثنائية الذي أراني منتميا إليه بصفة إيجابية هي (الاعتدال)، بينما وسمت الطرف الذي لا أجدني أنسجم معه بصفة سلبية هي (التطرف). أما (التشدد) فلا يجب أن تكون صفة سلبية بالضرورة. نعم قد يفضل أصحاب طرف الثنائية هذا مصطلح (المبدئية)، ولكن هذا يكون مصادرة لمبدئية ووطنية طرف الثنائية الآخر، فيمكن أن يعترضوا بأن على استخدام (الاعتدال) صفة لطرف التقابل الآخر، لأنه يمثل مصادرة لاعتدالهم، فأقول لعلكم محقون، لأني قلت بأني حاولت أن أكون دقيقا وموضوعيا ومحايدا على نحو الطموح وبالتالي التحقق النسبي، ولم أدع أني كنت على نحو التحقق الفعلي دقيقا وموضوعيا ومحايدا، ومحاولتي هذه لم تنحصر في استخدام مصطلح (التشدد) بدلا من (التطرف) بل كذلك في استخدام مصطلح (الاعتدال) بدلا من (العقلانية)، لعدم رغبتي وسم الطرف الآخر ولو ضمنا بـ (اللاعقلانية).

 

المهم هو ما أريد طرحه من هذه الثنائية، وملامحها، وأين تكون الحدود المقبولة عند كل طرف، وأين يكون التجاوز الحاد للاعتدال، والتحول إلى التطرف إفراطا أي تحجرا وعنفا، أو التطرف تفريطا أي تخاذلا وتميعا.

 

وابتداءً تتحدد ملامح كل من طرفي الثنائية فيما سأتناوله حسب موقفها من المفردات التالية:

1.    واقع الاحتلال والموقف من أمريكا.

2.    الاستقلال.

3.    مجلس الحكم الانتقالي.

4.    الديمقراطية.

 

فهناك مفردات أخرى، يتخذ كل من الاعتدال – وأقول هنا استثناءً – والتطرف موقفا منها، وكلها تتعلق بقطبي الإسلام والطرف المقابل حسب طبيعة التناول، فتكون الثنائية في كل مرة بين طرفين كما أدناه:

-       الإسلاميون – العلمانيون

-       المسلمون – غير المؤمنين بالإسلام والناقدون له

-       المؤمنون – الملحدون أو الماديون

والتمييز واضح، لأن من العلمانيين من هم مسلمون، ومن غير المؤمنين بالإسلام والناقدين له من هم مؤمنون بالله وبالتالي ليسوا بماديين.

 

هذه الثنائيات مقترنة بثنائية الاعتدال والتطرف يراد لها أن تتناول ربما في حلقات تالية لتناول حلقات ثنائية (الاعتدال والتشدد) من القضايا السياسية الآنية المذكورة.

 

في الحلقة القادمة أتناول إن شاء الله قطبي الثنائية (الاعتدال) و(التشدد) وموقف كل منهما من المفردات السياسية العراقية الأربع. 

 

بعد ما تقدم نتناول الآن قطبي الثنائية (الاعتدال) و(التشدد) وموقف كل منهما بدرجاته المتفاوتة داخليا تفاوتا نسبيا من المفردات الأربع (1) الاحتلال، 2) الاستقلال، 3) مجلس الحكم، 4) الديمقراطية). 

 

المعتدلون:

1.    يتفاوتون نسبيا في التعاطي مع واقع الاحتلال، فأشدهم انسجاما مع واقع الاحتلال يراه في هذه المرحلة يمثل ضرورة وطنية قصوى لا يستغنى عنها، وذلك لحين استكمال تشكيل قوى الجيش والشرطة والأمن العراقية، واستكمال أشواط المرحلة الانتقالية وتوفير شروط الانتقال إلى المرحلة الدستورية البرلمانية، ليكون توقيت مغادرة قوات الاحتلال توقيتا دقيقا، يضمن عدم تعرض المشروع الوطني العراقي وهدفه الاستراتيجي في التحول الديمقراطي للتصدع والسقوط، إضافة إلى ما يرى هؤلاء من فضل للأمريكان بتخليص الشعب العراقي من طاغية من أعتى طغاة التاريخ وأشدهم دموية، غير غافلين عن حقيقة مسؤولية الأمريكان أنفسهم في صناعة هذا الطاغية، إلا إنهم يرون في السياسة الأمريكية الحالية وموقفها من الملف العراقي ما يؤشر إلى رغبة أمريكا أن تفتح صفحة جديدة من تاريخ التعامل والعلاقة مع الشعب العراقي، من خلال تعويض الشعب عن كل ما أصابه من حيف ومن مآسي مروعة، مما تسببت فيه أمريكا نفسها، بإحلال الديمقراطية، حلم العراقيين وحلم كل الشعوب، ولعل هؤلاء لا يعتبرون التواجد الأمريكي احتلالا، وإن هو كذلك من حيث مصطلح القانون الدولي. وأضعف هؤلاء انسجاما مع واقع الاحتلال، من يرفض الاحتلال، حتى لو كان لمرحلة، وإن كان هؤلاء لا ينأون عن الواقعية في إقرارهم إلى حد ما بضرورة بقاء قوات الاحتلال لفترة، على ألا تطول كثيرا، بل أن يصار بأسرع وقت إلى جلاء القوات، وتسليم زمام الأمور إلى الشعب العراقي، وهؤلاء قد لا ينظرون بنفس الإيجابية إلى دور أمريكا، ولا يمنحونها نفس الدرجة من الثقة، بل يتعاملون معها بتحفظ، إلا أنهم يفكرون أن التعامل معها يمثل واقعا لا بد أن نقبل به ونتعاطى معه، للخروج منه بأفضل النتائج للشعب العراقي.

2.    والمعتدلون يطمحون في كل الأحوال للاستقلال، ولكنهم يرون أن الاستقلال متحقق في كل الأحوال، والتفاوت يكون في كون منهم من يثق بالأمريكان ثقة عالية، ويرون أنفسهم منسجمين مع الجدول الزمني الذي يحدده الأمريكان، بل قد يرون الحاجة لبقائهم لمدة أطول قليلا مما يصرحون به، ولا حاجة لرفع الأصوات بشعارات المطالبة بالاستقلال، ما زال هو مقبل لا ريب، وإذا كانوا يتحدثون أحيانا بذلك، فلعله لدفع شبهة أنهم أصلا لا يريدون الاستقلال لبلدهم، بل يرون الخير كل الخير في البقاء تحت الاحتلال الأمريكي. والمعتدلون أو قسم منهم قد لا ينظرون أصلا إلى الوجود الأمريكي على أنه يمثل حالة احتلال، بقدر ما يمثل مساعدة الأمريكان للشعب العراقي للانتقال إلى المرحلة الدستورية. أما الذين هم أقل انسجاما مع الأمريكان من تيار الاعتدال، فهم الذين لا يمنحون الأمريكان ثقة مطلقة، ويرون أن لا بد من المطالبة بالاستقلال والسيادة الوطنية، ولا بد من انتزاعها، لا الانتظار حتى تمنح لنا، ولكنهم مع ذلك يفضلون أساليب الحوار وممارسة الضغط السياسي على اللجوء إلى المواجهات الحادة حتى لو كانت مواجهات سلمية.

3.    وبالنسبة لمجلس الحكم الانتقالي، يتفاوت المعتدلون ما بين الانسجام الكلي مع أطروحة المجلس، والدعم المنقطع النظير والتعويل عليه كأفضل بديل للمرحلة الانتقالية، إلى من يتخذ موقف المعارض والناقد والمتحفظ من مجلس الحكم، دون أن يقف منه موقف العداء والتخوين، بل يعارضونه بمستوى تسجيل الملاحظات على تركيبته، أو طريقة اختياره، أو مدى الصلاحيات والاستقلالية التي يملكها، أو مدى ما حققه من إنجازات للشعب العراقي حتى الآن.

4.    وبالنسبة للديمقراطية فهو بالنسبة لتيار الاعتدال يمثل الخيار الوحيد، والطموح الذي لا يجوز القبول بأقل منه. ولكن قد يتفاوتون بين من يتعاطى مع الديمقراطية من موقع الصدق والقناعة العميقة، وهو غير مستعد أبدا وفي أي حال من الأحوال للتفريط بالديمقراطية، حتى لو أوتي له أن ينفرد هو بالحكم من خلال الولاء العريض من قبل الشارع العراقي له. ومنهم من لم تتجذر القناعة عنده بالديمقراطية بنفس الدرجة، أو لم ينطلق في التعاطي معها من موقع الصدق التام، ولكن من موقع النظرة الواقعية التي تقول صحيح أن للديمقراطية سيئاتها، ولكنها الأقل سوءً من غيرها من الصيغ، أو من خلال النظرة الواقعية بأنها تمثل البديل الممكن الأفضل.

 

المتشددون:

1.    يرفضون الاحتلال رفضا قاطعا وحادا ولا يرون التواجد العسكري الأمريكي البريطاني إلا احتلالا واستعمارا وعدوانا، وهم بالتالي يتخذون موقف العداء للتواجد الأمريكي، ويرون وجوب النضال من أجل طرد المحتلين واسترجاع السيادة الوطنية. لكنهم يتفاوتون في الأساليب، فمنهم من سلك طريق المقاومة المسلحة ضد الأمريكان بل وضد العراقيين الذين يتعاونون مع الأمريكان، أو الذين يتعاطون معهم على أي نحو كان. ولكن هناك من لا يتبنى المقاومة المسلحة بل يرجح ما يسميه بالمقاومة السلمية التي تعمل على تعبئة الجماهير في اعتراضات شعبية واسعة وصارخة، ذات خطاب عدائي حاد ضد المحتل والمستعمر والمعتدي الأمريكي.

2.    وهم بالتالي يرون الاستقلال التام الكامل المطلق غير المنقوص والعاجل الفوري غير المؤجل هو المطلب الوحيد المقبول وطنيا.

3.    وبالنسبة لمجلس الحكم فإن هؤلاء يتخذون موقفا يتفاوت ما بين المعارضة الحادة الشديدة، حتى تبلغ موقف العداء من خلال استخدام لغة تسقيطية تجاه مجلس الحكم، ويمارسون تخوين كافة أعضائه واعتبارهم جميعا عملاء لأمريكا وللـ CIA، وينبغي معاداتهم بنفس مستوى معاداة أمريكا، بالإقصاء التام لهم من الساحة السياسية المقبلة، بل وقد يصل ذلك إلى حد تبني التصفية الجسدية لهم، أو على أقل تقدير التعاطف مع التصفيات التي يقوم غيرهم بها والتشفي بكل من يصفى منهم.

4.    وعن الديمقراطية فمنهم من لا يؤمن بالديمقراطية أصلا، ويريد ان يحولها إلى ديكتاتورية جديدة، ومنهم من يؤمن بالديمقراطية، ولكنه يجعلها مشروطة بإقصاء الخونة والعملاء على قاعدة (لا حرية لأعداء الشعب)، وبالتالي استثناء كل القوى السياسية التي شاركت في مجلس الحكم من العملية الديمقراطية.

 

في هذه الثنائية نكاد نجد كل الثنائيات متواجدة على جبهة الاعتدال، وكذلك على جبهة التشدد. فإننا نجد في صف المعتدلين من الإسلاميين والعلمانيين، من السنة والشيعة، من اليساريين والليبراليين، كما نجد كل الثنائيات الأخرى بطرفي كل منها على جبهة التشدد التي قد تبلغ حد التطرف، من الإسلاميين والعلمانيين، ومن اليساريين واليمينيين القوميين، ومن السنة والشيعة.

 

فهذه ثنائية جديدة تضاف إلى ثنائيات التنوع والتعددية في العراق، وإذا كانت الثنائيات الأخرى قابلة كلها للتعايش مع بعضها البعض بحكم اعتدالها، وبالتالي قدرتها على قبول الآخر، نجد التطرف الذي قد يكون إفرازا للتشدد، لا يرضى التعايش حتى مع بعضه البعض، فكيف إذن مع التعايش مع تيار الاعتدال الذي يراه خائنا عميلا متأمركا. فهذه إشكالية وطنية جديدة، يجب دراسة الخروج منها بأفضل النتائج الممكنة وبأقل الأضرار الممكنة للشعب العراقي ولحاضره ومستقبله. ربما وبحول الله تعالى أحاول في المستقبل طرح بعض الحلول لهذه الإشكالية، إذا لم يتناولها غيري من الأساتذة الأفاضل، كما يمكن أن اتناول – إذا شاء الله ووفقني لذلك – ثنائية الإسلام وما يقابله مع تعدد التسميات حسب زاوية التناول، سياسية كانت أم فكرية فلسفية، أم اعتقادية.

2003

------------------------------------------------

*  جعلت مرفوعة باعتبارها عنوانا فيكون العنوان كله المتكون من المعطوف عليه وأداة العطف والمعطوف في محل جر مضاف إليه.

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::