التطرف ولادة لصدمة توهم اكتشاف الذات
ضياء الشكرجي
ملاحظة أولى للقراء الأعزاء:
مجموعة مشاغل بأمور تتعلق أيضا بالشأن الوطني لعراقنا الحبيب اضطرتني أن أنقطع لفترة عن الحضور على صفحة «كتابات». وها أنا أحاول أن أحضر حضورا محدودا بحلقة أولى – وإن كانت قصيرة نسبيا – لموضوع سأتناوله في الحلقات المقبلة بشيء من الدراسة والتحليل. الموضوع هو التطرف، وما يترتب عليه من عنف أو اختزان التحول إلى عنف، ولا سيما عندما تقترن الظاهرة بالإسلام وفي الوسط الإسلامي أو المتأسلم؛ أسباب نشوئه، ومسار تطوره، واحتمالات تعقلن مساحة منه، واضمحلال مساحة أخرى حتى التلاشي، وتفجر مساحة ثالثة بما لا تحمد عقباه لا قدر الله. أسأله تعالى أن يوفقني لمواصلة الموضوع معكم، أو مع من له اهتمام بمتابعته معي منكم. وأعتذر وأرجو الصبر معي إن كانت حلقاتي ستكون قصيرة نسبيا أو متباعدة زمنيا نوعا ما.
أين يقع يا ترى الحد الفاصل بين العنف المشروع والعنف غير المشروع، بين المبدئية والتعصب، بين الثورية والإرهاب؟ وهل التطرف والتعصب ومن ثم العنف من الإفرازات البديهية والطبيعية للدين والتدين والملازمة لهما؟ لماذا اقترنت الدماء والعنف والإرهاب في كثير من الأحيان بالدين؟ وهل الإسلام بالذات يحمل في مكامنه بذور التعصب والتطرف والانغلاق والعنف؟ أم هو فهم المسلمين أو الكثير من المسلمين لإسلام هو غير الإسلام الذي جاء به محمد (ص)؟ هل هناك يا ترى إسلامان؛ إسلام السلام والانفتاح والعقلانية والمرونة والاعتدال والمحبة، وإسلام الحرب والانغلاق واللاعقلانية والصلابة المتحجرة والتطرف والبغضاء والظغينة؟ هل جُعلت النصوص في القرآن بطريقة يمكن استـنباط نوعين من الإسلام؛ إسلام الرحمة والرفق والرأفة، وإسلام العنف والقسوة؟ وهل يمكن اعتبار التطرف والتعصب، وبالتالي العنف في بعض الأحيان ولادة طبيعية لصدمةِ أو قل لفجأة اكتشاف الذات أو توهم اكتشاف الذات أي الهوية المضيعة أو المغفول عنها لحقبات من الزمن مجددا، والمقترنة – أقصد صدمة الاكتشاف - بتصاعد لهيب الحمى العاطفية لهذا الاكتشاف، أو قل توهم تجدد الاكتشاف وصدمته؟ هذه الأسئلة ما سأحاول الإجابة عليها بتسديد الله عز وجل من زاوية فهمي، والخروج بتحليل للظاهرة وتطورها وآفاقها المستقبلية.
بعد أن قدمت مقدمة قصيرة في الحلقة الأولى المنشوررة في 18/10 أحاول أن أواصل بحلقة ثانية – هي الأخرى قصيرة بسبب ضغط الوقت ووجود اولويات -.
عندما تتكون الأمة وتعيش صيرورتها بتبني فلسفة جديدة تمثل الرؤية الكونية للحياة بالنسبة لها، تعيش غالبا أوج عنفوانها، من خلال ما يمثـل ذلك التبني وتلك الصيرورة من صدمة اكتشاف من نوع آخر، هي صدمة اكتشاف الحق، أو قل اكتشاف الفلسفة الجديدة للحياة، التي تـقـترن بتغيـير جذري لواقعها، على مستوى الفكر – فيما هو الفكر الأساسي (العقائد) وفيما هو الفكر التفصيلي (الثقافة – المفاهيم)، وعلى مستوى العاطفة - فيما هي العلاقة بالله (التوحيد في بعده العاطفي والتقوى)، وفيما هي العلاقة بالإنسان (الأخلاق – الإنسانية)، وعلى مستوى السلوك - الفردي منه والاجتماعي، العبادي والحياتي -. هذه العاطفة، عاطفة صدمة الاكتشاف، تكون دائما إيجابية ومثمرة، ما دامت محافظة على توازنها واعتدالها، ومنضبطة بضوابط (العقل والعقلانية، الالتزام القانوني والشرعي، التـقوى)، ولكنها تـتحول إلى لهيب يحرق كل ما حوله إذا تصاعدت سخونتها من غير ضابط، وفقدت عقلانيتها وأخلاقيتها وتقوائيتها. ولكن إذا كان المؤسس نبيا مرتبطا بوحي وقيم السماء، أو كان صادقا وحكيما، سيكون هو الذي يمثل صمام الأمان لاحتمالات الانفلات اللامنضبط للتصاعد الحرارة الاكتشافية أو الإيمانية كما سماها الشهيد الصدر (رض).
الحرارة هذه غالبا ما تـفتر بعد غياب المؤسس، ومع عدم تجذر العقيدة في الوجدان والعقل، تبدأ الأمة تفقد ملامح شخصيتها، فتغيب هويتها تدريجيا ذاتيا ومن الداخل، وإذا كانت هناك عوامل خارجية، يعمل هذا الخصم الحضاري من الخارج وبالتغلغل غير المشهود إلى داخل جسد الأمة على تغييب هذه الهوية من الخارج، بخلط الألوان والمفاهيم والقيم والأعراف والتقاليد والشرائع، بحيث يضيع التمييز بين الغث والسمين، بين النافع والضار، بين الأصيل والمستحدث الدخيل، بين المستحدث الذي يمثل عاملا إيجابي للإثراء والمستحدث الذي يمثل عامل تغيـيب وتضيـيع أو تميـيع للهوية.
ثم يأتي مصلح فرد أو حركة إصلاحية في المجتمع، فتـنتبه الأمة إلى هويتها الغائبة أو المغيَّـبة، فتصاب من جديد بصاعق عاطفي هو صاعق اكتشاف الذات أو الهوية، وأحيانا يمثل ذلك الصاعق مجرد صاعق توهم اكتشاف الذات لا الاكتشاف الحقيقي. وهذا يتوقف على مدى أصالة وعمق المصلح أو الحركة الإصلاحية، وما إذا كان المصلح يضخ في جسد وروح الأمة شحنات عاطفية فقط، أم انه يمزج العاطفة والحماس بالوعي والعقلانية والموضوعية والاعتدال والموضوعية.
بعض المصلحين لا يمنحون الأمة في نهضتها الجديدة أو العودة إلى اكتشاف ذاتها إلا الشحنات العاطفية، أما لأنهم أنفسهم لا يملكون عمقا ووعيا يعطونهما للأمة، من خلال أن فاقد الشيء لا يعطيه، وأما لأنهم يرحلـِّون التوعية والتعميق والتجذير إلى فترة لاحقة، لأنهم يرون أن المطلوب آنيا تثوير الأمة أو صعقها بصقعات عاطفية تعيدها إلى الصحوة المقترنة بالعنفوان، بعدما عاشت السبات وخمول الإرادة أو موتها، ثم من المحتمل أنهم – أي القادة المصلحون أو الثوريون - يودّعون ساحة الحياة قبل أن ينتقـلوا إلى مرحلة عقلنة الصحوة وتحويلها من مجرد صحوة عاطفية إلى وعي عقلاني، أو أن الصراعات الحادة والإحساس بالخطر الخارجي – ليس بالضرورة من خارج الحدود بل من خارج الدائرة الحضارية الخاصة أو الدائرة الانتمائية - تضطرهم أن يواصلوا نهج التـثوير العاطفي من أجل مد الأمة بالحماس المطلوب في فترات الصراع، أو أنهم يتحولون – أي المصلحون - من خلال ضعف النفس الإنسانية من مبدئيـين مضحيـن مُؤْثِرين على أنفسهم إلى هواة بل وعشاق للسطة، وعشاق بل وعبدة للذات (هنا ذات الشخص القائد لا ذات الأمة)، فيرون أن إبقاء العاطفة الجماهيرية ملتهبة هو الذي يخدم طموح الذات أكثر، مما لو شرعوا بعقلنة الصحوة العاطفية وتحويلها إلى وعي فكري.
وهكذا تتأصل حالة سخونة والتهابات وتـفجرات العواطف فتـتحول إلى غلو وتطرف وتعصب تـترجم في الواقع إلى أساليب من العنف، ابتداءً عنف الشعار، وعنف الطرح، وعنف الكلمة، الذي يختـزن في داخله طاقة تفجير عنف الفعل ودمويته، فتــُـلوَّن الساحة بالدماء، ويبدأ هؤلاء يعشقون منظر الدماء، لما يُضْـفون على هذا اللون من قداسة، غافلين عن أن لفظة القداسة والقدسية والمقدس مقترنة لغة ومضمونا بالسلام والسلامة والأمن والوداعة والرحمة والحب، إلا إذا ما كان هناك فعل عنفي ممن يريد أن يشطب من ساحة الحياة الإنسانية معاني السلام والمحبة والرحمة، فلا خيار عندها إلا مواجهة العنف الفاعل العدواني الظالم بالعنف المنفعل الدفاعي العادل، وهذا استـثـناء ولا يمثـل القاعدة كما هو عند الملتهبيـن حماسا، المغالين ولاءً، المدِّعين احتكارا للحق، الإقصائيين للآخر، المُبغضين للمغايـِر، المتعقديـن من المخالف، الحاقديـن على المعارض.
21/10/2003 هامبورغ
عملية اكتـشاف الذات، أو انبعاث وعي العودة إلى الذات وتأكيد الهوية التي غابت أو غـُيِّبت يحصل أحيانا عند شريحة محدودة في المجتمع، يمكن ان تـنعت بالنخبة، وحيث أن هذه الشريحة أو النخبة تمثـل حالة استـثـنائية في المجتمع، بسبب ألفة المجتمع للموروث، المقترن بمعرفة ضبابية للهوية، أو بالهوية المتميعة، أو المُغـَيَّـبة، أو الحاضرة حضورا فاترا ومحدود الميادين، وليس بذي فاعلية وتأثير، فتعيش النخبة عندها الإحساس بالغربة، وهو إحساس يمكن أن يكون مؤذيا جدا من الناحية النفسية. ولهذا الإحساس بالغربة مردودان؛ فإذا كانت النخبة قد تجذرت في وعيها وسلوكها عناصر الحكمة، وتمتـَّـنت في نفسيتها خواصّ الصبر، تراها تـتخذ قرار التعايش مع الخطأ المألوف من قبل المجتمع، وإن كانت منفصلة عنه نفسيا وفكريا، لأنها تدرك أن الاصطدام بالواقع، والتصادم الحاد بالخطأ المألوف الموروث، يعني بالضرورة اصطداما بالجماهير، وتعني بالتالي عزلة النخبة عن المجتمع، ومن ثم تعطيل مشروعها التغييري لانقطاع خيوط التواصل مع المادة الخام المتوجه إليها العمل التغييري، فتـقرر التعايش مع الخطأ من أجل أن تبقي لنفسها فرص التواصل مع المجتمع، وبالتالي لكي تستطيع أن تسرّب شحنات من الصواب بشكل تدريجي، ووفقا لمبدأ المرحلية في عملية التغيير والإصلاح. ولكن إذا كان الوعي الاجتماعي وعناصر الحكمة لم تتجذر في وعي النخبة، تجدها تختار إما الاصطدام غير الواعي والمتعجل مع الواقع، وبالتالي استعداء المجتمع لها، وإما أن تعيش عقدة عدم فهم الواقع لها، مما يجعلها تتأزم نفسيا وتختار العزلة ابتداءً، مكتفية برفضها للواقع في دائرة السلوك الشخصي وعلى مستوى اللاإرتياح النفسي، فيتعمق إحساسها باليأس والقـنوط والإحباط في عدم قدرتها على تغيير هذا الواقع.
وكما ذكر من قبل فإن الشريحة الواعية ذات العمق تختار التعايش مع الواقع دون الاستسلام لسلبياته، بل التدرج في إصلاحه وتغييره، من أجل إحداث وعي تدريجي ينمو بهدوء على ضرورة عودة المجتمع إلى الذات بعد اكتشافه لها من جديد، ومن غير صخب ولا صدمات موجعة تفجر الواقع وتـُلهبه. ومن الطبيعي أن مثل هذه العملية التغيـيرية على أساس النـَفـَس الطويل والتدرج والعمل المرحلي، سيجعل نمو الظاهرة بطيئا نسبيا، ولكنه إذا ما أوتيت له فرصة المواصلة، سيعطي من غير شك أكله بعد حين. ولكن يحصل أن يأتي مصلح يريد حرق المراحل، فيثوّر الجماهير بصدمات موجعة وصرخات صاخبة، فتعيش الجماهير الموالية للحالة الجديدة صدمة الاكتشاف أو كما بيّـنا صدمة توهّم الاكتشاف للهوية، فتـتوهّم هذه الجماهير أيضا أنها منفردة زمانها في هذا الاكتشاف، فتعتبر المجتمع كله، بما فيهم أولئك المغيرين الواعين الذين اختاروا الطريق الأطول والأضمن نتائج، مجتمعا جاهلا لهويته، مخدوعا بمؤامرات خصوم الأمة الفكريـين، أو تعتبر في أحسن الأحوال عقلاء ومعتدلي المغيرين مجرد مصلحين تقليديين محافظين، لايعيشون ثورية التغيير الجذري والعاجل كما هو مطلوب وكما يعيشه المكتشفون الجدد الصاخبون. وهكذا تـنمو لديهم فكرة احتكار الحق ورفض الجميع إلا من التحق بركبهم الصاخب.
ومن الممكن في بعض الحالات أن يكون أولئك المغيرين المعتدلين العقلانيين قد عاشوا مرحلة عنفوان عاطفة صدمة الاكتشاف من قبل، وتسربت إليهم بعض ملامح التطرف في مرحلة سابقة، ولكنهم وبعد انخفاض حمى صدمة توهم الاكتشاف للذات، والانتقال إلى مرحلة اكتشاف الاكتشاف، فوعوا أهمية التغيـير المتوخي الاعتدال والعقلانية والتعايش مع الآخر بل القبول به لا بل احترامه، من خلال أنهم بدؤوا يعقلنون العاطفة، ويُخفضون من سخونتها المتصاعدة، ويطفئون من نيرانها الملتهبة من قبل بشحنات من برودة العقل، فيكونون قد بدؤوا مرحلة جديدة من الثورة التغيـيرية، هي ثورة من الداخل على الذات، لتصحيح ما تسرّب إليهم من خطأ – هو في الواقع غريب على مدرستهم - في الأساليب من خلال استعجال قطف الثمار، وحرق المراحل، والغفلة عن واقع أنهم ليسوا وحدهم في الساحة، وعن حقييقة كون الصواب والخطأ نسبيـين، وليسا مطلقين، مما يعطيهم قدرة نفسية أكبر على التعايش مع الواقع بتـفهم وحب، وليس من خلال التعقـّد والتأزّم تجاه الواقع. عندها يتوهّم المكتشفون الجدد أو متوهموا الاكتشاف الجدد الذين يعيشون صخب التغيـير القسري اللاحكيم أن تعقـلـُن الجماعة المعتدلة هو لون من ألوان التميّع، وفقدان ملامح الذات، التي يتوهمون أنهم وحدهم اكتشفوها، فبدلا من أن يُصغوا إليهم، باعتبارهم أصحاب تجربة أسبق وأطول، وباعتبارهم قد مروا بكل مراحل طفولة وصبا ومراهقة ومطلع شباب الصحوة أو اكتشاف الذات، حتى وصلوا إلى مرحلة ترشـّد الوعي وتكامله، ترى المكتشفين الجدد المتطرفين، يعتبرون أنفسهم هم في موضع الأستاذية مقابل أولئك، ولأن أولئك الذين تجاوزا مرحلة صخب مراهقة الصحوة وانفجارات عاطفة صدمة الاكتشاف، لايمكن أن يرجعوا خطوات إلى الوراء ليسمعوا ممن اكتشف هويته حديثا وعلى غير بصيرة ويستجيـبوا لصخبهم. فتتولـّد من هذا الواقع مجموعة إشكاليات، منها:
1. عدم إمكانهم احتواء الثوريـين الجدد.
2. عدم إمكان التنسيـق معهم.
3. عدم الرغبة وعدم المصلحة في الاصطدام معهم.
4. عدم إمكان عدم الاكتراث بهم لشدة وطأة فعلهم الصاخب في الواقع.
5. عدم المصلحة في أن يُحسبوا عليهم بسبب سكوتهم من جهة، ومن جهة أخرى باعتبار وحدة الهوية بين ما هو راسخ في وعي هؤلاء العقلائيـين أو المتعقلنين، وبين ما هو متوهَّم اكتشافه من أولئك، ولعدم قدرة المجتمع التميـيز بين ما تـتـشابه مظاهره في بعض الأوجه.
6. عدم مصلحة الإفصاح بشكل واضح عن حقيقة الموقف من الصاخبين.
ولكن مع هذا يمكن أن نقول أن مسيرة عقلنة الوعي واكتشاف الذات لا بد أن تعطي أكلها، ولا بد أن تكون هي التي تمكث في الأرض ولا يذهب عطاؤها جفاء، أما مسيرة الصخب والتطرف، فسيتوزع أفرادها بع حين إلى فريقين؛ فريق يلتحق بمسيرة التعقلن، وفريق يصرّ على التصعيد، صارخين بأوداج منتفخة وعيون محمرة وأسارير متشنجة "إن الحكم إلا لله"، ويواصل (أي هذا الفريق) التصعيد والتسخين حتى يُلفـَظ من المجتمع تدريجيا.
وإن شاء الله سأتـناول في الحلقة القادمة، بعض أسباب ظهور مظاهر صدمة توهم اكتشاف الذات عند الإسلاميين قبل استكمال أشواط التعقلن أو عقلنة عاطفة الصحوة وتبريد ليهب صدمة الاكتشاف.
22/10/2003
بعد غياب طويل نسبيا عن «كتابات» وتوقف أطول عن مواصلة حلقات «التطرف كولادة لصدمة توهم اكتـشاف الذات»، أحاول اليوم أن أعود إلى مواصلة البحث في هذا الموضوع، آملا أن لا تكون خيوط الأفكار قد تـقطعت بسبب طول الانقطاع.
وكعنوان لحلقاتي هذه كنت قد اخترت في البداية «التطرف ولادة لصدمة اكتـشاف الذات»، ثم سرعان ما وجدت أن اكتـشاف الذات أو الهوية هذا ليس اكتـشافا واقعيا في كل الأحوال، بل هو توهم اكتـشاف في كثير من الأحيان، فاخترت أن يكون العنوان «التطرف ولادة لصدمة اكتـشاف أو توهم اكتـشاف الذات». فهذا في الواقع هو العنوان الذي ينبغي أن يكون للموضوع، لأنه يشمل التطرف الذي يكون نتيجة لتوهم اكتـشاف الذات، أي اكتـشاف ما يتوهم المكتـشفون أنه يمثل الهوية الغائبة أو المغيبة، تغيـيـبا ذاتيا من الداخل بحكم غياب الوعي، أو تغـيـيبا غيريا من الخارج بسبب مؤامرة تجريد الأمة من هويتها، كما يشمل التطرف الذي يأتي بسبب الصدمة العاطفية للاكتـشاف الحقيقي مجددا للهوية. ولكن اختصارا ومن أجل ألا يكون العنوان طويلا جدا، جعلته «التطرف ولادة لصدمة توهم اكتـشاف الذات»، ومن ثم أجريت تعديلا بإضافة "كـ" ليكون العنوان «التطرف كولادة لصدمة توهم اكتـشاف الذات»، فبعبارة «كولادة»، نرفع شبهة أن الصدمة العاطفية لفجأة الاكتـشاف المتجدد للهوية يمثل العامل الوحيد حصرا لولادات التطرف، بينما يعالج الموضوع هذه الظاهرة في ما يسمى بالعودة للذات واكتـشاف الهوية أو توهم ذلك كعامل مهم ولكن ليس كعامل وحيد لانبعاث ظاهرة التطرف.
من ملامح هذا النوع من التطرف بعوامله ودوافعه المذكورة هو الاستغراق في نظرية المؤامرة. فكما بـينت أن ظاهرة غياب أو تغيـيب الهوية يكون إما تغيـيـبا ذاتيا من الداخل بحكم غياب الوعي لدى الأمة، دون أن نبحث الآن في أسباب غياب الوعي أو انخفاض منسوبه، أو يكون تغيـيـبا غيريا من الخارج بسبب تآمر أعداء الأمة على هويتها، باعتبار أن الهوية تمثـل عامل خطر يواجه مصالح أعداء الأمة. وبدون أن ينكر أن للمؤامرة دورا لا يستهان به، ولكن مشكلة المتطرفين بحكم توهم اكتـشاف الذات، أنهم يعممون نظرية المؤامرة إلى ما لا حدود، ويستصحبونها إلى ما لا نهاية. يعممونها من حيث أنهم ينسبون كل الظواهر السلبـية إلى عامل المؤامرة، حتى ما يمثـل أمراضا وعوامل ضعف ذاتية، لا دخل لها للعوامل الآتية من خارج الأمة، ويستصحبون نظرية المؤامرة من حيث أنه حتى عندما تطرأ متغيرات على أسلوب عدو الأمس وخصم أو قل منافس أو محاور اليوم، فإنهم لا يستطيعون انتزاع أنفسهم من الاستغراق في نظرية المؤامرة، ولا يحاولون أن ينظروا للأحداث والمستجدات بنظرة جديدة، من خلال تغير الحيثيات، فالزمن متوقف عندهم عند نقطة المؤامرة التأريخية.
ثم أحب هنا أن أتحدث عن كل من الاعتدال والتطرف، من حيث كون كل منهما يمثـل تارة طبعا، حتى لو كان طبعا جديدا لاغيا لطبع سابق، وتارة أخرى يمثـل تطبعا. فمعرفة الفرق بين الحالتين أمر في غاية الأهمية.
نتـناول ابتداءً الاعتدال في هذا المجال؛ هذا يعني أن الاعتدال يمارس تارة عن صدق وقناعة وتبن، وأخرى يمارس من موقع الاضطرار وعلى سبيل التكتيك والمراوغة، مع بقاء هاجس تحيّن الفرص. في الوقت الذي تكون ظاهرة أن الواقع قد فرض على متطرف الطبع داخليا والمتطبع على الاعتدال خارجيا، ظاهرة فيها شيء من الإيجابية، إذ يدل على أن الاعتدال هو المطلوب، وأنه هو الذي انتصر آخر المطاف في المعركة التـنافسية بين قطبي الاعتدال والتطرف وفرض نفسه على الواقع، بحيث اضطر متطرفي الطبع داخليا أن يتطبعوا على الاعتدال خارجيا. وبعض هؤلاء ومن خلال التطبع يألف هذا التطبع تدريجيا مع الوقت وتبدأ نفسه تأنس بالاعتدال مع الزمن حتى يصبح في يوم من الأيام طبعا لها بعدما كان تطبعا، فيكون الواقع هنا قد روّض مثـل هؤلاء، مع وجوب القول أنهم ما كانوا ليتطبعوا على الاعتدال لولا وجود بذور ميل نفسي إليه، لم يكن في صخب التطرف مكتـشـَفا بعد، فاكتـشفته الممارسة والمران والتطبع. ولكن يـبقى فريق من المتطبعين يعيشون الازدواجية في دواخلهم، إذ تبقى نفوسهم تـتوق إلى التطرف، وتـتحين فرصه، لتـنقضّ على الاعتدال ومكاسبه الرائعة التي جنتها الأمة، بل جنته الأمم، وجناه مبدأ التعايش بينها. إذن المعتدلون قناعة ً وصدقا وطبعا وذاتا هم الذين يطمئن الواقع وتركن الحياة إليهم، وهم الذين يأنس السلام بهم ويأنسون به.
12/11/2003
وهناك طبعا نوع ثالث من الاعتدال الذي هو توهم اعتدال، لأنه إنما يعبر عن ميوعة الهوية وضعف المحتوى الداخلي والوقوع تحت طائلة الخنوع والاستسلام للواقع. فالنظرة الواقعية للمعتدلين في الظاهر، الخاضعين في العمق لحالة الخنوع والاستسلام للواقع والإحساس باستلاب الإرادة وانعدام الوزن واللون والرائحة والطعم، أي ما يمثل الليـبرالية المتميعة، تميز بين التوازن وبين انعدام الوزن. فهؤلاء يقفون في موقع التـقابل لقطبي التطرف إفراطا أو تفريطا مع أصحاب الإفراط الذين يمارسون التعسف في الواقع أو رفضه كليا بلا أدنى مرونة، فيستغرقون بثورية صاخبة غير عقلانية هوجاء، أو يمارسون في بعض الأحيان التكتيك وتقمص الاعتدال مع التحّين والتربص، فيما يمكن أن يسمى بالمكر السياسي، والذي لا يجيدونه في أغلب الأحيان. فيـبقى المعتدلون الصادقون هم الذين يحترمون الواقع ويتعايشون معه، حتى مع عدم الإيمان به أو بكثير من مفاصله، وهذا ما يمكن نعته بأسلوب الرفض بالطرق الحضارية أو ما يسمى بالمعارضة الديمقراطية، أو أحيانا وعند الضرورة قد يتخذ صورة الثورية العاقلة، وإنه لفرق - لا يشخصه إلا أصحاب الوعي اللوني - بين الثورية المجنونة والثورية العاقلة.
إذن هناك من يقسر نفسه على الاعتدال، وهناك من يقسر نفسه على التطرف. لكن قد يقال إننا نفهم أن الإنسان الذي يختـزن أحاسيس وقابليات التطرف يمكن أن يقسر نفسه على الاعتدال عندما يفرض الواقع عليه التطبع به، ولكن كيف يقسر الذي يختـزن طبع الاعتدال نفسه على التطرف؟ بعض الناس أو ربما بعض الجماعات قد يندفعون في موج العقل الجمعي نحو التطرف ظانين أنه يمثـل ثورية مطلوبة من الجميع بلا استـثـناء ولا يجوز بحال التخلف عنها؛ تـتطلبها المبدئية والرسالية، ويوجبها واقع الصراع والتحدي، فيتجاوزون حدود المطلوب وكما يتجاوزون حدود ذواتهم وطبعهم الاعتدالي. ولكن مع هذا يبقى المتطبع على التطرف الذي يقسر نفسه عليه في أزمة داخلية، حيث الصراع المحتدم في أعماقه المكتـشـَفة أو غير المكتـشـَفة أحيانا وفي بعض المقاطع، بسبب صخب الواقع الذي لا يسمح له أن يخلو بذاته، فيمارس نقيض الطبع الذاتي من تطرف ظانا أن هذا هو المطلوب رساليا ومبدئيا، حتى تهدأ العاصفة وتبرد حمى الصخب الثوري، أو يجد هذا المتطبع المقسر نفسه على التطرف فرصة تأمل وعودة إلى أعماق النفس، فيكتـشف التـناقض الداخلي، فيعود ليعيد إلى ميزان نفسه التوازن والاعتدال والانسجام الفطري. فينتبه في لحظة وعي عقلي إلى نفسه وإلى ما كان عليه فيقول مبهوتا "لكْ آني هايْ وينْ چـِـنِتْ رايــِح؟".
إذن هناك خطر أن حتى المعتدلون في أجواء تصاعد حمى الثورية المجنونة، يمكن أن تـتسرب إليهم رياح التطرف، ولكنهم يحاولون دائما أن يـبقوا مسافة بـينهم وبـين الانجرار الكلي نحو أقصى حافة الهاوية للتطرف، فيكونون – إذا صح التعبير - متطرفين معتدلين نسبيا في تطرفهم؛ فهم مثالا لذلك يتخذون موقـفا مغايرا بالنسبة لرفاق التطرف من الآخر، بحيث يرفضون أن يقمعوه، ولكن قد يـبررون لأنفسهم من خلال وقوعهم تحت وطأة أجواء الثورية الملتهبة أن يمارسوا التهميش لدور هذا الآخر، دون ممارسة القمع، غير ملتـفـتين أن التهميش هو الآخر لون من ألوان القمع ولو دون درجات القمع الفعلي بالمطاردة والإرعاب وربما التصفية.
إن اكتـشاف أو توهم اكتـشاف الذات في مرحلة العاطفة أحادي القراءة، وفي مرحلة التعقـلن يكون ثـنائي القراءة للواقع والحياة، وللفكر والنظرية، وللمنهج والممارسة. وثـنائية القراءة وثـنائية النظرة للأشياء وثـنائية التفكير، أي وعي أن لكل شيء وجهين، وأن لكل حالة قطبي تطرف يتوسطهما الاعتدال والتوازن، هذه الثـنائية أي التخلي عن أحادية النظرة التي تـتبنى أن "كل شيء في الوجود إما أسود وإما أبيض" هي شرط الاعتدال والتوازن، وبالأحادية يختل ميزان الاعتدال بالضرورة.
ففي اللحظة العاطفية من تاريخ الأمة في فجأة أو صدمة الاكتـشاف تكون النظرة غالبا أحادية، ولكن مع الزمن تبدأ عاطفة الاكتـشاف وما يسمى بالصحوة الجديدة تـتعقلن، فيعطي العقل من برودة موضوعيته للعاطفة الملتهبة نسمة باردة تخفف من غلوائها وتصاعد لهيـبها، ليعود العقل من جديد ليتخذ موقعه الطبيعي في قيادة الحياة وقراءة الواقع وفهم الفكر، والعقل - ولأنه عقل - يتعقل ضرورة العاطفة للحياة، فلا يطفئ حرارة العاطفة كليا، بل يـبقي عليها كمصدر دفء للحياة، كي لا تـتجمد عند مجمدات التـنظير الأكاديمي، من غير عاطفة عاقـلة تـتحرك ما بين حب عاقـل وغضب عاقـل. بينما العاطفة غير العاقـلة تعيش دوما لونا من ألوان الهيستيريا، فعندما تحزن تعيش هيستيريا الحزن، وعندما تفرح تعيش هيستيريا الفرح، وعندما تغضب – والمعاذ بالله – تعيش هيستيريا الغضب، وهذا أخطر ألوان الهيستيرريا، ولكنها أيضا عندما ترضى تعيش هيستيريا الرضا المتميع.
سأحاول بعون الله تعالى أن أتـناول في حلقات قادمة أمثـلة من التطرف الناتج كولادة لاكتـشاف أو توهم اكتـشاف الذات.
12/11/2003
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::