الاعتدال والتطرف في التعاطي مع واقع الاحتلال

ضياء الشكرجي

 

هناك واقع جديد في العراق عمره خمسة أشهر وأيام؛ واقع بدأ بسقوط نظام صدام، وطوي صفحة حقبة الخمسة والثلاثين عاما الدموية. هذا الواقع يحمل مجموعة ملامح أساسية، لست بصدد تناولها، بل أريد الاقتصار على ما يسمى بواقع الاحتلال، أو واقع تواجد القوات الأجنبية، والمواقف المتباينة عراقيا تجاهه. إذا تناولنا هذه المفردة بالذات، مفردة الاحتلال أو التواجد الأجنبي، نجد أن العراقيين يتخذون مواقف متباينة تجاه هذا الواقع، يتفاوت فيها التباين بين ما هو اختلاف نسبي أو جزئي، وبين ما يمكن أن يوصف بالتقاطع الحاد، أو التنافي والتناقض. من غير أن نخوض في تفاصيل المواقف المتنوعة تجاه هذه القضية، نحاول هنا طرح أهم المواقف، والتي يمكن تقسيمها ابتداءً إلى ثلاثة مواقف إجمالية، ثم نستطيع أن نفصل في الموقف المتوسط تفصيلا نسبيا، لا يخرجه عن صفة التقسيم الإجمالي، إلا أنه يكون تفصيليا بالنسبة للتقسيم الأول فقط. أعني بالتقسيم الإجمالي الأول هو أن هناك موقفين متطرفين، إفراطي وتفريطي من واقع الاحتلال، يتوسطه موقف يمكن وصفه بالاعتدال.

 

الموقف المتطرف الأول: هو الموقف الإفراطي أو الموقف الحاد المُفـْرط في حدته، وهو موقف المقاومة المسلحة في كل الأحوال، من غير أدنى مرونة، والذي لا يفهم سوى لغة العداوة المُفـْرطة، والمواجهة الدموية.

 

الموقف المتطرف الثاني: هو الموقف التفريطي أو الموقف المتميع أي المُفـْرط في ليونته، وهو موقف الخضوع الكلي للإرادة الأمريكية بلا شرط ولا قيد، والمتملق لأمريكا أكثر مما يستسيغه الذوق السياسي الأمريكي نفسه.

 

الموقف الثالث المعتدل: هو الموقف الذي لا يريد للعراق الاحتلال بأي حال، وفي نفس الوقت لا يتبنى المقاومة كوسيلة لإنهاء الاحتلال، لا الساخنة ولا الباردة منها، بل قد لا يتبنى استعجال خروج قوات الائتلاف، قبل تهيؤ الأرضية المناسبة لمباشرة العراقيين في تولي أمورهم، أمنيا وإداريا وسياسيا واقتصاديا.

 

والموقف المتوسط بين الموقفين المتطرفين الأول والثاني، هو ليس بموقف واحد، بل هو عبارة عن طيف من الألوان المتنوعة لمواقف متباينة تباينا نسبيا في التفاصيل أو في درجة الميل إلى الصلابة أو إلى المرونة. إذن بين الموقفين (مجموعة) مواقف يمكن تقسيمها هي الأخرى إجمالا إلى ثلاثة مواقف؛ أوسطها أشدها اعتدالا، وطرفاها لا يخرجان عن الاعتدال، إلا أنهما قد يتطرفان تطرفا نسبيا، أقصاه ملامسة كل من طرفي الإفراط والتفريط المتطرفين، ولكن دون بلوغ درجة التطرف. إذن هناك خط دقيق جدا في وسط مساحة الاعتدال، نستطيع أن نسميه بخط الاعتدال التام، وعلى جانبيه مساحة، يمكن أن نسميها بمساحة الاعتدال النسبية.

 

الموقف المتعدل النسبي الأول: هو موقف ما يسمى بالمقاومة السلمية للاحتلال، وهو موقف يرفض الاحتلال رفضا قاطعا، ويطالب بإنهائه فورا وبلا أية مماطلة وبأية ذريعة كانت، ولكنه يكتفي بالمقاومة الباردة، أي غير المسلحة، وإن كانت ساخنة وقد تكون ملتهبة في خطابها، لكنها لا تصل إلى درجة السخونة التي تحولها إلى مقاومة مسلحة.

 

الموقف المعتدل النسبي الأول، والذي هو بنظر آخرين قد لا يبتعد عن موقف التطرف الإفراطي، باعتبار أن إلهاب الحماس للمقاومة السلمية يمثل وقودا جيدة للمقاومة المسلحة، فهذا الموقف وإن كان لا يتبنى المقاومة المسلحة، إلا أنه يتناغم مع المقاومة المسلحة، ويقترب منها لدرجة التماس، ثم إنه يتخذ موقفا رافضا رفضا قطعيا للاحتلال، ويعتبر نفسه في خط المواجهة والمقاومة للاحتلال، ولكن كل ما في الموضوع بالسبل السلمية، فهو يخوض حرب تحرير باردة، إذا صح التعبير. هؤلاء ينطلقون في موقفهم من اعتقادهم بعدم إمكان منح الأمريكان الثقة وأن الأمريكا لا يفكرون أبدا بمصالح العراق والعراقيين، بل يضعون مصالحهم في تثبيت وتوسيع نفوذهم العسكري والسياسي والاقتصادي فوق كل اعتبار. ومن هؤلاء من ينطلق من منطلقات دينية حادة، تجعله لا يسمح لنفسه بقبول قوات غير مسلمة (كافرة) تتواجد على أرض الوطن الإسلامي بأية ذريعة كان ذلك التواجد.

 

الموقف المعتدل النسبي الثاني: هو موقف التنسيق الواسع مع قوى الاحتلال بل وتمني عدم استعجال إنهائه، ما زالت طبيعة الظروف في هذه المرحلة وحسب تقييم أصحاب الموقف لا تسمح بالخروج السريع لقوات الاحتلال، بل لا بد من الانتظار حتى تتهيأ الساحة أمنيا وسياسيا واقتصاديا لإدارة نفسها ذاتيا.

 

الموقف المعتدل النسبي الثاني، والذي هو بنظر آخرين قد لا يبتعد عن موقف التطرف التفريطي، ويتناغم معه كثيرا، فهو حسب الظاهر يقترب من موقف الخضوع للإرادة الأمريكية، ولكنه يحاول أن يحتفظ بالوقار الوطني والتوازن، ولا يتحول إلى حالة تميع وتملق مبتذلين، فهو لا يخضع للإرادة الأمريكية كليا، ولكنه يراعي هذه الإرادة بدرجة كبيرة، ولكن بحيث لا يكون ذلك على حساب المصلحة الوطنية، بل يأخذ بنظر الاعتبار، ومن خلال رؤية واقعية بحسب اجتهاده وحساباته، أن لكلا الطرفين مصالحه؛ هناك مصالح أمريكية توجب الواقعية أخذها بنظر الاعتبار، وهناك مصالح وطنية لا يجوز التفريط بها، كما توجد هناك حدود قصوى مقبولة من المصالح الأمريكية التي يجب أو يجوز مراعاتها، وحدود دنيا مطلوبة من المصالح الوطنية، لا يجوز التنزّل عما دونها. هؤلاء ينطلقون من ثمة ثقة بالأمريكان، تجعلهم يعتبرون التنسيق معهم والتعويل على وعودهم لا يشكل خطرا على الطموحات الوطنية، لا بل يعتقدون أن تحقيق هذه الطموحات إنما هو مرهون بمدى التنسيق مع الأمريكان.

 

12/09/2003

 

الموقف المعتدل كليا: هو موقف التنسيق المحاور من موقع التكافؤ، أو التنسيق الناقد والمشروط بشرط تقديم المصلحة الوطنية العراقية، ولكن في إطار رؤية واقعية تنظر بعين الاعتبار إلى أن لقوى الاحتلال ثمة مصالح لا تسمح النظرة السياسية الواقعية بالتغافل عنها تماما، لا سيما أن الواقع هو واقع انتصار عسكري لا بد من القبول ببعض تبعاته دون التفريط بالمصلحة الوطنية.

 

هذا الموقف الثالث ينظر إلى الاحتلال كأمر واقع، لا بد من التعامل معه بواقعية وعقلانية ومحاولة الخروج منه بأفضل النتائج الممكنة للعراق. وأصحاب هذا الموقف يطمحون إلى تحقيق الاستقلال الكلي والسيادة الوطنية غير المنقوصة، ولا يجوّزون لأنفسهم أبدا التفريط بهذه السيادة الوطنية، لكنهم لا يستعجلون تحقيق هذا الهدف قبل استكمال أشواط إيجاد الأرضية المناسبة لخروج قوات الائتلاف. ثم لا يرى أصحاب هذا الموقف من مبرر معقول لإعلان المقاومة للاحتلال حتى لو كانت مقاومة سلمية، ما زالت قوات الائتلاف تؤكد عدم نيتها البقاء أكثر مما تتطلبه المرحلة الانتقالية بعد سقوط النظام، فلا معنى لمطالبة من يعلن نيته بعدم البقاء بالخروج، إذ لا معنى لأن تطرد من يقول لك أنا راحل، بل الطرد يكون لمن يقول لك أنه باق رغما عنك، سواء رضيت او لم ترض. وثانيا فإن طبيعة المرحلة وغياب قوى الجيش والأمن الداخلي أو عدم تكامل بناء تلك القوى، وعدم استكمال بناء المؤسسات الحكومية، وعدم استتباب الأمن وتوفير شروط هذا الاستتباب وطنيا، كل ذلك يجعل استعجال خروج قوات الائتلاف أمرا غير معقول بالنسبة لهؤلاء. ثم إن القضية ليست قضية تحقيق السيادة الوطنية وحسب، بل هي قضية بناء صرح الديمقراطية، والدولة الدستورية، هذا المشروع المصيري الذي يمكن جدا أنه سيتعرض للتصدع من خلال صراعات سياسية يمكن أن تتصاعد مع غياب قوات الائتلاف. في كل الأحوال يقدم أصحاب هذا الموقف المتوسط المصلحة الوطنية على كل اعتبار، ولا يوفرون جهدا في تقديم ملاحظاتهم الناقدة للأمريكان، متى ما شخصوا خطأ في التعامل أو تجاوزا على مفردة وطنية ما. فهم في الوقت الذي يجعلون المصلحة الوطنية العراقية في أعلى سلم أولوياتهم، لا يغمضون أعينهم أمام حقيقة أن قوات الاحتلال هي التي أسقطت النظام الدموي، وحقيقة أنها قوة عسكرية منتصرة، وأن لا بد بالتالي من مراعاة تبعات هذا الانتصار، ومراعاة الحد الأدنى المقبول والمعقول من مصالح الدول المنتصرة. ثم يرى هؤلاء أنه لا بأس بل من المفيد جدا تدشين نوع جديد من العلاقة بين بلد مسلم كالعراق، ودولة غربية عظمى كالولايات المتحدة، من أجل إنهاء الحرب الباردة بين الغرب والإسلام والتأسيس لعلاقة جديدة من الحوار والتعايش والتفاهم على أساس من الديمقراطية والعدالة والسلام. وهؤلاء لا ينطلقون بالضرورة من منح الأمريكان الثقة المطلقة اللامحدودة، لكنهم لا يرون أيضا من الصحيح أن يكون التعامل على أساس عدم الثقة بالمطلق.

 

المهم إذا تركنا الموقفين المتطرفين، وتأملنا في ما أسميناه بمساحة الاعتدال، بما هي أوسع مما أسميناه بخط الاعتدال، وبما أنها مساحة وليست مجرد خط مشخص بدقة، ولو إن الخط هو الآخر ليس إلا مساحة ولكنها أضيق بكثير من المساحة الأوسع للاعتدال، وإنما أسميناه خطا نسبة إلى تلك المساحة، إذ أن حتى هذا الخط لا يخلو من ثمة تفاوت في التفاصيل، وإلا نكون قد افترضنا عصمته من حيث التوسط المطلق، إذا نفينا عنه التفاوت النسبي، فليس هناك توسط مطلق، بل هو توسط نسبي، لكنه كخط – ولو خط نسبي - أشد توسطا مما على جانبيه من مساحة الاعتدال الأوسع، فتوسطه ليس توسطا مطلقا ومعصوما من أي تباين، بل هو مساحة على الطريق؛ كل ما في الأمر أنها أضيق من المساحة الأوسع. أقول إذا ما أخذنا مساحة الاعتدال، وحاولنا أن نبتعد حتى عن طرفيها – أي طرفي مساحة الاعتدال الواسعة – اللذين ما زالا يتحركان ضمن تلك المساحة، لكنهما قد يقتربان كثيرا من طرفي التطرف، مما يجعلهما في حالة تماس لذينك الطرفين المتطرفين الخارجين عن مساحة الاعتدال، مما يهدد بخطر خروج طرفي مساحة الاعتدال المتماسين مع طرفي التطرف عن مساحة الاعتدال إلى طرفي التطرف؛ أقول إذا توسطنا أكثر على مساحة الاعتدال، يمكن أن نقول بأن الموقف الوطني المعتدل لا بد أن يشتمل على الشروط التالية، من أجل أن يكون وطنيا من جانب، ومعتدلا من جانب آخر:

1.     تحكيم الإرادة الوطنية.

2.     تقديم المصلحة الوطنية على الاعتبارات السياسية الأخرى.

3.     التعاطي بواقعية وعقلانية مع واقع الاحتلال.

4.     التنسيق مع المحتل بما يحقق أكبر قسط ممكن من المصلحة الوطنية، وبأسرع وقت ممكن، مع مراعاة الحد الأدنى المقبول عادة في مثل هذه الحالات من مصلحة المحتل.

5.     عدم استعجال خروج المحتل قبل استكمال الشروط الموضوعية الضرورية وطنيا للخروج.

6.     عدم القبول بإدامة الاحتلال أكثر مما تتطلبه طبيعة الأشياء.

7.     تجنب تصعيد حدة الخلاف بين القوى الوطنية والجماهير الشعبية من جانب وقوى الاحتلال من جانب آخر.

8.     ممارسة الحوار المعتدل ولكن الذي لا يخلو من قوة الخطاب، متى ما كانت هناك ضرورة لقوة الخطاب وإبداء النقد والملاحظة والعتاب والمعارضة.

9.     السعي لجعل نهاية الاحتلال بداية لنوع جديد من العلاقة بين أمريكا والعراق ابتداءً، وبين الغرب والعالم الإسلامي انتهاءً.

 

وأخيرا أحب أن أقول بأن التفاوت على المساحة المعتدلة من أقصى يمين المعادلة إلى أقصى شمالها، لا ينبغي، بل لا يجوز أن يؤدي إلى تهمة (الخيانة والتفريط بالمصلحة الوطنية العراقية، أو تهمة الثقة الساذجة بالأمريكان) من جهة، أو تهمة (التطرف واللاواقعية وغياب الوعي السياسي واللاعقلانية) من جهة أخرى. فكل من الطرفين يملك بلا شك نسبة من الصواب، نسبة من الحرص على المصلحة الوطنية، ونسبة من العقلانية والاعتدال. فالذي ذهب في التعاطي مع الأمريكان بعيدا نسبيا، أي دون درجة الذوبان والتميع والابتذال والتفريط بمصلحة العراق إرضاءً  للأمريكان، لا يجب أن يكون خائنا وعميلا بالضرورة، بل إنه ربما شخص برؤيته واجتهاده المصلحة الوطنية للعراق والعراقيين متحققة أكثر من خلال هذا التنسيق والتفاهم الواسع مع الأمريكان. والذي يتعامل بحذر شديد وبتحفظ في منح الثقة للأمريكان ومعارضة لسياستهم لا يجب أن يكون متطرفا وغير واقعي وغير واع سياسيا بالضرورة، بل لعل لديه المبررات المعقولة التي تجعله يتخذ موقف الحذر الشديد والتحفظ في منح الثقة خوفا على المصالح الوطنية أن تضيع أو تبقى مثلومة ثلمة يعتد بها، وإنه انطلق من حذره وتحفظه وبالتالي معارضته للسياسة الأمريكية فيما يتعلق بقضيتنا العراقية من قراءة للتاريخ والحاضر السياسي، وليس من فراغ.

 

وعلى ذكر الثقة والحذر، وحسن الظن وسوء الظن تجاه الأمريكان، نجد أن لكل من الموقفين مبرراته المعقولة ما لم يتحول إلى التطرف الحاد. فمن لا يثق بالأمريكان ينطلق من الحقائق التالية:

1.     أمريكا هي التي صنعت صداما ونظامه ودعمته لأكثر من عقدين من الزمن.

2.     أمريكا هي التي ساهمت بسحق انتفاضة شعبان / آذار 1991 وفوتت على الشعب العراقي فرصة الخلاص، وصعدت من معاناته من خلال ثنائية الديكتاتورية والحصار الاقتصادي.

3.     أمريكا تضع من غير شك مصالحها الاستراتيجية في رأس سلم أولوياتها، ولا يمكن أن تقدم مصلحة الشعب العراقي على مصالحها السياسية والعسكرية والاقتصادية.

4.     ما زالت سياسة أمريكا من قضايا أخرى للعالم الإسلامي متحيزة إلى جانب خصوم المسلمين، وموقفها من قضية فلسطين وتحيزها إلى السياسة الإسرائيلية خير شاهد على ذلك.

 

أما التعاطي مع الأمريكان بقدر لا بأس به من الثقة وحسن الظن والتنسيق فيستند على المبررات التالية:

1.     أمريكا وفت بعهودها حتى الآن فيما يتعلق بالعراق منذ اتخذت قرار إسقاط النظام ومساعدة العراقيين في إقامة نظام ديمقراطي.

2.     هناك مؤشرات كثيرة تظهر أن أمريكا تريد أن تغير سياستها تجاه العالم الإسلامي، وتحسن صورتها أمام العالم، وتحد من الحساسية والعلاقة وسلبيتها بينها والعالم الإسلامي، من خلال ترك سياسة دعم الديكتاتوريات على حساب الشعوب العربية والإسلامية، وتبني دعم التحول الديمقراطي، والذي يرراد للعراق أن يكون ساحة تدشين أولى لهذه السياسة الجديدة.

3.     كون أمريكا تضع مصالحها في مقدمة حساباتها، لا يعني أنها ومن خلال السياسة العقلانية، لم تدرك أن استيفاء مصالحها بنسبة الـ 100% من شأنه أن يستعدي الشعوب ضدها أكثر، وهي سياسة غير واقعية، ولذا فإنها في سياستها الجديدة، تحاول أن تستحصل الحد الأدنى مما لها من مصالح، مع مراعاة مصالح الشعوب أيضا بالحد الأدنى المقبول، والذي يمكن أن تصعد الشعوب من جانبها هذه النسبة إلى الحد الأعلى المطلوب. فهذا ليس تفريطا لأمريكا بمصالحها بقدر ما يمثل نظرة جديدة وفهما جديدا أكثر واقعية وأكثر عقلانية لمفهوم المصالح.

4.     يمكن جدا ان تسلك أمريكا فيما يتعلق بالعراق سياسة أكثر إيجابية من سياستها فيما يتعلق الأمر بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وهناك مؤشرات كثيرة ترجح هذا الاحتمال.

 

قضتينا العراقية تحتاج إلى لغة جديدة وإلى فهم جديد وإلى نوع جديد من العلاقة، تحتاج إلى إعادة نظر في مفاهيم وثوابت القرن السابق، فيما يتعلق بمفردات كالاستعمار والإمبريالية، وكحروب التحرير والمقاومة والفعل الثوري. القاموس السياسي لعصرنا الجديد، للقرن الحادي والعشرين يحتاج إلى إعادة كتابته؛ حتى ما عرفناه مما أسميناه بالصحوة الإسلامية والوعي الإسلامي يحتاج إلى فهم جديد، كذلك يجب إعادة فهم وترجمة لمفردات التطرف والاعتدال، والأصولية والراديكالية والليبرالية. هناك حاجة إلى إعادة صياغة للعلاقات بين الشعوب. وإعادة الفهم وإعادة الصياغة وإعادة القراءة مطلوب من الجانبين على حد سواء، من الغرب، ومن العالم الإسلامي.

 

فهل نستطيع أن نتعلم قراءة الواقع بلغة هذا القرن لا لغة القرن المنصرم؟

 

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::