لنكن بمنأى عن هاويات العصبيات

 

ضياء الشكرجي

 

العصبية مقيتة في كل الأحوال ومهما كانت مبررات انبعاثها، سواءً كانت عنصرية، مع اختلاف تجلياتها كتعنصر للقومية واللغة، أو للوطن، أو للأصل أو اللون، أو كانت طائفية، دينية منها أو مذهبية، أو عشائرية أو مناطقية. والعصبية تختزن فيما تختزن روحية وعقلية وأخلاقية التعميم والإطلاق، وهذه تتعارض مع (الاستقامة الإنسانية) لكل من البعدين للمحتوى الداخلي للإنسان، بُعْدِ استقامة العقل، وبُعْدِ استقامة القلب؛ فبمجانبة بُعد استقامة العقل والعقلانية تتحقق مجانبة الموضوعية، فاللاموضوعي هو الذي يلجأ دائما إلى التعميم والإطلاق في التقييم والحكم والموقف والتعامل. وأما بمجانبة بُعد استقامة القلب والعاطفة الإنسانية السوية فتتحقق مجانبة العدالة. وحيث تغيب العدالة في التقييم والحكم والموقف، تغيب الموضوعية، والعكس بالعكس. فعندما يخضع التقييم والحكم والموقف للعاطفة غير السوية، والتي يصطلح عليها قرآنيا بالهوى، فتـُحكـَّم كل من عاطفتي القرب النفسي الإيجابية والبعد النفسي السلبية وفقا لمنهج التقسيم على أساس (نحن) مطلقة و(غيرنا) مطلقة، مما يجعلنا نقع في أحد المحذورين؛ بمجانبة العدالة والإنصاف، وبجانبة الموضوعية والعقلانية، كما حذرنا منه القرآن الكريم، مشخصا مجانبة العدالة تارة بسبب القرب، وأخرى بسبب البعد، إذ يقول تعالى في الأولى: "وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى"، وفي الثانية "يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى".

 

وطبيعة الظروف ومجريات الأحداث التي مر بها الشعب العراقي بمختلف مكوناته أو التي ما زال يعيشها، تسببت في ظهور بوادر عصبيات يمكن أن تحدث – لا قدر الله – كارثة، إذا ما نمت وتفشت واستفحلت واستحكمت. ولكن فرص ذلك النمو والتفشي والاستفحال والاستحكام محدودة والحمد لله، بينما فرص تطويق بؤر فتن العصبيات المتنوعة واستئصالها هي الأوفر حظا. ولكن هذه النظرة التي تميل إلى التفاؤل أكثر منها إلى التشاؤم لا تلغي ضرورة التأشير إلى مخاطر العصبيات. ويمكن تقسيم أهم العصبيات التي تتمظهر ببعض مظاهرها في المجتمع العراقي بخمس عصبيات أساسية هي:

  1. العصبية العراقية تجاه غير العرقي.

  2. العصبية الكردية تجاه العربي والتركماني وعموم غير الكردي.

  3. العصبية العربية تجاه الكردي وعموم غير العربي.

  4. العصبية الشيعية تجاه السني.

  5. العصبية السنية تجاه الشيعي.

 

والعصبيات الأربع أعلاه منها ما هي عصبية فاعلة أو مبتدئة، ومنها ما هي عصبية منفعلة، أي تمثل ردة فعل على عصبية فاعلة ومبتدئة. ولعله يمكن القول أن هناك عصبيات معتدية، وأخرى مدافعة، وثالثة استباقية أو احترازية، وهكذا. فالعصبية العراقية هي عصبية منفعلة طارئة جاءت كردة فعل على مواقف إقليمية أحدثت خيبة أمل لدى العراقيين من الكثير من أشقائهم في العروبة أو الجيرة، وإخوانهم في العقيدة أو الجيرة. والعصبية الشيعية هي الأخرى عصبية منفعلة وليست فاعلة ولا مبتدئة، أما العصبية الكردية، فهي في مرحلة سابقة كانت منفعلة، وفي مرحلة لاحقة فاعلة، بينما العصبية العربية بالعكس في مرحلة سابقة كانت فاعلة، وفي مرحلة لاحقة منفعلة.

 

العصبية العراقية: العراقيون لم يكونوا في يوم من الأيام عنصريين وطنيا، أي متعنصرين لعراقيتهم، بل كانوا دائما معتزين بهذه العراقية، لكن دون درجة العصبية الوطنية والتعنصر العراقي. ولكنهم ومنذ مرحلة ما قبل سقوط النظام الديكتاتوري الدموي المقبور شعروا بخيبة أمل كبيرة تجاه إخوانهم شعوب المنطقة، بل لعله من أكثر شعوب العالم الإسلامي، إضافة إلى الحكومات والأحزاب السياسية الحاكمة والمعارضة، للموقف السلبي الرافض لإحداث التغيير في العراق وإسقاط الديكتاتورية من قبل مساحات واسعة من مجتمعات العالمين العربي والإسلامي. ودون الخوض في تفاصيل تلك الحقبة وما بعدها، والتي اعتبرت تلك الشرائح للمجتمعات العربية والإسلامية تغيير النظام وإجراء عملية التحول الديمقراطي انسجاما مع تطلعات (المحتل أو المحتلِل)، أو (المستعمر) أو (المستكبر) أو (الكافر) الأمريكي، واعتبروا كل العراقيين المشاركين في العملية السياسية أو المتطلعين إلى مستقبل ديمقراطي للعراق بمثابة عملاء للأمريكان أو (متولين للكافر المحارب)، فتمت المزايدة علينا في وطنيتنا وفي إسلاميتنا. ثم توجت تلك المواقف المخيبة للظنون بالإرهاب الوافد، العروبوي منه أو الإسلاموي. من الطبيعي أن يمتلئ العراقيون حنقا وغضبا تجاه هذه المجازر التي تحصد المئات من شبابهم وشيوخهم وأطفالهم ومن رجالهم نسائهم، وتجاه طقوس الذبح وجرائم التفخيخ وغيرها. لكن كل هذا لا يبرر أن نقابل التطرف بالتطرف، والعصبية والعنصرية بمثليهما، ونقع في خطأ التعميم والإطلاق، فيكون كل من هو عربي أو مسلم وافد على العراق مرفوضا وممقوتا ومغضوبا عليه ومعمما عليه تهمة الإرهاب ضد العراقيين. وحتى خيبة أملنا تجاه جيراننا الإيرانيين، ابتداءً من كل المعاناة التي عاشها العراقيون في إيران في الجانبين الاجتماعي والسياسي. ومن ثم الموقف الإيراني الرسمي والشعبي في دعم ما يسمى بالمقاومة وغير ذلك، وأيضا النشاط الإيراني المخابراتي، كل ذلك خلق حساسية شديدة تجاه إيران والإيرانيين، حتى وقع البعض في خطأ التعميم والإطلاق بالحكم على كل ما هو إيراني، ومع ما للحساسية تجاه الحالة الإيرانية من مبررات لها موضوعيتها، فإن التعميم والإطلاق وانبعاث ردة فعل لدينا تصل عند البعض إلى مستوى العنصرية المضادة المملوءة كرها ضد الإيرانية والفارسية، يعتبر مجانبا للموضوعية، سواء كان بمعايير الإسلام، أو بمعايير الديمقراطية، أو بمعايير الإنصاف العدالة والمثل الإنسانية، أو بمعايير العقلانية والموضوعية.

 

أما عن العصبية الشيعية او الطائفية المنفعلة، فإننا نستطيع وبحق أن نسجل لشيعة العراق غاية العقلانية والإحساس بالمسؤولية والوعي الوطني، بحيث أنهم على الأعم الأغلب نأوا بأنفسهم عن الانجرار إلى أتون الفتنة الطائفية بالرغم من كل عوامل الجذب إلى تلك الفتنة، ومع هذا يمكن تسجيل بعض حالات التعميم والإطلاق على كل ما هو سني من قبل بعض الأوساط الشيعية، وإن كانت محدودة. صحيح أن المحافظات السنية العربية وحدها التي لم تشارك في ثورة شعبان لعام 1991، وصحيح أن السنة العرب لم يكن لهم إلا حظ محدود في مواجهة الديكتاتورية وبالتالي في دفع فاتورات المواجهة من سجن وتعذيب وإعدام وتهجير ومصادرة أموال ومقابر جماعية، ثم صحيح أن مساهمتهم في العملية السياسية وفي عملية التحول الديمقراطي كانت هي الأخرى حتى الآن – وهم الآن والحمد لله بصدد التدارك – كانت محدودة، وصحيح أن مناطقهم كانت أكثر من غيرها قواعد وبؤرا للإرهاب المحلي والوافد، وصحيح أننا لم نسمع من رموزهم إلا أصواتا خافتة خجلى في إدانة جرائم صدام ضد أخيهم الآخر المذهبي، وضد أخيهم الآخر القومي، أي ضد الشيعة والأكراد، ولكن هذا كله لا يبرر لنا الوقوع في خطأ التعميم والإطلاق بالشطب على كل ما هو سني، أو لنقل ما هو سني عربي. فهناك العقلاء والطيبون والمعتدلون من إخواننا السنة، مما لا يجيز لنا ان نظلمهم بتعميم صفات عليهم من قبيل (الصدامية)، (الإرهاب)، (الطائفية)، (التطرف الإسلامي السلفي)، و(العنصرية العروبية) وغيرها من الصفات، فإنه "لا تزر وازرة وزر أخرى"، وإن كل قوم مهما جمعت كثرة منهم صفات ومواقف "ليسوا [كلهم] سواء"، ولا ينبغي السماح باحتراق الأخضر بسعرات وألسنة لهيب اليابس.

 

أما بالنسبة لإخواننا الأكراد، فقد أصابهم لعقود طويلة ما أصابهم من الحيف والظلم والقمع، ولكن هذا لا يبرر لهم سوء الظن بكل ما هو عربي، وتسوية كل الأطراف العراقية الوطنية العربية سنية وشيعية بالحالة الصدامية، وتحويل كردستانيتهم إلى عنصرية تتعنصر ضد العربي والتركماني والكلدوآشوري، وتعيش أنانية الهم الكردي، وتقديمه على كل الأولويات الوطنية، فالشيعة لم يعتبروا الاضطهاد الشيعي سنيا بل هو بعثي وصدامي الهوية. القضية الكردية العراقية والكردية عموما هي قضية عادلة، والمطالب الكردية مطالب مشروعة، ولكن لا ينبغي أن تتحول إلى حالة من العنصرية الكردية، فالفعل العنصري لا يبرر لمن وُجِّه إليه الفعل رد فعل عنصريا هو الآخر، لأن العنصرية ممقوتة سواء كانت فاعلة أم منفعلة، ولو إن البادئ بالظلم أظلم، والبادئ بالعنصرية والعصبية أشد عنصرية وعصبية، ففرق بين أن يُحصِّن قوم أنفسهم من الفعل العنصري أو الفعل الطائفي، وبين أن يتحولوا هم إلى عنصريين أو طائفيين.

 

لكن في نفس الوقت لا ينبغي أن يكون الموقف الكردي المتصلب نوعا ما والمتحيز لكردستانيته إلى حد ما مبررا لتعميم وإطلاق الحكم على الأكراد كما يحصل من قبل البعض منا. نعم يمكن أن نعتب على إخوتنا الأكراد في بعض المفاصل، ولكن لا بد أن نحاول أن نفهمهم ونتفهم مواقفهم ولا نتعصب ضدهم ولا نعمم الأحكام عليهم.

 

إنني متفائل من أن الحس العراقي الإنساني المنفتح سيكون مع الوقت هو الغالب، ويتراجع الانتماء إلى القومية وإلى المذهب إلى مرتبة ثانية، وليس بالضرورة إلى مرتبة متأخرة جدا في صف أولويات الانتماء والهوية.

 

بغداد - 19 آذار 2005

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::