أمة نصف عمرها مسيرات دينية؛ كيف تبني مجدها؟

الإسلام دين واقعي يجمع بين الدين والدنيا، بين القلب والجسد، بين الروحيات والماديات، بين العبادات والمعاملات. فالقرآن يصدح بهذه الموازنة بقوله تعالى: «وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين»، والرسول (ص) يؤكد أن «لا رهبانية في الإسلام، إنما رهبانية أمتي الجهاد»، وليس الجهاد هنا بمعنى القتال بالضرورة، بل هو عمل دؤوب وسعي متواصل من أجل خير الإنسانية، وأئمة أهل البيت (ع) يؤكدون معنى الموازنة هذا بقولهم: «ليس منا من ترك دنياه لآخرته أو ترك آخرته لدنياه». والكل يعرف قصة ذلك الصحابي الذي افتقده النبي (ص) فترة طويلة، حتى سأل أخاه عنه، فأخبره بأنه هجر الدنيا وذهب إلى الجبال متفرغا للعبادة، ولما سأله عمن يعيل أهله، فأجابه الأخ أنه هو الذي يتكفل بذلك، كان جواب النبي (ص) «أنت أعبد منه»، كما نعرف كيف أنه (ص) قد قبّل يد رجل اخشوشنت من العمل، فقال: «هذه يد يحبها الله ورسوله». ثم إن الطاقات التي منحها الله للإنسان هي هدية له، لا بد أن يكون الإنسان، لاسيما المؤمن شاكرا له من أجلها، وإن أفضل التعبير عن الشكر لهو تسخيرها وتوظيفها وتفعيلها، بينما سيكون شلها وتعطيلها بمثابة نكران للنعمة، وإن الزمن هو رأس مال الإنسان الأساسي الذي يُسأل عنه يوم القيامة حسب ما جاء على لسان علي (ع) «المرء يُسأل عن ماله فيم أنفقه .. وعن عمره فيم أفناه».

 

ونحن نتفهم تماما العطش الذي كان يشعر به شيعة العراق بالذات، ذلك العطش لزيارة أئمتهم وأداء شعائر العبادة والزيارة التي حرموا منها طويلا، ولكننا وجدنا أن هذا العطش تحول إلى نهم وشره وإسراف وإفراط غير معقول، فأصبحنا نقضي نصف سنتنا زيارات ومسيرات دينية ومجالس عزاء ومواكب لطم وضرب بالسلاسل وتطبير، ومشي إلى الأئمة على الأقدام، وكل ذلك تسبقه استعدادات تستغرق أسبوعا قبل كل مناسبة، وبعدها ينشغل الناس بإقامة مجالس الفاتحة على الذين سقطوا ضحايا عملية إرهابية، أو حادث بسبب الازدحام، ومنها الاستعدادات الأمنية، والتي من جرائها تتعطل الكثير من نشاطات الحياة، وتغلق الكثير من الطرق داخل وخارج المدن، وتكون قوات الأمن في حالة طوارئ. ففي الوقت الذي كنا نعرف سنة المشي على الأقدام في مناسبة أربعينية الحسين (ع) حصرا، أصبح عدد غير قليل من مناسبات أئمة أهل البيت (ع) يقترن بمسيرات المشي المليونية من كل أنحاء العراق.

 

ومع تثمين الاستعدادات الأمنية التي قامت بها الحكومة مؤخرا في مثل هذه المناسبات، والتي تكلل الكثير منها بالنجاح، بقيت كل مناسبة تمثل هاجسا وناقوس إنذار، من جراء احتمال وقوع عملية إرهابية، أو حادث بسبب الازدحام، أو تصادم بين القوى المسلحة، كما حصل اليوم في كربلاء بين صدريين وبدريين، سرعان ما انعكست بمواجهات في العاصمة.

 

الدين شيء جميل، فهو رابطة رائعة لو وُظـِّفـَت التوظيف الصحيح بين الإنسان المحدود المتكامل، وهو يقطع أشواط مسيرته الكادحة في الحياة، وبين ربه المطلق سبحانه وتعالى، والدين إذا ما وظف التوظيف الصحيح من شأنه أن يهذب النفوس، ويزكي القلوب، ويجذر الوعي في العقول، ويعين الإنسان على استكمال مسيرة تأنسنه مستقيما إلى الله «أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه»، مصححا مساره كلما حصل فيه انحراف عن خط الفطرة الإنسانية المعبر عنه بقوله سبحانه: «واستغفروه»، حيث إن الآية بكاملها تنص على: «قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه».

 

أما شعب يقضي حياته يزور الأئمة والأولياء، ويلطم، ويحضر مجالس العزاء، ومجالس دعاء كميل، ويُسيِّر مواكب ضرب السلاسل، ويندب ويبكي، ويصلي ويحج في كل سنة، ويعتمر، كل ذلك من غير إنتاج؛ هذا بالنسبة للشيعة، وأما بالنسبة للمتدينين من السنة فيقضي نهاره خمس مرات ذهابا وإيابا بين محل عمله والمسجد، أو بين بيته والمسجد، مع كل ما يأخذ الطريق ذهابا وإيابا من وقت، وكذا الوضوء، والجلوس المستحب في الصف منتظرا الأذان، وإقامة صلاة السُنة، أي ما يسمى بالنوافل أو الصلاة المستحبة قبل الصلاة الواجبة جماعة، وما يعقبها من دعاء وتسبيح. فمتى يكون العمل؟ ومتى يكون الإنتاج؟ ومتى يكون بناء الأوطان؟ ومتى يكون صنع المستقبل؟

 

لا أدعو إلى إلغاء العبادات من حياة الناس، بل للعبادة بلا شك نكهتها الروحية ودورها الأساس لصياغة شخصية الإنسان، وقدرتها على تحقيق التوازن بين عالمي المادة والروح، وبالتالي تأثيرها المهم في صياغة إنسانية الإنسان، كي لا يستغرق في المادة والغرائز والطموحات الدنيوية، وهي تعبير عن شكرنا لربنا لكل ما منحه لنا من نِعَم، إن نـَعُدَّها لا نـُحصِها. ولكننا إذا ما استمر بنا الحال على هذا المنوال الإفراطي المبالغ به، فلن يكون مستقبل لمثل شعبنا. أم هل سينقسم الشعب إلى من يبني، ومن يهدم، ومن لا يصنع شيئا لا سلبا ولا إيجابا، ومن يتفرغ للشعائر الدينية؟ وكم ستكون يا ترى نسبة الذين يبنون؟ وهل ستقوم يوما ما المرجعية الدينية بتحريك شيء بالاتجاه الصحيح، أم ستبقى خائفة من ردود فعل الجماهير العاطفية ضد أي كلمة تصحيح تصدر منها؟

 

28/08/2007

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::