ثورة إيران وما يسمى بالصحوة الإسلامية بحلقاتها الثلاث
نقترب في هذه الأيام رويدا رويدا من الذكرى السنوية السابعة والعشرين لما سُمِّي بـ «الثورة الإسلامية» (الخمينية)، والتي ما زال هناك من يحتفل بها مبتهجا بهذا النصر (الإلهي) والفتح (السماوي)، وبعض آخر يجعل منها يوم رثاء وحزن أشد من الحزن على سيد الشهداء - عليه السلام - في يوم عاشوراء الخالد، يندب فيه حظه وحظ الأمة الإسلامية عموما والشيعية خصوصا، وبعض ثالث يقف في ذكراها موقف المراجع والدارس والمتأمل والناقد والعامل على استخلاص العبر والدروس منها، وفريق رابع لم يعد يكترث أصلا لا بالحدث ولا بذكراه. وقد اخترت أن أكون من الفريق الثالث الذي قد لا يبتعد عن أجواء الفريق الثاني، بعدما كنت في الثمانينات ما زلت في النشوة الجنونية من الفريق الأول، ولو بنفحة عقلانية في قلق التصحيح وروح النقد ولكن النقد من موقع الولاء والقناعة في حينه، حتى بدأت مخاضات وولادات الوعي الديمقراطي تسير مسارها خطوة تتلوها أكبر وأجلى وأوضح وأعمق منها.
للعلاقة الوثيقة بين حدث الثورة وما يسمى بالصحوة الإسلامية وصعود منحنى الإسلام السياسي، وتحوله من ظاهرة نخبوية إلى ظاهرة جماهيرية عمت كل أنحاء بلاد المسلمين، كمفعول ثقاب الكبريت وسط حقل من زرع أصابه الجفاف، بل وعمت وبلاد غير المسلمين، أينما تواجد المسلمون، لكي يثيروا صخب الصدمة العاطفية بتوهم اكتشاف الذات الغائبة من قبل، فيحولوا هدوء العام إلى صخب يتلوه صخب لا نكاد نرى له نهاية في الأفق، إلا أن يشاء الله.
للعلاقة آنفا أقول إن الجميع، وبقطع النظر عن المواقف المتفاوتة، ما بين أقصى التأييد حتى أقصى المخالفة وما بينهما، من هذه الحقيقة، يقر بحقيقة أن الإسلام السياسي يمثل اليوم أحد أهم العوامل المؤثرة في الأوضاع السياسية والثقافية والاجتماعية ليس في أرجاء بلاد المسلمين فحسب، بل على كل مليمتر مربع من موطن أمنا وأبينا حواء، موطنهما وموطننا من بعدهما هذا الكوكب الأرضي الذي تحول في عصر العولمة والاتصالات إلى قرية صغيرة، بقطع النظر عما إذا كانا قد خـُلقا - أي أمنا وأبونا - من طين وفقا لمقولة التوراة والإنجيل والقرآن، أو كانا ثمرة التطور حسب نظرية دارون، أو حسب نظرية ثالثة توفق بين مقولة الوحي ومقولة العلم، ومما أتبناه هو أن المقولة الدينية لا تنفي الفرضية العلمية نفيا قاطعا، وكما إن النظرية العلمية لا تلغي المقولة الدينية إلغاء قطعيا. ولكن ليس هذا بحثنا، فعذرا عن الدخول في هذا الفرع، ولنعد سوية إلى أصل الطريق الرئيس.
الثمانينات أي سنوات ما بعد انتصار ثورة إيران بقيادة الخميني الراحل، احتشدت واكتظت وازدحمت بمصطلحات الإسلام السياسي إيجابا وسلبا، كـ «الصحوة الإسلامية»، و«الثورة الإسلامية»، و«الأصولية»، و«التطرف الإسلامي»، و«الإرهاب الإسلامي»، و«الجهاد الإسلامي» وإلى آخر القائمة من مصطلحات المريدين والخصوم. نعم، الثمانينات بالذات شهدت ما سمي بولادة «الصحوة الإسلامية» المعاصرة، حسب تسمية الرواد، أو ولادة «الإسلام السياسي» حسب تسمية المحايدين والناقدين، أو ولادة «التطرف الإسلامي» و«الأصولية الإسلامية» حسب تسمية المتحفظين والخصوم.
وإذا أردنا أن نحدد أهم حلقات الولادة ومخاضات ما قبل الولادة، يمكن أن نعتبر عامي 1928 + 1979 هما أهم حلقتين لما يسمى بولادة الصحوة الإسلامية، والأول منهما هو عام تأسيس حركة الإخوان المسلمين، الحركة الإسلامية الأولى التي أسِّسَت في مصر، وعام الثورة الإسلامية التي تمخضت عن تأسيس أول جمهورية إسلامية، وذلك في إيران. وتتوسط هاتين الحلقتين حلقة وسطى ثالثة لا تقل عنهما أهمية في تقديري، هي حلقة تأسيس حزب الدعوة الإسلامية في العراق، كأول حركة إسلامية شيعية وذلك عام 1957، لتشكل هذه الحلقات، حلقات الأعوام 1928 + 1957 + 1979 الحلقات الثلاث الأهم للإسلامستية الحديثة أو الإسلامسم المعاصر.
وبالمناسبة أريد هنا أن أشير إلى مصطلحات أتبنى استخدامها في هذه المقالة، من أجل ألا أكرر شرحها كلما وردت في مقالتي هذه، أو في مقالات مقبلة. لدينا الإسلام من جهة، كدين يؤمن به المسلمون المؤمنون، أي المقتنعون به كدين، لا الذين يحملون عبارة «مسلم» أمام عبارة «الدين:» في وثائقهم الرسمية فقط، بل الذين يؤمنون به وحيا إلهيا نزل به جبريل (ع) على محمد (ص)، ويشتمل على ثلاث منظومات، هي منظومة العقائد، ومنظومة الأحكام، ومنظومة الأخلاق، وفيه أصول وفروع، وللأصول ثمة أصول أو أساسيات تتفاوت بين الثلاثة والخمسة، ومن الفروع ما يعتبر أركانا قال بعضهم إنها خمسة وفي العدد كلام، ومصادر معرفته بحسب المدارس الكلامية المختلفة هي العقل ثم الوحي عند العقليين، والوحي عند الوحيويين، والعقل والوحي والتجربة الإنسانية عند المجددين المتبنين للإسلام المدني المتطور بمرونة مع معطيات العصر ومتغيراته دون المساس بروح وجوهر الإسلام، لما لهم من أدلة عقلية ونقلية على ثبات الأول ومرونة الثاني، أما الإجماع ففيه كلام. وإضافة إلى مصطلح «الإسلام»، فهناك مصطلح «المسلم» و«المسلمون». ولكن شاع خطأ لغوي مصطلحاتي من حيث الاستخدام، أدى إلى لبس في المصطلح والمعنى، وذلك عند استخدام الإضافة المنتهية بياء الإضافة المشددة «...ـيّ» ومؤنثها «...ـيَّة»، فصيغ ما يُنسَب إلى الإسلام وإلى المسلمين على حد سواء بلفظة «إسلامي»، ومؤنثها «إسلامية»، وما يتبعها من مثنى وجمع. فشاع مصطلح «البلاد الإسلامية»، و«العالـَم الإسلامي»، و«الدول الإسلامية»، و«الفنون الإسلامية»، و«العمارة الإسلامية». وكان الصحيح أن يقال بدلا عن ذلك «بلاد المسلمين»، و«عالم المسلمين»، و«دول المسلمين»، و«فنون المسلمين»، و«عمارة المسلمين». أو ومن أجل إمكان استخدام المصطلح بصيغة التنكير، كان يمكن نسبة ذلك إلى لفظة «مسلم»، بدلا من لفظة «إسلام»، أو «مسلمين»، لأن الأول يؤدي إلى الخلل الحاصل في المعنى، والثاني استخدام غريب على اللغة العربية، إلا إذا ابتكرنا تصريفا جديدا، باعتبار أن تطور الحاجات المستجدة يوجب تطوير اللغة لتواكب ذلك التطور. المهم باستخدام النسبة إلى لفظة «مسلم» كنا سنميز بين «دولة إسلامية»، و«دولة مسلمية»، أو كما مر باستخدام الإضافة (المضاف والمضاف إليه) بدلا من التوصيف (الصفة والموصوف)، لنقول «دولة مسلمين»، أو من أجل ألا نلغي مواطنة غير المسلمين، حيث لا توجد «دولة مسلمين»، إلا وفيها من اتباع الديانات الأخرى، مما يوجب تغيير المصطلح إلى «دولة ذات أكثرية مسلمة».
لكن هناك معنى جديد متعلق بالإسلام، لم يتفق على مصطلح خاص به، بل تعددت المصطلحات المعبرة عنه، بحسب ثقافة وتوجه المُصطلِح. فنجد ما يطلق على الإسلام السياسي، دون اعتبار هذا هو الخيار الذي يمكن أن يتوافق عليه كل الفرقاء، هو مجموعة من المصطلحات، منها «الإسلام»، حيث يقال على نحو التقابل «الإسلام» و«العلمانية»، ويقال أيضا «الإسلام الحركي»، كما اصطلح عليه السيد محمد حسين فضل الله، أو«الإسلام المحمدي» كما اصطلح عليه الإمام الخميني، أو «الإسلام الثوري»، في مقابل «الإسلام التقليدي»، أو «الإسلام الأصيل»، أو «الإسلام الشمولي» في مقابل «الإسلام الاجتزائي» أو «التجزيئي»، وكذلك هناك مصطلح «الإسلام الأصولي»، و«الإسلام السياسي». كما يصطلح البعض على هذا النوع من الإسلام بـ «الإسلامية»، وبعضهم بـ «الإسلاموية»، مع فارق أن الأول هو مصطلح المريدين أو المحايدين، بينما الثاني هو مصطلح الناقدين والمتحفظين والخصوم مع بعض المحايدين.
وشخصيا أريد أن اصطلح على الإسلام السياسي مصطلح «الإسلامسم» أو «الإسلامستية». ففي اللغات الأورپية هناك اختلاف بين «islamic» و«islamist»، كما هو الفرق بين «social» و«socialist»، وبين «national» و«nationalist». وعندما نتكلم عما يصطلح عليه بـ «islamic» سنقول «إسلامي» وعندما نتحدث عما يصطلح عليه «islamist»، سنقول «إسلامست»، وهكذا بالنسبة لمصطلح «islamite» سنقول «إسلام» وبالنسبة لـ «islamism» سنقول «إسلامستية» أو «إسلامسم».
إذن هذا الذي اصطلح عليه بالصحوة الإسلامية سأصطلح عليه «الإسلامسم»، مع أني وفقا لهذا التمييز يمكن أن أعتبر نفسي إسلاميا، ولكني بالتأكيد لست إسلامستيا، مع إن الأول يلتقي تماما مع الديمقراطية والعلمانية والليبرالية والوطنية، هذه كلها التي اعتبرها إسلامسم الثمانينات سبة إذا أطلقت على أحد، كما شاع في ثقافة الثورة (الإسلامية؟) الإيرانية، فمصطلح «الديمقراطية» رفضت الثورة (الإسلامية) استخدامه، وشاعت فكرة رفض الديمقراطية على أنها تعني حاكمية الشعب التي تقف بالضد من حاكمية الله، وواضح الخلل في هذا الفهم، ولو إن معالجة الخلل لن يكون في هذه المقالة. وكذلك اعتبر استخدام «الفيدرالية» خطا أحمر يمثل تجاوزه تجاوز ثوابت الثورة، ومن هنا عندما طرح مرجع كان من رموز الثورة هو شريعتمداري ترجيحه للفيدرالية لإيران باعتبارها بلدا متعدد الشعوب، قمعته الثورة بفرض الإقامة الجبرية حتى وفاته متهمة إياه بالتآمر عليها، كما وفدت الشاحنات إلى بيته لتفرغ نسخ (الرسالة العملية) أي كتاب الفتاوى الصادر منه الذي يقتنيه مقلدوه ليعرفوا حكمهم الشرعي في القضايا موضع الابتلاء، لتفرغ أعداد هائلة من هذه النسخ أمام باب بيته، تعبيرا عن تخلي مقلديه عن هذا التقليد، لأنه بمطالبته بالنظام الفيدرالي كان قد خرج عن ذوق قائد الثورة الخميني. أما مصطلح «العلمانية» فشاع عنه وما زال شائعا أنه يعني معاداة الدين والترويج لللادينية والعمل على نشرها في المجتمع. وبالنسبة لـ «الليبرالية» فقد اعتبرتها الثورة أنها لا تعني إلا التغرب، أي الدعوة إلى تبني الفكر الغربي، وكان الغرب يعتبر في ثقافة الثورة بمثابة الشيطان الذي يقود حملته وحربه السياسية والثقافية ضد الثورة (الإلهية). وحتى لفظة «الوطنية» كانت تعني سبة لمن يطلق عليه انه ينتمي إلى الخط الوطني المعبر عنه بالفارسية بـ (مليت)، ولذا سرعان ما طرد أبناء الثورة من الوطنيين، باعتبارهم يمثلون خط الانحراف عنها والخطر عليها، وسرعان ما خرجت الجماهير الـ (حزبُ/اللهِ/ـيَّة) لتنزل لوحات اسم واحد من أطول شوارع طهران التي سميت باسم الرمز الوطني د. مصدق، ليكون اسم الشارع بدلا من ذلك (خيابان ولي عصر) أي شارع ولي العصر. وحتى الإسلاميون العراقيون تأثروا بشكل كبير بهذه الثقافة، إضافة إلى ما كانوا متأثرين به بثقافة حركة الإخوان المسلمين، والتي أصفها بـ (ثقافة عقدة المصطلح)، بحيث استـُصحِبَت هذه العقدة إلى وقت التحالفات وإقامة مشاريع المعارضة مع القوى العلمانية، فكان عندما تذكر عبارة «القوى السياسية الوطنية» يضاف إليها «والإسلامية» أو بتقديمها على الأولى بقول «القوى السياسية الإسلامية والوطنية»، أو يجري التمييز بين «القوى الديمقراطية» و«القوى الإسلامية». وكأن من يكون ديمقراطيا لا يمكن أن يكون إسلاميا، وكذلك من وطنيا لا يمكن أن يكون إسلاميا، وبالتالي لا يجوز نعت الإسلامي نفسه أو قبوله بأن ينعت من الآخرين أنه «ديمقراطي» أو أنه «وطني».
وسأفرد إن شاء الله مقالة لشرح هذه المصطلحات أي «الديمقراطية»، «العلمانية»، «الليبرالية»، و«الوطنية»، لأزيل اللبس الحاصل بتعارضها مع الإسلام؛ نعم هي تتعارض من الإسلامسم، ولكنها بكل تأكيد لا تتعارض مطلقا مع الإسلام، لاسيما إذا ثبت لنا أن الإسلام هو إسلام مدني متنور منفتح حضاري مرن ديناميكي عقلاني إنساني. وإذا ثبت لي بأن الإسلام دين لا مدني، لا حضاري، لا عقلاني، لا إنساني، فسأكون أول المهتدين إلى صراط الارتداد المستقيم. ولكني حسب فهمي للإسلام الذي أؤمن به، أنه منسجم مع ما ذكرت غير متنافر معه، ملتق غير متفارق أو متقاطع.
الإسلامسم ولد عربيا مصريا سنيا، وانتشر مسلمينيا سنيا، وعندما انتقلت عدواه إلى أوساط الشيعة، فانتموا إليه ابتداءً، ثم أسسوا «حركة إخوان المسلمين» (الشيعية) الأولى، والتي أسموها بـ «حزب الدعوة الإسلامية»، والتي اقتدت بـ «حركة الإخوان المسلمين» الأصلية أي السنية، فاعتبرت نفسها عالمية أو أممية، فكانتا (الإخوان) و(الدعوة) بمثابة (الحركة الماركسية/اللينينية/الستالينية الإسلامية)، إحداهما السنية والثانية الشيعية. فكان مركز التأسيس للدعوة هو النجف الأشرف، ومناطق الانتشار سُمِّيَت بـ «الأقاليم»، مقابل مصطلح «الأقطار»، الذي استخدمه الفكر القومي العربي أو (العربسم) الناصري/البعثي، فكان لحزب الدعوة قيادة عامة تعنى بقيادة كل الأقاليم، وقيادات للأقاليم، وأهمها «إقليم العراق» بلد التأسيس والانطلاق، و«إقليم الكويت»، و«إقليم إيران»، وكان من رموزه محمد علي التسخيري وآخرون، كما كان علي خامنئي مرشحا للمفاتحة، وكان المكلف بمفاتحته محمد مهدي الآصفي، وكذلك كان هناك «إقليم أفغانستان»، و«إقليم لبنان» الذي تحولت قيادته إلى حزب الله اللبناني جغرافيا، والإيراني تأسيسا وتوجيها وتوجها وولاءً. ومع الثورة الإسلامية في إيران جرى فورا حل تنظيم «إقليم إيران»، خوفا من أن يرى الإيرانيون فيه طرحا يتقاطع مع توجهات الثورة وقيادتها، وبالتالي يؤثر ذلك سلبا على علاقة الإيرانيين بحزب الدعوة العراقي الذي اضطر أن يهاجر بقيادته وقيادييه وجل كوادره ويتخذ من إيران ساحة مواجهة ضد نظام صدام، وجاء هذا الحل خوفا من غضب الإيرانيين، لاسيما أن الثوار الإيرانيين بادروا بقيادة الشهيد بهشتي ومباركة الخميني بتأسيس حزبهم «الحزب الجمهوري الإسلامي»، الذي جرى تجميده ثم حله بعد سنوات بعد فشله ومحاربة خصومه له الرافعين لشعار «جماهير حزب الله» لا كتنظيم كما هو الحال في لبنان لاحقا، بل كلون من ألوان حرب الشعارات، باعتبار أن الحالة الجماهيرية الحِزبُ/اللهِ/ـيَّة هي الأقرب إلى ذوق الإمام قائد الثورة (رَهبَرَ إنقلاب)، رغم دعمه ومباركته للحزب الجمهوري. وسرعان ما بدأ الإسلامستيون الإيرانيون يحاربون حزب الدعوة الإسلامية العراقي، لعدم خضوعه خضوعا أعمىً ومطلقا بالثورة ورجالها، فراحوا يؤسسون هم أحزاب الإسلامسم الشيعي حيث تواجد الشيعة، فأسسوا «حزب الله» في لبنان، و«المجلس الأعلى للثورة الإسلامية» للعراقيين في إيران، و«حزب الوحدة الإسلامية» الأفغاني. فجرى حل كل من حزب الدعوة الإسلامية لكل من إقليمي لبنان وأفغانستان، بينما لم يفلحوا حل حزب الدعوة الإسلامية العراقي، بالرغم من محاولات كاظم الحائري (فقيه الدعوة حينئذ)، وفي وقت لاحق محاولات محمد مهدي الآصفي (الناطق الرسمي للدعوة لسنوات طويلة ولغاية استقالته)، بالرغم من محاولاتهما ومحاولات آخرين من المندكين في المشروع الإيراني كعبد الحميد النجدي وفؤاد المقدادي وغيرهما، أو من غير المندكين عن قناعة بل المعولين على الدعم الإيراني أمام الحملة التي لم تقتصر على الدعوة في إيران، بل شملتها في الكثير من مناطق تواجدها في الدول العربية كالكويت والإمارات وعُمان، وكذلك بالرغم محاولات رموز التنظيم الذي انفصل لاحقا عن التنظيم الأم، ودخل العراق مع من دخل بنفس الاسم مع تذييل معروف، وهو يحمل معه دستورا لما أسماه بـ «دستور دولة العراق الإسلامية»؛ لم تفلح هذه المحاولات المستميتة كلها من أجل ربط حزب الدعوة بعجلة الولاية الإيرانية بعنوان «ولاية الفقيه»، إذ كما كان من لوازم العربسم التسنن، كان من لوازم الإسلامسم الشيعي الجديد المنعوت بولاية الفقيه، من لوازمه إيرانية القيادة العالمية ووجوب خضوع شيعة العالم كلهم لها، وجاءت هذه المناعة النسبية ولكن الكبيرة أمام تذويب الحزب وتركيعه إيرانيا، هو أن نـَفـَس أعضائه بنسبة التسعين بالمئة كان نـَفـَسا عراقيا، وكانوا ذوي وعي نقدي إلى حد ونسبة على غيرهم، حتى في فترة الولاء شبه المطلق للثورة وقائدها وحتى لمبدأ ولاية الفقيه، لكن كان لهم فهم آخر لولاية الفقيه لا يرقى إلى درجة الإطلاق والغلو الإيرانيين، والذي تبناه من الإسلاميين العراقيين أولئك المندكون في الثورة والذين حاربوا الدعوة برفع التهمة الخطيرة في حينها وهي تهمة مخالف ولاية الفقيه وتهمة أن خط الحزبية يمثل خطا يتقاطع مع خط العلماء. ومع هذا استطاع الحزب أن يصمد أمام كل الضغوط والمحاولات، وأن يحتفظ باستقلالية كبيرة وإن بقيت نسبية، دون أن يعني ذلك أن بعض القياديين نسقوا مع الإيرانيين بدرجة لا تروق لمعظم أعضاء الحزب (الدعاة حسب مصطلح الدعوة)، لأن 90% منهم هم من أصحاب الموقف الناقد للتجربة الإيرانية والرافضين للانقياد للإيرانيين، والمتأذين من ممارساتهم التعسفية تجاه عموم العراقيين وتجاه الدعوة و(الدعاة) بوجه خاص. ولكن للأسف استطاعت قيادة الدعوة أن تفرض نهجا بخلاف الـ 90%، لا أعني بالارتباط بإيران حاشا لها، ولا أعني أيضا أنهم انتهجوا نهج التطرف أو قل التشدد، إلا أنهم نسقوا بأعمق ما يكون عليه التنسيق مع المتطرفين والمتشددين والمنفذين للأجندة الإيرانية، وراح بعضهم خلاف توجه جل الدعاة يتنافس في كسب الدعم الإيراني، ويعمل على زحزحة من كان معنيا أو متهما بذلك التنسيق، ليقنعهم، بأن التنسيق معه أجدى. ومع هذا فيبقى حزب الدعوة هو الحزب الإسلامي من بين حركات الإسلامسم الشيعي الأبعد عن الانقياد للأجندة الإيرانية، والأبعد عن التطرف، والأبعد عن الطائفية، والأقرب إلى الوطنية العراقية، والأكثر استعدادا للتعاطي مع قضية الديمقراطية، ولو إنه بسبب هيمنة المحافظين من جهة، وخوف الحزب من جهة أخرى من أجواء صخب العواطف الحماسية الملتهبة للإسلامسم الشيعي العراقي، والخوف من تهمة عدم اندكاكه في مشروع المرجعية في النجف، بالرغم من أنه عجز خوفا من عامل الضغط الخارجي، العام من حماس الشارع، والخاص من تشدد الحلفاء الإسلامستيين من جهة، وانقيادا لعامل الضغط الداخلي من جراء هيمنة النهج المحافظ على القرار من جهة أخرى، عن بلورة نظرية ديمقراطية على ضوء فهم إسلامي شرعي، باعتبار الشرعية بمعناها الديني تمثل شرطا أساسيا من شروط عمله، إلا أنه يبقى الأقرب للتعاطي مع هذه المعطيات، ولكن بعض قيادييه يعتقدون بلاشرعية الديمقراطية إلا بعناوين ثانوية. ومن هنا ورغم الملاحظات فحزب الدعوة مرشح لانتزاع نفسه، أو أن يساعد من أجل انتزاع نفسه من الائتلاف الذي انضم إليه، ليقوم بخطتين للإنقاذ، خطوة التوحد مع الحزب الإسلامي العراقي، تجاوزا للتخندق الطائفي، وخطوة التحالف الانتخابي أو البرلماني المابعدانتخابي مع قوى الوسط الوطنية الديمقراطية المعتدلة.
نرجع إلى الحلقات الثلاث المتمثلة زمنيا بسنوات التأسيس 1928 ، 1957 ، 1979، والمتمثلة أحداثيا بثلاثة أحداث، هي تأسيس (الإخوان)، فتأسيس (الدعوة)، فانتصار ثورة إيران وقيام جمهوريتها الولافقيهية. فإذا كانت الحلقة الأولى مهمة باعتبارها حلقة التأسيس الأولى للإسلامسم المنظم، إلا أن هذا الإسلامسم وما تبعه من حلقة مكملة على المستوى الشيعي بتأسيس الدعوة، إن كلا حركتي الإخوان السنية والشيعية، الأصلية والنسخة المستنسخة، المصرية التأسيس والعراقية التأسيس، الأزهرية والنجفية بقيتا نخبويتين، ولم تستطيعا الامتداد جماهيريا إلا بشكل محدود، حتى تحول الإسلامسم إلى دولة في طهران تقودها العمائم والجبب عام 1979.
نعم حتى الإسلامسم السني، بل حتى الطائفي منه والمتحسس من إيران، فقط بسبب شيعيتها، ولاسيما الإسلامسم الشيعي مدين لثورة إيران في انتشار ما أسموه بالصحوة الإسلامية، وإنما هي البلوة الإسلامية، لأنها تحولت إلى بلاء ووبال على الإسلام، وعلى الأوطان وعلى السلام والتعايش العالمي، وعلى قيم ومثل الإنسانية والعقلانية التي تمثل جوهر الإسلام، أو ما أسماه البعض بالإسلام المدني في مقابل الإسلام الأصولي أو الإسلام السياسي أو الإسلام المحافظ، وهو أي الإسلام المدني، أو ما أسميه بإسلام الجوهر ما ينعته البعض أيضا بالإسلام التنويري.
وحتى في مرحلة ولائي للثورة الإيرانية التي كنت أسميها بالإسلامية، وأعني مرحلة الولاء والتأييد الناقد، لطالما كنت أمتدح الثورة في أنها صاحبة (فضل؟) على كل المسلمين في بعث (الصحوة؟) الإسلامية، كنت أقول إن الإمام الخميني إنما قام بالخطوة الأولى ببعث هذه الصحوة، وكنت أقول، وقد ذكرت ذلك في سنة من السنين في الذكرى السنوية لوفاة الإمام في المركز الإسلامي الإيراني في هامبورغ، فقلت علينا أن نواصل هذه الخطوة بتحويل الصحوة إلى وعي، وكنت أشقق وأنظـّر للفرق الكبير والمسافة الشاسعة بين الصحوة والوعي، فأشبِّه الصحوة بمن أوقِظ بخضّة قوية من نوم عميق، غاية في العمق، فيصحو من نومته فزعا مرتبكا، لا يدري أين هو، وفي أي وقت من النهار أو الليل هو، وكم من الساعات، أو لعله الأيام، كان قد استغرق في نومه الطويل. فبهذا كنت أمارس النقد المبطن، ويظن الجمهور الموالي بعاطفية وحماس وسطحية أني أمارس مديحا، إلا أنه مديح مُفلسَف لا يتفاعل معه كثيرا لصعوبة استيعاب الفكرة، ولذا لم يكونوا يفقهون ما أعني، ومن أجل أن أرضي هذا الجمهور ذا الولاء العاطفي، لاسيما لمن يمكن أن يفطن للنقد المُستبطـَن، كنت أتدارك، بقول إن الصحوة هي خطوة مهمة ومتقدمة جدا على السبات العميق، الذي كانت الأمة غارقة فيه.
واليوم أقول يا ليت هذه الصحوة الجنونية لم تحصل ولم تكن. ولكن من يدري، وحسبما قال لي صديق إيراني قديم عملنا سوية أنا وإياه على خط الولاء لإيران الثورة الإسلامستية لسنوات عديدة، ثم تحولت إلى ما تحولت إليه، فوجدته في أول لقاء جمعني معه بعد سنوات طويلة لم أكن قد التقيته فيها، بسبب ابتعادي عن الإيرانيين، ثم عودتي إلى العراق بعد سقوط الطاغية، فوجدته يقول «كان لا بد أن تقوم جمهورية إسلامية، ونمر بتجربة دولة ولاية الفقيه، وإلا لما كنا قد وصلنا اليوم إلى قناعة أن الدولة الديمقراطية العلمانية التي تفصل بين الدين والدولة هي الأحفظ للإسلام وللأوطان».
نعم ربما تكون هذه الصحوة الإسلامستية الجنونية هي مقدمة لردة عنها، لا عن الإسلام، بل عنها وعن الإسلامسم، ومن ثم ولادة صحوة جديدة هادئة غير صاخبة، واعية غير متخلفة، عميقة غير سطحية، جوهرية غير شكلية، ديناميكية غير متحجرة، مدنية غير أصولية، منفتحة غير منغلقة، تؤمن بحقوق الإنسان كلها وبالديمقراطية، لا تتهرب منهما ولا تتاجر بهما مضطرة ومتكتكة وغارقة في الازدواجية الثقافية والباطنية السياسية، صحوة جديدة مؤمنة وملتزمة بحقوق الإنسان وبالديمقراطية بلا قيود، باعتبارهما يمثلان عقدا اجتماعيا ذا إلزام أخلاقي وإنساني، وبالتالي ذا إلزام ديني، فيما هو الدين في جوهره وأسسه التي تنسجم مع مثل الجمال والحب والسلام والإنسانية.
عندها سيكون الإنسان متدينا على المسيحية أو البوذية أو اليهودية أو الصابئية المندائية أو الإيزيدية أو البهائية أو الأحمدية أو الزرداشتية المجوسية، أو الديانة الطبيعية غير الوحيوية، أو العلمانية الليبرالية، أو حتى اللادينية العقلانية غير المعادية للدين، ويكون أي هذا الإنسان الجديد عاملا عملا صالحا إنسانيا. وعندها سنملك كمسلمين مؤمنين بالإسلام أن ندعو له بالحكمة والموعظة الحسنة، كما يملك المسيحي واليهودي والبوذي وغيرهم نفس الحرية في بلادهم وبلادنا على حد سواء، مما يتطلبه التعامل بالمثل، الذي هو شرط العدل، والذي هو أي العدل أساس إسلام الجوهر الأخلاقي، هذا الأساس الأساسي والضروري والواجب شرعا وعقلا، كما هو أي التعامل بالمثل شرط العمل بمبدأ المساواة في الحقوق، كمبدأ لازم للعقد الاجتماعي الوطني، والعقد الإنساني العالمي، لأن مبادئ العقلانية ومثل الإنسانية وشروط الإسلام كلها تلزمنا بلوازم العقود، فمن غير الالتزام الثنائي - لا الأحادي -، لا يكون تعايش سلمي، ولا تكون عدالة.
أما متزعزع الثقة بإسلامه، أو المتحول إسلامه إلى جزء من ذاته التي يتعصب لها، وليس لإسلامه، فهو وحده ومن على شاكلته، هو الذي سيظل مستغرقا بأحكام الردة والجزية ورفض حاكمية الشعوب، متوهما أنها تتقاطع مع حاكمية الله، فسيبقى في أصوليته وجموده ولاديناميكيته وإسلامستيته، وسيبقى ديناميتا يفجر جوهر الإسلام الجميل والإنساني من داخله، متوهما أنه بهذه التفجيرات من الداخل يحمي جدران الإسلام الخارجية من أن تنال منها بالخدش معاول الخصوم الوهميين، ولا يدري أنه الخصم الأشد ضراوة وضررا وتخريبا وإفسادا على إسلام الروح والجوهر، وذلك من حيث لا يشعر، أو البعض لعله من حيث يشعر، ولم يدرك أن المعاول الخارجية قد تخدش الجدران، ولكن انفجارات الديناميت الداخلي تهدد أصل وجدود الإسلام، لولا إيماننا بقوله تعالى: «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون».
والذين ما زالوا جامدين على أحكام الحد على المرتد، سواء المرتد الفطري أو المرتد الذمي، دون وعي أن هذه الأحكام من المتغيرات بتغير الزمان والمكان، ودون وعي أن للأحكام الإسلامية شكلا متغيرا من جهة، وجوهرا ومبادئ ومنطلقات وقواعد ثابتة من جهة أخرى. وعلى ذكر المرتد، فإني لا أشك أبدا بضرورة العدل الإلهي والرحمة الإلهية - فكلاهما عندي واجبان عقليان، وبدليل عقلي، وليس العدل وحده -؛ لا أشك أن الله سبحانه وتعالى ليُحِبُّ ويُثيب الكثيرين من المرتـَدّين، ويمقت الكثيرين من الملتزمين التزاما أعمى جامدا وشكليا، ذلك إذا كان المرتد قد ارتد لشبهة أن الدين يتقاطع مع مثل وقواعد ومبادئ الإنسانية والعقلانية والعدالة، ولفرط حبه لهذه المثل والقواعد والمبادئ، يرتد عن الدين الذي يُصَوَّر له أنه يريد هدم أركان الإنسانية والعقلانية والعدالة والحب والجمال والسلام، فينفر مما لا يحبه الله ويلجأ إلى ما يحبه الله من حيث المبدأ والمنطلق، ومن حيث الرؤية الخارجية لا الحقيقة الواقعية، فيغفر بذلك له الله ارتداده هذا، بل لا أستبعد أن يحسبه له اهتداءً وتقوىً يثيبه عليهما أيما إثابة، بينما سيعاتب ويحاسب كل من ساهموا في عرض الدين بهذه الصورة المقيتة التي اضطرت أصحاب الفطرة الإنسانية السوية إلى الارتداد عن هذا الدين ليبحثوا عن جوهر الدين الحقيقي في إنسانيته وعقلانيته وعدالته خارج المقولات الدينية، لأن أصحاب الدين كانوا على الدين شـَيْنا ولم يكونوا له زيْنا، ولأنهم رفعوا الرفق عنه فشانه وقبَّحه، فأعرضوا بذلك عن وصايا أئمة أهل البيت (ع) أن «كونوا لنا زينا [لا لأشخاصنا بل لإسلام الجوهر الذي نحن حملته ورموزه] ولا تكونوا علينا شينا»، كما وأعرضوا عن قول النبي الأكرم (ص) «ما جُعِلَ الرِّفقُ على شيءٍ إلا زانـَه [وجمَّله وحبَّبه إلى النفوس وجَذبَها إليه]، وما رُفِعَ [الرفق] عن شيءٍ [واستـُعيضَ عنه بالضرورة والملازمة بالعُنف] إلا شانه [وقبحه وبَغـَّضه إلى النفوس ونـَفـَّرها منه]».
وآخر ما أختم به كلامي هو سيمفونية الوجود والجمال اللامتناهي الذي تسبح في فضاءاته روحي منبهرة ومستمتعة ومتلذذة بجمال ما خلق الخالق، سبحانه من مبدع ومن ملهم لكل المبدعين، ومن أستاذ لكل الفنانين، وهي تعيش نشوة الطرب على ترنيمات ذرات الوجود، أن الحمد لله رب العالمين، وإله السلام، وخالق الحب والرحمة والجمال.
19/01/2007
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::