ثورة إسلامية تصحيحية من الداخل

ضياء الشكرجي

 

نحتاج مجددا إلى ثورة إسلامية

لكنها هذه المرة ثورة إسلامية من نوع جديد

ثورة إسلامية ليس على الواقع الخارجي

بل على الواقع الداخلي

ثورة إسلامية من داخل الواقع الإسلامي على الواقع الإسلامي نفسه

ثورة إسلامية من داخل الواقع الإسلامي المنتزِعِ نفسَه من الواقع الإسلامي

ثورة إسلامية يبقى يهمها ولكن ليس بالدرجة الأولى دعوة غير المتدين إلى التدين

ثورة إسلامية لا يهمها بالدرجة الأولى التحديات الفكرية من خارج الفكر الإسلامي

بل تصحيح المنظومة الفكرية من الداخل

ثورة إسلامية ليس في رأس سلم أولوياتها تحويل الواقع اللاإسلامي في المجتمع المسلم إلى واقع إسلامي

بقدر تغيير الواقع الإسلامي بكل سوء الفهم المتراكم عن الإسلام

وبكل سوء الأداء في تطبيق وعرض الإسلام

ثورة تعلـّم المسلم كيف يكون زَيْنا لإسلامه ولا يكون شَيْنا عليه

كيف يكون داعية صامتا إليه .. داعية بغير لسانه قبل أن يكون داعية بلسانه

تعلـّمه كيف لا تكون كلمته صاخبة حتى عندما يدعو بلسانه، بل أن تنساب الكلمة الطيبة .. الكلمة الجميلة .. الكلمة الرقيقة .. أن تنساب هادئة إلى قلوب وعقول الآخرين .. دون رعب .. دون تعسف

كم نحن بحاجة إلى ثورة إسلامية جديدة

لا نريدها ثورة إسلامية مسلحة

ولا ثورة إسلامية صاخبة

ثورة تحول كلمة "لا إله إلا الله" وكلمة "ألله أكبر" من هتافي رعب صاخبَين

إلى ذكرَين تطمئن بهما القلوب "ألا بذكر الله تطمئن القلوب"

ثورة تعلـّم أبناءها كيف يطلقون كلمة الإسلام التي تُطَمئِن القلوب ولا تُرهبها وتُرعبها

نحتاج إلى ثورة إسلامية سلمية

ليست ثورة صاخبة

بل ثورة هادئة وقرة

ليست ثورة مرعبة

بل ثورة مُطَمِْئنة

ثورة إسلامية ليست سياسية بالدرجة الأولى

بل ثقافية فكرية وأخلاقية

ثورة إسلامية لا تستعجل قطف الثمار

بل تزرع للقرون المقبلة

لأربعة عشر قرنا مقبلة تصحح تراكمات الأربعة عشر المنصرمة

ثورة إسلامية لا على الغير بل بالدرجة الأولى على الذات

على الجهل

على الدين المتحول إلى مادة مخدرة للشعوب

على الدين المتحول إلى خرافة تعشعش في عقول الشعوب

على الدين المتحول إلى عنف مرعب للشعوب

على الدين الذي يريد أن يحكم لا بما أنزل الله بل بما أنزلت العصبيات والخرافات والموروثات

على الدين الذي يلغي الألوان فلا يرى الأشياء إلا سوداء أو بيضاء

لنكتشف من جديد الدين الذي ينفتح على كل الألوان ويستوعبها

نحتاج إلى ثورة على الدين الذي يجعل العقدة من الآخر عبادة

والإقصاء للآخر تقوى

وإغلاق العقل والقلب تجاه الآخر أصالة

وإرهاب وإرعاب الآخر قوة في ذات الله

ثورة على الدين الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بالعصا وبالأسلوب المنكر

على الدين الذي يدعو إلى سبيل عصبياته ظانا أنه سبيل ربه لا بالحكمة ولا بالموعظة الحسنة

بل يدعو مُنفّرا غير جاذب بعد أن يكون قد قتل الحكمة والموعظة الحسنة

ثورة تحتاج إعادة قراءة "فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك"

بعدما قرئت من الكثيرين "فبما فضاضة وغلظة قلب من نفسك قسوت عليهم ولو كنت رحيما لينا لانجذبوا إليك واجتمعوا من حولك"

فرأى القارئون الجذب انحرافا والتنفير أصالة

رأوا الرحمة واللين ضعفا والفضاضة والغلظة قوة في ذات الله

ثورة على دين المتدينين الذين لم يعوا روح التدين

ليحل محله دين الله .. دين الرحمة

دين السلام لا دين القتال

دين المحبة لا دين البغض

دين الانفتاح لا دين الانغلاق والتحجر

دين الاعتدال لا دين التطرف والغلو

نحتاج إلى ثورة تصحيحية

تنفض الغبار المتراكم على معدن الإسلام عنه

وتُجلي عنه الصدأ

فتزيل عنه فقه وفكر وعنف السلطة المتراكم عبر عشرات القرون

وتزيل عنه خرافات العامة

وتزيل عنه تطرف ما يسمى بالحركات الإسلامية الثورية أو الأصولية أو الأصيلة

لا نريد إسلاما يكتبه لنا الغرب

ولا إسلاما يكتبه لنا الإسلاميون المتطرفون

أو الفقهاء السلفيون

أو العلماء التكراريون

أو المجتهدون المقلدون في اجتهادهم

بل نريد إسلاما من صياغة الإسلام نفسه

إسلاما يعيد صياغة نفسه بقراءة ذاتية متجددة من غير انسلاخ عن أصالة أو انحراف عن استقامة

من أجل اكتشافه من جديد

بقراءة قرآنية

لا قراءة الأميين الذين لم يتعلموا بعد هجائية القرآن

الذين أصروا على أميتهم لأنها الصفة التي وصفهم بها القرآن

دون أن يفهموا الفرق بين المعنى الممدوح قرآنيا للأمية والمعنى المذموم قرآنيا لها

واعتقدوا أن الإسلام لحية وجبة ومسبحة ومسواك وعنف وسيف

ونسوا ان الإسلام مكارم أخلاق

وعقل وحكمة

ومودة ورحمة

وعلم ومعرفة

وانفتاح على الآخر بمَرحمةٍ وصَونٍ للحُرَمة .. لا بمَلحمةٍ وسَبْيٍ للحُرَمة

أنه إسلام "لا إكراه في الدين" وإسلام "لكم دينكم ولنا ديننا" من غير تكفير وتحاقد وعداوات

بل بكل احترام وسلام

إسلام يتعايش مع العلمانية .. مع الديانات الأخرى كلها .. مع المسلمين الذين يفكرون على غير شاكلة المتدينين أو الإسلاميين

إسلامُ "إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق" وبلغة العصر "إما أخ لك في الدين أو أخ لك في المواطنة أو أخ لك في الإنسانية"

إسلامٌ من غير سيوف .. من غير دماء .. من غير أكفان .. من غير هتافات .. من غير رعب

نحتاج إلى ثورة تعلـّمنا كيف نصرع الذات بالصبر قبل أن نصرع الخصم بالسيف

أم سيبقى من يعيشون هاجس هذه الثورة التصحيحية غرباء؟

هل كُتب عليهم أن يعيشوا الغربة أبد الدهر؟

فالوسط الخاص ينظر إليهم بريبة وتهمة .. والوسط العام ينظر إليهم بخوف وازدراء

المتحسسون المتعقدون تجاه الإسلام لا يريدون أن يقرؤوهم إلا بعين التعميم والإطلاق

والمتزمتون المتعصبون من داخل دائرة الإسلام لا يريدون أن يقرؤوهم إلا بقراءة ثنائية الألوان وحصرها بالأسود والأبيض

يظلمهم البعض بالحكم عليهم بالتطرف والعنف والعصبية والخرافية وهم أمقت الناس للتطرف والعنف والعصبية والخرافة

ويظلمهم البعض بالحكم عليهم بالتميّع واللاأصالة والتأثّر بالغرب ولعله الارتداد وهم الذين علموا المتعلمين هجائية الوعي الإسلامي الجديد والعودة إلى الأصالة قبل أن يعرف هؤلاء ألفباء هذه المفردات بعد

لكن لا هؤلاء المتهِمون ولا أولئك فهموا أن القضية لا تدور بين الأبيض والأسود

وأن الجمع بين الأصالة والحداثة ممكن

وأن الجمع بين الصلابة والمرونة ممكن

وأن التعايش بين الإسلامية والعلمانية ممكن

وأن الجمع بين الإسلام والديمقراطية ممكن

ولكن أبى أصوليوا العلمانيين وأصوليوا الإسلاميين على حد سواء إلا أن يجعلوا من المُمكِنات مُحالات

ومن الألوان والأطياف لونين لا لون بينهما ولا سواهما

إنهم ما زالوا يشاهدون مشهد الحياة على شاشة سينما العشرينات عندما لم يكن هناك لا فيلم ناطق ولا ملون

بينما الحياة ناطقة ليست خرساء .. ملونة ليست سوداء بيضاء

لكني ولكوني من جيل ما قبل الثورة التي أدعو إليها سرعان ما وقعت في التناقض

قلت ثورة من الداخل على الداخل

وإذا بي أعود لأناقش نظرة الخارج إلينا من جديد

لكن هل من الممكن أن ننفصل عن الواقع؟

لا .. ثم لا .. ثم ألف لا

إذن لا تعني الثورة أن يكون انفصال بين الداخل والخارج أو بين الداخل الثائر المصحح والداخل المغاير المحافظ لحين استكمال شروط الثورة الإصلاحية التصحيحية الداخلية

ثورة إسلامية جديدة

لا بالعنف .. بالرفق

لا بالسلاح .. بالكلمة

بالكلمة الطيبة .. لا النتنة

الواعية .. لا التسطيحية

الحكيمة .. لا العبثية

الجاذبة .. لا المُنفِّرة

المُطَمْئِنة .. لا المُرعِبة

الهادئة.. لا الصاخبة

العقلية.. لا الخرافية

العلمية .. لا المشعوذة

الموضوعية .. لا التعميمية الإطلاقية

المتعايشة .. لا الإقصائية

الرحيمة .. لا القاسية

المتوددة .. لا المتبغضة

المنفتحة .. لا المنغلقة

الأصيلة .. دون تحجُّر

المنفتحة .. دون تميُّع

الكلمة الوسط .. لا الكلمة المتطرفة

الكلمة الشاهدة .. لا المشهود عليها

إني متفائل وتفاؤلي قبل كل شيء بالله

الثورة قادمة

وناجحة إن شاء الله

لا يهم أن تقطع أشواط النجاح في أربعة عشر شهرا

أربعة عشر عاما

أو في أربعة عشر قرنا

المهم أن تبدأ وأن تواصل المسير

 

 الحبيب الشيخ الشكرجي ...... لست وحيدا في ثورتك ولا غريبا

كتابات - محمود الكاظمي

الشيخ ضياء الشكرجي ..

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كما قلت إن الثورة قادمة، وهذا ما أستشرفه، ولا خوف على الأفكار، فالحياة علمتنا أن كل ما هو كان ممنوعا أصبح مسموحا، وذلك بفضل الكلمة الواعية والصوت الجريء، وما الحياة وواقعها بحقها وباطلها إلا افكار جرت على يد الإنسان الملهَم التقوى والفجور، فبالتقوى تتحقق الثورة الهادئة والسعادة، وبالفجور يتحطم العالم والإنسان، وبالكلمة العلمية رقى الإنسان وليس بالخرافة .......... والشاهد "اقرأ" و"علم الإنسان ما لا يعلم".

إني مع ثورتك التي ننادي بها منذ زمن بعيد، ونراها قد تخطت الكلمة إلى الفعل ولو بطيئا، ولكنها سرعان ما سوف تقتحم الجهل والخرافة، ولو بعد أربعة عشر قرنا، فالزمن في عمر الشعوب يعد بآلاف السنين، ولا قنوط،  فلنزرع ليأكل غيرنا عذبا وهنيا مريا.

 

معك، فلست غريبا أنت، ولا فكرك، ولا حتى نفسك، فالله معنا.

 

جوهرة ثمينة أطلقها الشيخ ضياء الشكرجي

كتابات - مالك الحزين

أهنئ الأستاذ الشيخ ضياء الشكرجي على كلمته (الجوهرة الثمينة)، والتي جعل عنوانها (ثورة إسلامية تصحيحية من الداخل)، والتي سلط فيها الضوء على المبهم من المتعارف والمألوف، وكشف ما هو غامض من الأمور، وبدد ما تناقض من فلسفة وأحكام، ولكن ما أراد عسير ٌمنالـُه، وصعبٌ إدراكـُه، إنْ لم يكن مستحيلاً. فنيل الشيخ الجليل ضياء الشكرجي مرامُـه وغايتـُه لا يتـمان إلا بتغيير داخل ما بالنفوس، ولا يتـمُّ هذا إلا ّ بتحرير الفرد من (سيطرة) الآباء والأجداد والعشيرة والقبيلة، وإبعاد رجال الدين عن الخوض في لجج السياسة، وكفِّ أياديهم عن التدخل في شؤون الآخرين، ومنعهم من إصدار الفتاوى الهادرة من كل حدب وصوب، وادِّعاء كلِّ فريق منهم أنه يمـثــِّـل الإسلام، وأنَّ غيره على ضلال مبيـن! ومحاسبة المسيء منهم، وجعل المساجد والجوامع أماكنَ عبادة ووعظ وإرشاد، وليس الشارع َالمسكين! فتحسين الأمور المعاشية والاقتصادية للمجتمع، وجعل كلِّ فرد يفكر في أمور حياته وعائلته، يلعب الدور الهام. فالثورة تبدأ داخل الإنسان لتغيير تفكيره وعاداته، فيشعر بما هو حق له، وما هو واجب عليه، دون دس أنفه في شؤون الآخرين، أو التأثير على حياتهم بأي صورة تكون، وأنْ يكون منصفاً في حكمه دون لومة لائم، وأن يتصرف وفق القانون. أقدر كلمة الشيخ الجليل مرة أخرى، رغم أنها ستقع على أ ُذن ٍموقـرة، كما وقعت كلمات الأنبياء والفلاسفة والحكماء على مدى العصور. 

 

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::