استشهاد الصديق الرائع ثامر العامري
يوم استقرت الرصاصتان الغادرتان في رأسه الكريم، اتصل بي الصديق العزيز الأستاذ حسين العادلي، الذي كنت قد كتبت له رسالة مفصلة حول مشروع التجمع الديمقراطي الذي دعوت إليه. كانت نبرة صوته حزينة، فأخبرني بالفاجعة. ما كان مني إلا أن أردد كالمصعوق «لا .. لا .. لا .. حبيبي ثامر .. لا ..» ولم نستطع لا أنا ولا العادلي أن نطيل الكلام، فأنهينا نداءنا.
ولكوني كنت تحدثت في الأيام الأخيرة التي سبقت استشهاده مع الصديقة مها السماوي عن الراحل الحبيب عدة مرات، وجدتني أكتب إليها كأول من أكتب إليه عن هذه الفاجعة، فكتبت الكلمات أدناه إليها:
لا تستطيعين أن تتصوري كم صعقت عندما اتصل بي الأخ حسين العادلي ليخبرني بالفاجعة.
عملها المجرمون
صديقي وحبيبي ثامر قتلوه.
نزل الخبر علي كالصاعقة.
لم أكن أعرف كم كنت أحبه، إلا عندما أخبرت بقتله.
الكلمات سخيفة، لا تستطيع أن تعبر.
بصراحة لا أدري ماذا أقول.
نعم ثامر العامري ..
رحل ..
مضرجا بدمه.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
رحمك الله حبيبي ثامر،
وانتقم من قتلتك،
وقتلة حيدر الصدر،
وقتلة أحمد الموسوي،
وقتلة كل من فجعنا بهم.
كان رحمة الله عليه من أوائل من استجاب للمشروع الذي طرحته مؤخرا.
ففي اليوم الثاني من نشره،
جاءتني في طليعة الرسائل رسالته.
كتب لي:
الأخ الغالي الأستاذ ضياء الشكرجي المحترم
أبارك لكم هذه الطفرة النوعية في الرؤيا والتشخيص، وأتمنى لكم الموفقية الدائمة، وهذا هو ظني بكم وبهمتكم دائما، وإني أجد من دواعي سروري الانضمام إلى تجمعكم هذا بصفتي الشخصية، واضعا ما استطعت من جهد وخبرة في خدمة عراقنا الجريح المظلوم في الأمس واليوم.
مع خالص شكري وتقديري لإخلاصكم وامتناني لدماثة أخلاقكم.
الدكتور ثامر العامري
مستشار رئيس مجلس النواب العراقي
(انتهت رسالته)
ثم واصلت كتابة رسالتي إلى الصديقة السماوي بالكلمات الآتية، التي انتقلت فيها من مخاطبتها إلى مخاطبة الشهيد بقولي:
ولكنك رحلت قبل أن نبدأ بمشروعك ومشروعي من أجل العراق.
أمثلك يقتل، ويبقى العابثون بمقدرات العراق؟
عفوا .. إني أستسخف الآن كل الكلمات.
لذا أتوقف.
حبيبي ثامر ..
رحمة الله عليك.
أخوك الذي لا يدري متى يلحق بك.
27/09/2007
والغريب أني نسيت إنما أنا موجه الرسالة إلى الصديقة الأستاذة مها السماوي، فختمتها وكأني أخاطبه هو بالعبارات الآنفة التي ختمت بها الرسالة، فحتى توقيعي جاء بعبارة «أخوك الذي لا يدري متى يلحق بك».
ومن أجل إزالة اللبس الذي قد يحصل لدى من لا يعرف فقيدنا الغالي عن قرب، فإن شهيدنا ثامر العامري هو ليس ثامر العامري مؤلف موسوعة العشائر والأنساب، الذي يحمل اسم ثامر عبد الحسن (أو: عبد الحسين) العامري، بل هو د. ثامر عبد علي العامري.
ولد عام 1954، أي بعقد بعد ولادة كاتب السطور، وكان يحمل شهادة الدكتوراه في البايولوجي.
تعرفت عليه بفضل صديقنا الأستاذ حسين العادلي، إذ كان يعمل معه ومع التيار الإسلامي الديمقراطي.
لكنه كان في الآونة الأخيرة مثلي يبحث ويسعى ويتحرك ويسافر ويلتقي ويحاور من أجل تشكيل كيان سياسي وطني ديمقراطي غير مؤدلج لا بإيديولوجية دينية ولا بإيديولوجية وضعية أو أرضية أو بشرية، وغير متأطر بأي إطار من أطر الانتماء المذهبي، أو الديني، أو القومي.
لذا جاءت استجابته وإبداء استعداده للتعاون سريعة وتلقائية ومتحمسة، وتواضعه جعله يتكلم بصيغة الانضمام للمشروع، لا المشاركة في بلورته، كما كان سيكون بكل تأكيد، لمؤهلاته وإخلاصه ونزاهته وحرقة قلبه، ككل الذين استجابوا سريعا، كالصديق العزيز الأستاذ عبد الحسين الهنين، وعدنان مياح وحسن الفرطوسي وريسان السلطان ووسام الزبيدي ومحمد الأسدي، وآخرين سأذكرهم في الوقت المناسب بعد الاستئذان منهم، وبعدما نخطو خطوات في المشروع. عرض رحمة الله عليه استعداده للانضمام، بالرغم من أنه كان يرأس كيانا اسمه «تجمع البيان»، لأنه هو الآخر كان يعيش قلق تأسيس كيان ديمقراطي وطني بالمواصفات التي ذكرت.
الفقيد الرائع كان شديد الهم والاهتمام في البحث عن مخرج من الوضع الكارثي للعراق، وكان يتحدث إلى القريبين منه، وبقطع النظر عن المشروع السياسي الوطني، ببعديه الخاص بتأسيس إطار أو توحيد الأطر الموجودة على ضوء ما ذكرت، والعام أو الأعم بتشكيل إطار تحالفي بين الكيانات ذات المشتركات، وهي أولوية الهوية الوطنية ومركزية المشروع الديمقراطي والابتعاد عن الطائفية السياسية وتسييس الدين وأدلجة السياسة، هذا الذي كان من أكثر ما يشغلنا، وما زال يشغل من بقوا منا، آملين مواصلة الطريق مستمدين من استشهاد حبيبنا العامري روح الإصرار.
كان لرسالتي التي أرسلتها إلى الصديقة مها السماوي وقع عليها لا يقل عما كان عليه وقع الخبر علي، خاصة وإنها كانت في الآونة الأخيرة كثيرا ما تتحاور معه في هموم العراق، وهكذا بالنسبة لكل الذين عرفوا ثامرنا الفقيد الغالي، فقد فجعوا بمقتله، لأننا بحق قد خسرنا به ركنا من أركان مشروعنا الوطني.
أحد مواقع الإرهاب التكفيرية البعثية التي تحمل اسم (ساحات الموصل الأخبارية) قد نشرت الخبر تحت عنوان (عاجل)، وبصيغة بشرى تزفها للتكفيريين، وتبارك لهم اغتيال الشهيد. وقد أوردوا الخبر بالنص الآتي:
وكالة حق – خاص
قتل مسلحون ملثمون بعد ظهر اليوم الدكتور ثامر العامري مستشار رئيس مجلس النواب محمود المشهداني في كمين نصبوه له في منطقة كمب سارة جنوب شرقي بغداد. وقال مراسل وكالة حق في بغداد نقلا عن شهود عيان أن المسلحين كانوا يستقلون سيارة مدنية وهاجموا العامري في طريقه إلى منزله الواقع في حي زيونة المجاور لمنطقة كم سارة، وأمطروه بوابل من الرصاص أردته قتيلا في الحال، فيما تمكن المسلحون بعد تنفيذهم للعملية من الانسحاب من المكان، والتوجه إلى جهة مجهولة.
والغريب في الأمر أن الموقع الإرهابي المذكور أضاف إلى الخبر عبارة باللون الأحمر تزعم فيه أن «المستشار الذي تم اغتياله هو أحد أقرباء هادي العامري مسؤول مليشيا بدر الجناح العسكري لما يعرف بالمجلس الإسلامي الأعلى، وهو عضو في هذه المليشيا والمجلس في وقت واحد».
فهم ليسوا قتلة ومجرمين وحسب، بل إنهم جهلة غارقون في الجهل والأمية، إلى درجة أن من يخططون لقتله وينصبون الكمين ثم يغتالونه، وينشرون فرحين مستبشرين خبر اغتياله، لا يعرفون عنه شيئا، سوى أن لقبه العامري، وأنه شيعي. ويجهلون أنه لم تربطه لا علاقة شخصية ولا سياسية ولا فكرية مع هادي العامري، بل إنه كان يمثل الضد النوعي من هادي العامري وفيلق بدر والمجلس الأعلى والائتلاف، ومن عموم الإسلام السياسي، ومن قوى الطائفية السياسية، سواء كانت شيعية أو سنية، فالشهيد كان يقف على الطرف الآخر المضاد تماما لقوى الائتلاف العراقي الموحد، وبالأخص لقوى الإسلام السياسي التي اعتمدت الطائفية السياسية، وهو رضوان الله عليه كان معارضا لكل الميليشيات، سواء كانت تابعة لشيعة أو لسنة، وكان يحمل مشروعا وطنيا ديمقراطيا لا ينتمي نهائيا إلى مدرسة الأحزاب الإسلامية الشيعية التي أشار إليها الخبر، هذا بقطع النظر عن أن الجريمة تبقى جريمة تجاه أي من الأشخاص ارتكبت، سواء كان من الذين نختلف معهم أو من هم معنا في المشروع الوطني بعيدا عن التطرف والغلو والمزايدة بالدين وعن العنف والارتباط بالقوى الإقليمية التي لها حصة الأسد في تدمير العراق وأحلام العراقيين، لاسيما الطيبين منهم. ثم إننا لا نستطيع أن نجزم أن قتلة الشهيد العزيز كانوا من متطرفي السنة، ولم يكونوا ربما من متطرفي الشيعة.
فإلى رحمة الله ورضوانه حبيبي الصديق الرائع والشهيد المظلوم، وإلى أسرتك الطيبة، إلى زوجتك الكريمة وابنتيك في عمان تعازيّ القلبية، فإنك لم تخسر، ولكننا نحن الذين خسرناك، وقتلتك هم الخاسرون الخسران الأكبر في الدنيا خزيا يلاحقهم، وفي الآخرة انتقام العزيز الجبار.
واطمئن فإن شهادتك ستكون عامل إصرار على مواصلة الطريق رغم كل العقبات.
05/10/2007
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::