التطرف في الإسلام .. أسبابه .. مخاطره .. سبل علاجه
ترجمة لبحث ألقاه الكاتب بالألمانية في مؤتمر "يدا بيد من أجل عالم آمن" الذي نظمته (الرابطة النمساوية العراقية للتنمية) ليومي 21 و22/01/2006 مع إضافات قدمت مكتوبة باللغتين.
البحث
ملاحظة أولية لا بد من الإشارة إليها. عندما أتحدث هنا عن الإسلام، فتارة أعني الإسلام بما هو، وأخرى الإسلام في فهم المسلمين أو الإسلاميين، أو لنقل – واجتنابا للتعميم - في فهم مسلمين أو إسلاميين.
الطائفتان الرئيستان للإسلام اليوم
المسلمون ينقسمون اليوم إلى طائفتين رئيستين. لا أتحدث هنا عن فرقة ناجية وأخرى هالكة، ولا أتحدث هنا عن سنة وشيعة، بل الفرقتان والطائفتان والمذهبان اليوم وفق التقسيم الذي أعنيه هنا هما: مذهب الاعتدال ومذهب التطرف، وأتباع كل من الإسلام المعتدل والإسلام المتطرف.
الإسلام المتطرف أو الفهم المتطرف للإسلام أسس من قبل التاريخ الممتد لقرون، فتاريخ المسلمين هو الذي أسس للتطرف، وإسلام السلطة هو الذي صاغ ثقافة المسلمين لقرون من الزمن، وبالتالي لم يكن الإسلام المتطرف إلا نتاجا إذن لإسلام السلطة.
المطلوب بشكل ضروري اليوم إذن تأسيس معرفة جديدة للإسلام وإعادة صياغة لثقافتنا، أو لنقل اكتشاف جديد للإسلام الحقيقي في جوهره. إنها من غير شك مهمة صعبة ورسالة خطيرة جدا، لأنها تمس المقدسات الموهومة وتراكمات ثقافة موروثة تأسست عبر قرون طويلة.
هذا يمثل رسالة صعبة وخطيرة جدا، لأن هذه العملية الإصلاحية المراد إجراءها تمس المقدسات التي اعتبر لعقود من الزمن الاقتراب منها أمرا محرما.
ملامح التطرف
ومن أجل البحث عن سبل معالجة التطرف، لا بد من تناول الملامح الأساسية لثقافة التطرف الديني:
- بعث وإدامة ثقافة كراهة الآخر.
- توسيع تفسير كل الأحداث على ضوء نظرية المؤامرة.
- ثقافة الاستغراق والمبالغة بالتغني والتباهي بالأمجاد الماضية.
- التعاطي عمليا مع غير المعصومين من شخصيات دينية تاريخية ومعاصرة على أنهم معصومون. وهذا يقود إلى حرمة النقد تجاه المواقف السياسية للمراجع الدينية وسائر علماء الدين، بحيث يعتبر مثل هذا النقد بمثابة مساس بالثوابت والمقدسات وانحراف عن الدين. والمثال التأريخي لإضفاء العصمة عمليا على من تدعى عصمتهم نظريا هم الصحابة والخلفاء سنيا، بينما المثال المعاصر مراجع التقليد شيعيا.
- تركيز درس الدين على ثقافة الانتصارات في الحروب والفتوحات والغزوات، مع إهمال لمبادئ الأخلاق والإنسانية والعقلانية، وأهمية معاني السلام والحب والتسامح.
- شيوع تدين الازدواجية، والاقتصار على فهم الدين من زاوية واحدة على ضوء الفهم الشعبي للتدين، تدين القشور لا الجوهر، والمقتصر على العبادات وما شابه ذلك، مع إهمال لجوهر التدين. وتكون النتيجة لذلك أننا غالبا ما نرى تدين المصلي الخاشع في صلاته والمحتال والغشاش والنصاب في معاملته التجارية، والممارس للفساد الإداري كموظف دولة، والمتعسف بديكتاتورية مقيتة في تعامله مع زوجته وأسرته، ونرى ازدواجية الإسلامي الذي يريد أن يغير الواقع على ضوء الإسلام، ويمارس الخداع السياسي والمتاجرة بالدين لتحقيق الربح السياسي، والمزايدة بالمقدسات الحقيقية والموهومة على حد سواء، ويكذب ويتهالك على المناصب، ويخاصم من أجل ذلك، والواعظ الذي يعظ الناس، ومواعظه تشكو منه.
الغرب والتطرف الإسلامي
بعدما كنت أشتم وألعن الغرب بسبب موقفه السلبي من الإسلام، ولما يقوم به من تطويق للمشروع الإسلامي، أصبحت اليوم أتفهم تماما لمخاوف الغرب من الإسلام السياسي، ولموقفه من الحالة الإسلامية، وبالتالي أتفهم لمعظم الإجراءات المترتبة على هذه المخاوف، لما قدمناه من صورة مرعبة ومقيتة ومنفرة عن الإسلام، كما وأتفهم لمعظم الإجراءات الوقائية التي يتخذها الغرب على ضوء تلك المخاوف المشروعة، وكذلك أتفهم تماما لخوف العلمانيين داخل العالم الإسلامي، مع إني أميز - كما هو الحال مع الإسلاميين - بين العلمانيين المعتدلين والعلمانيين المتطرفين.
التطرف .. مخاطره أسبابه .. علاجه
التطرف عموما والتطرف الديني على وجه الخصوص يمثل من غير شك عامل هدم ومصدر خطر جدي على:
- السلام الداخلي في داخل كل من المجتمعات الإسلامية نفسها.
- التعايش السلمي بين الشعوب والأمم والأديان والحضارات في العالم.
- وليس آخرا على الإسلام نفسه والمسلمين أنفسهم.
والتطرف يقف على طرف النقيض من الدين والأخلاق والعقلانية، ويمثل انحرافا عن وسطية الإسلام؛ هذه الوسطية التي تجسد الاستقامة والعدل وبالتالي دور الشهادة وفق التصور القرآني. إذن فالإسلام هو الاعتدال والوسطية، بينما يمثل التطرف مرضا نفسيا أو ذهنيا، ومن هنا فإن المتطرفين إما هم المعقدون والمرضى النفسانيون، وإما هم الأغبياء والحمقى، ولا يمكن اعتبارهم متدينين بالمعني الصحيح للتدين.
وإذا قلنا أن الإسلام – إذا ما تأملناه جيدا – إنما يعني الاعتدال والوسطية والعقلانية والسلام، فإن هذا لا يمكن أن يجري التعرف عليه، ما لم يتعرف على الإسلام في الجوهر والمضمون والحقيقة، لا في الشكل.
واحد من أهم عوامل التطرف إلى جانب الخلفية التاريخية التي أشير إليها في البداية، هو كونه ناتجا لما يسمى بالصحوة الإسلامية، أي نتاجا للصدمة العاطفية لتوهم اكتشاف الذات أو اكتشاف الهوية، مما انعكس على شكل أصولية وتطرف.
من أهم شروط إنجاح مشروع الإصلاح الإسلامي باتجاه إعادة الاعتدال إليه تكمن في تجاوز المسلمين لحدود المذهبية وخلق أرضية مشتركة لجميع العقلاء والمعتدلين والديمقراطيين ومحبي السلام والديمقراطية، وبعبارة أخرى تأكيد تلاقي التنوع المذهبي على الأرضية الموحدة لمذهب الاعتدال.
الإسلام السياسي والديمقراطية
هنا أحب الإشارة إلى عدة حقائق ينبغي أن يضعها المرء أمامه:
- إننا نرقب بشكل خاص منذ مطلع الثمانينات حالة نمو لظاهرة التدين المطبوع بقوة بطابع سياسي في أوساط المسلمين في جميع أنحاء العالم، وهو ما عرف بالإسلام السياسي، أو ما يسميه أصحابه بالصحوة الإسلامية أو بالإسلام الحركي.
- هذا الواقع، واقع الإسلام السياسي يختزن أو يمارس فعلا التطرف أو أقله التشدد.
- إن التشدد وإن كان لا يرقى إلى مستوى التطرف، إلا أنه لا يبتعد عنه كثيرا، والدرجة التالية للتطرف هو العنف ويليه الإرهاب، وإن كلا من التطرف والتشدد يمثلان خطرا على العملية السياسية وعلى السلام وعلى الإسلام نفسه.
- المعتدلون ينقسمون إلى معتدلين في العمق وعن قناعة ذاتية، وإلى معتدلين من موقع الاضطرار، وإن كان الاستجابة لما أسميته بحالة الاضطرار يمثل لونا من ألوان النظرة الواقعية المعبرة عن شيء من العقلانية، هي أفضل من التطرف المقترن بالإصرار والمكابرة، إلا أن ذلك كما هو بين لا يخلو من درجة أو أخرى من الازدواجية.
- معالجة التطرف تكمن بشكل أساسي التعرف على جذوره في الفكر الإسلامي السياسي المعاصر، من أجل الانطلاق من هناك في عملية العلاج والإصلاح.
- ولكن الفكر السياسي الإسلامي لا يجري إصلاحه ولا يعالج حق المعالجة، ما لم يجر بلورة نظرية واضحة وشاملة للديمقراطية تستند على أرضية فهم شرعي متين القاعدة وموقف شرعي واضح للإسلام منها. لأن هذه المعالجة النظرية وبلورة نظرية إسلامية لشرعية الديمقراطية، هما الكفيلان لوضع حد للازدواجية التي تقع فيها القوى والشخصيات السياسية الإسلامية، باعتبار أن الازدواجية تبقى كبذرة خطر على المشروع الديمقراطي وعلى الاعتدال وعلى الإسلام نفسه.
تشخيص هذه الحقائق دفعنا أنا وعدد من السياسيين والمثقفين من المعتدلين العراقيين ذوي التوجه الإسلامي، لإطلاق مشروع على طريق الإصلاح بتأسيس جمعية ثقافية سياسية باسم «تجمع الديمقراطيين الإسلاميين»، والذي يراد له أن يمثل خطوة متواضعة ولكن ليست بقليلة الأهمية على طريق المئة ألف كيلومتر لأهم عملية إصلاحية لهذا القرن.
إجراءات أخرى لمعالجة مرض التطرف
من الطبيعي إن هناك مجموعة إجراءات أخرى كثيرة لا بد لها أن تتظافر وتتكامل مع ما ذكر آنفا، من أجل أن تشكل هذه الإجراءات بمجموعها منظومة كاملة للمشروع الإصلاحي الشامل تساهم في علاج هذا المرض الذي استحكم لقرون طويلة، ألا هو مرض التطرف وكل ما يترتب عليه. وهنا أحب ان أذكر عددا من هذه الإجراءات الضرورية، على نحو التعداد، مستغنيا عن التفصيل:
مراجعة شاملة وإعادة صياغة لكل الثقافة الإسلامية بل ولعموم ثقافة الإنسان العربي والإنسان الشرقي، وتكوين فهم جديد للدين، أو لنقل اكتشاف الفهم الحقيقي له. هنا نحتاج إلى مئة مارتين لوثر إسلامي، وإلى مجموعة ثورات فكرية، أسميها ثورات إسلامية من الداخل على الذات، لا على الغير الذي من حولنا الذي افترضنا وصايتنا عليه كمغيرين، دون أن نملك مؤهلات الوصاية وشروط النهوض بدور الشهادة بمفهومه القرآني.
تشجيع وتفعيل النقد لفكرنا الموروث، لا سيما النقد الذاتي، ونقد ما يتوهم قداسته من تأريخنا ومن حاضر واقعنا الإسلامي.
إعادة النظر في كل مناهج التثقيف والتربية الإسلاميين، وذلك على جميع الأصعدة.
إعادة صياغة مناهج التعليم والتربية الإسلاميين في درس الدين المعتمد في مدارسنا.
إجراء عملية إصلاح شاملة لمناهج التدريس في مدارس ومعاهد العلوم الإسلامية التي يتخرج منها الخطباء والعلماء والدعاة والمبلغون والمفتون، سواء الشيعية منها المعروفة باسم الحوزات العلمية أو السنية كجامع الأزهر وغيره.
القيام بخطوة جريئة في إحداث ثورة في مجال الفقه الإسلامي لجميع المذاهب والمدارس الفقهية، وذلك بشكل خاص فيما يتعلق بالفقه المعني بالأحكام المحددة للتعامل مع الآخر الديني والآخر الفكري، كأحكام المرتد، وأحكام أهل الذمة، وما يعرف بدار الإسلام ودار الكفر ودار الحرب ودار العهد والجهاد الابتدائي وغيرها.
إعادة كتابة التاريخ وتحريره من كل مبررات التطرف.
العمل الجاد على رفع كل ما جرى من إضفاء قداسة على ما لا قداسة له في الفكر والحوار وتقييم الاشخاص والجماعات والحوادث التاريخية والمعاصرة.
إنشاء أكاديميات عصرية تخرج من الخطباء والدعاة والمبلغين وأئمة المساجد، ممن يجيد لغة العصر، ويؤمن بالحوار الموضوعي العلمي القائم على الأساليب الأخلاقية والعقلانية المحببة، ومن يؤمن بالاعتدال وقبول الآخر، وتأكيد الأبعاد الإنسانية والأخلاقية في الإسلام.
إشاعة خطب الجمعة التي تتحدث بلغة وأساليب العصر وتبتعد عن التركيز بشكل خاص على الجانب السياسي، والتي تبتعد عن الخطاب المتطرف والمتشنج والتعبوي، بل تمنح المصلين نفحة من روحانية الدين وأخلاقه الإنسانية السامية، وتثقف وتربي على الاعتدال.
دعم وتقوية التيارات السياسية الإسلامية المعتدلة والمؤمنة بالديمقراطية بشكل واضح ومن غير لبس ولا ازدواجية ولا تردد أو تلكؤ.
دعم وتفعيل عمليات التحول الديمقراطي في العالم الإسلامي.
التفكير بشكل جدي من قبل الغرب في آليات تحسين صورته لدى الشعوب المسلمة مما يساعد على فتح صفحة جديدة من العلاقات تقوم على أساس مفاهيم التعايش السلمي والصداقة بين الشعوب والأمم وحوار وتكامل وتلاقح الحضارات والبحث عن المشتركات فيما فيه صالح الإنسانية.
ضياء الشكرجي
ڤـْيـَنـّا 22/01/2006
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::