تسبيحة حب الجمال من وحي رسائل الحقد والبغضاء

 

ضياء الشكرجي

 

أسبح الله خالق الجمال بتسبيحة حب وتذوق آيات الجمال في الكون وفي عالم الإنسان، أسبح الله بتسبيحة الحب، وبتسبيحة الجمال المستوحاة من وحي حقد الحاقدين وتوتر المتوترين، من وحي بعض رسائل الاحتقان بكل معاني الكره (المقدس)، لما تحمل الأضداد من إيحاءات بأضدادها. وأشكر لمن أوحى لي بهذه التسبيحة برسالته المحتقنة حقدا وكراهة ومقتا إلى درجة هستيرية، أشكره لهذه الهدية الرائعة؛ فإني والله كلما وجدت مبغضيَّ وخصومي من المتحجرين والحمقى والأغبياء، ورافعي راية قمع الرأي، وأصحاب المنهج التكفيري، والعاجزين عن الحوار الموضوعي، والغارقين في غريزة القذف والشتم، والمحتقنة قلوبهم بالحقد على من يخالفهم، ومرضى التعصب الأعمى، كلما ازددت شكرا لله على عظيم نعمه وجليل آلائه التي أعجز عن أداء شكرها، وكلما كان ذلك مدعاة لأزداد اطمئنانا ببلوغ درجة أكبر من سلامة المسير، دون دعوى العصمة، فأدعياء العصمة هم الذين يصمّون آذانهم، ويغلقون عقولهم وقلوبهم أمام أي رأي آخر، لأنهم يخشون من إثراء آرائهم بأي رأي آخر، أو تصحيح ما يمكن أن يكون من خطأ في آرائهم عبر الرأي الآخر، ولأنهم اعتادوا ألا يروا في الحياة والوجود إلا ما يرون، فرأوا الأشياء كلها بلونين لا غيرهما، هما الأسود والأبيض، اللذين لا تجد بينهما حتى درجات تصاعدية أو تنازلية من اللون الرمادي، متدرجة من البياض إلى السواد تارة، أو من السواد إلى البياض أخرى، أو متوسطة منزلتها بين الاثنين. إني لأفرح وأشعر بنشوة، عندما يشتمني هؤلاء، ولكني أشفق على حالهم، لتوتراتهم وعقدهم النفسية التي يعانون منها، كما يعاني المبتلى بمرض عضال يربك عليه حياته كلها، وينغص عليه عيشه، ولأنهم فقدوا الإحساس بقيمة الحب، وبكل قيم الجمال، وامتلأت نفوسهم حقدا على مفردات الجمال، وعلى كل ما يواجهونه في الحياة، مما لا يكون على غير ذوقهم، أو على غير رأيهم، فالجمود والتقليد الأعمى، والاستغراق في المألوف والموروث هو ديدنهم، فهم وجدوا آباءهم أو عشيرتهم أو قومهم أو حزبهم أو طائفتهم على ملة فكانوا لها تابعين من غير تمحيص، وجعلوا تقديس ما هو غير مقدس، أو رفع المقدس النسبي إلى مستوى المقدس المطلق منهجا لهم. إنه مرض إما نفسي أو ذهني، يعني إما أن واحدهم «كان ظلوما»، أو «جهولا»، إما لعجز عن إدراك معنى «يتلو عليهم آياته»، وإما لعجز عن إدراك «ويزكيهم»، وإما لعجز عن إدراك «ويعلمهم الكتاب»، وإما لعجز عن إدراك «و[يعلمهم] الحكمة»؛ هذه هي القضية باختصار، فهؤلاء ابتعدوا عن روح الدين بتدينهم غير المنتسب للدين، بل المنتسب لعصبياتهم وجمودهم، ودمروا حقيقة الدين بمعاول وَهْم الدين الذي عشعش في عقولهم الغبية وقلوبهم المريضة، واستبدلوا دين الهدى والاستقامة بما سماه البعض بأفيون الشعوب. وعندما أواجه إطراء المطرين وثناء المثنين من جهة، وشتم الشتامين وقذف القاذفين من جهة أخرى، أستشعر قيمة نعمة الله علي، إذ عرّفني جيدا بمواطن وعناصر قوتي ومواقع تألقي، كما عرّفني جيدا بمواطن وعناصر ضعفي وعجزي وقصوري، ليعينني على إيجاد التوازن ما استطعت إلى ذلك سبيلا، وما توفيقي إلا به سبحانه من مشكور النعم وجليل العطاء. لكني مع ذا وذا أشعر بالنشوة كلما رأيت أن أعدائي من الحمقى والجهلة والمتعصبين، فأجدد في كل مرة شكري لله سبحانه، الذي لا يبلغ شكره وحمده إلا بوعي العجز عن بلوغ شكره وحمده، واستشعار اللذة بهذا العجز، لأنه العجز الوحيد الذي يمثل لونا من ألوان الكمال، وما دونه من عجز فهو نقص لا محال، فما أعظمه من رب رؤوف رحيم جليل علي عليم حكيم، هو الذي خلق فسوى، وهو الذي قدر فهدى، هو الذي خلق الإنسان، علمه البيان، علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، وأودع فيه حب الاستزادة بدعاء «رب زدني علما»، وجعل العقل أشرف ما خلق، وهو الذي خلق الإنسان من سلالة من طين، ليعيش واقعه وانتماءه إلى هذه الأرض التي جعله خليفة له فيها، ولم يُسْلمه لمادة الطين فحسب ليستغرق في ماديته ويتسافل في طينيته، بل نفخ فيه من روحه، ولهذا أهّله لسجود الملائكة له، لأن له عقلا يفكر ويتأمل ويتدبر ويحاور ويبحث ويخطئ ويصيب وينقد ويراجع ويتساءل ويبحث عن إجابات ويبدع، وأعطاه قلبا ينبض بحب الخير وحب الإنسان والكون والطبيعة وحب معاني الكمال، وحب الخالق حتى لو لم يعرف خالقه، من خلال انشداده إلى آيات الجمال وموارد الكمال النسبيين، ورغبته الدائمة في جعل مسيرته باتجاه التكامل، ليستزيد من الجمال ويتمثل خالقية وإبداع الخالق المبدع (كادحا إلى ربه كدحا فملاقيه)، فيركـّب من عناصر الجمال جمالا جديدا في الأشكال والألوان والمعاني والمفاهيم والقيم والمثل ومفردات التجربة للذات والمحيط والتاريخ. ثم ليستوحي من طينيته وأرضيته وبشريته وواقعيته من جهة، ومن روحانية ما نفخ الله فيه من روحه من جهة أخرى، كيف يزرع بكلمته «شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها»، فثبات أصلها في الأرض يمثل سنة «فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض»، ويمثل واقعيتها وحركيتها وتكامليتها من وحي التجربة الإنسانية، ومعانقة فرعها للسماء يمثل استيحاءها من قيم السماء ما يكمل للإنسان إنسانيته، وهذا كله يمثل عطاء دائما ومتجددا، والتجدد سواء من حيث النقد والمراجعة، أو من وحي الاستزادة من الكمال، هو سنة تكاملية ومَلكة إلهية أودِعت في الإنسان. فكم هو غريب أن يكون أدعياء حملة الدين هم الأشد على الدين من كل خصومه ومخالفيه وناقديه، إذ يهْوُون ليل نهار على أركان دينهم بمعاول جهلهم وتخلفهم وخرافيتهم وإقصائيتهم، وثقافة الكراهة التي يحملونها وينشرونها ويجذرونها، ثقافة الكراهة تجاه كل من خالفهم الرأي، وإشهارهم سلاح التكفير بوجه كل من لم يقتنع بكل تفاصيل قناعاتهم التي لا تستند في أغلب الحالات إلى أي قاعدة حقيقية، واختزانهم روحية الحقد على كل قيم ومثل الجمال في الحياة والطبيعة والكون والإنسانية، والمشكلة كل المشكلة أنهم يُضفون على حقدهم وبغضائهم وتوترهم النفسي تجاه كل ما هو آخر وكل ما هو مغاير، يضفون على كل ذلك قداسة وروحانية وبعدا إلهيا.

 

08/06/2006

 

 

 

 

 

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::