مسؤوليتنا أمام تصدع تيار الإسلام السياسي

من جديد طفحت إلى السطح مؤشرات - أو لنقل بشائر - ازدياد التناقضات بين قوى ثنائية الإسلام السياسي والطائفية السياسية تعقيدا وتصعيدا. فقد راح خطباء المجلس والتيار يتراشقون الاتهامات من جديد، بالخضوع لدولة الاحتلال من جهة، وبالاختراق من البعثيين من جهة أخرى. وليس هذان الفصيلان هما المعنيان وحدهما بالتناقض الحاد فيما بينهما، فقد شهد تيار الإسلام السياسي الشيعي عدة تصدعات، تارة بين المجلس والفضيلة، وأخرى بين الفضيلة والتيار، دون أن نقلل من مدى حدة التناقض المجمد أو المعلق إلى إشعار آخر بين الدعوة والمجلس، بل وحتى بين الدعوتين. ونعلم أن التناقضات لم تقتصر على التراشق الكلامي بل تعدتها في كثير من الأحيان، لتتحول إلى مواجهات حادة، استخدمت فيها آليات إباحة الدم بين هذا وذاك الطرف.

 

وعندما سميت بروز ملامح التناقضات بالبشائر، فليس من موقع التشفي، وإنما من موقع تشخيص أن ضعف التيار الذي يمثل واحدة من أهم العقبات في طريق استكمال أشواط عملية التحول الديمقراطي، يعني بالضرورة عنصر قوة للمشروع الوطني الديمقراطي.

 

ومن أجل ألا نجانب الموضوعية، ومن أجل أن ننصف من يمثل الضد السياسي لنا، نحن قوى التيار الوطني الديمقراطي، لا بد أن نؤكد بأنه من غير الصحيح تعميم وإطلاق نعوت التعارض مع المشروع الديمقراطي، ومع المشروع الوطني، ومع الاعتدال والوسطية ونبذ الطائفية والعنف والأصولية الدينية؛ أقول من غير الصحيح تعميم وإطلاق هذه النعوت على كل المنتمين إلى قوى تيار الإسلام السياسي. فمن الإسلاميين من هو على استعداد للتعاطي مع المشروع الديمقراطي بدرجة أو بأخرى، ومنهم من لا يحمل نـَفـَسا طائفيا بل قد يمقت الطائفية، ومنهم المعتدل الماقت للتطرف، ومنهم النابذ للعنف. ولكن في نفس الوقت يتحمل حتى المعتدلون والعقلاء والوطنيون من الإسلاميين مسؤولية ما أدى إليه هذا التيار من مضار على مسار المشروع الوطني الديمقراطي، لا يمكن أن يُتغاضى عنها. فكل مراقب متجرد ومنصف يعلم أن تيار الإسلام السياسي مسؤول عن مجموعة إفرازات كارثية حلت بالعراق والعراقيين، نوجزها بما يأتي:

  1. التطرف الديني سياسيا واجتماعيا.

  2. الطائفية السياسية.

  3. تسييس كل من الدين، والانتماء المذهبي، والشعائر المذهبية، والمرجعية الدينية الشيعية.

  4. العنف ومنه العنف الدموي، أو ما يقترب الإرهاب.

  5. قمع الحريات السياسية والاجتماعية والثقافية.

  6. قمع المرأة.

  7. قمع أتباع الديانات الأخرى.

  8. فسح المجال للمخابرات الإيرانية لتعيث في العراق فسادا، إما بالتعاون المباشر وتنفيذ الخطط الإيرانية تارة، وإما بثمة تنسيق على أي نحو كان وبأي درجة كانت، وإما بغض الطرف عن التخريب الإيراني في العراق.

 

وهناك - ومرة ثانية من غير تشفٍّ – فائدة أخرى لتصدع التيار الإسلامي الشيعي من جهة، وكذلك التيار السني عموما، والتيار الإسلامي السني على وجه الخصوص، لأن هذا يمكن، كما أشرت إلى هذا المعنى في مقالة سابقة، أن يكون تمهيدا للطريق نحو الانتقال من الطائفية السياسية إلى التعددية السياسية بتجاوز الأطر المذهبية، وكذلك بتجاوز الأطر القومية، باعتبار أن التخندق المذهبي أو القومي يمثل البديل الضد للتعددية السياسية، فالأولى من أهم معاول هدم كل من صرح المشروع الديمقراطي، وصرح المشروع الوطني، كل على انفراد، وهدم صرح المشروع الوطني-الديمقراطي المزدوج. بينما التعددية السياسية المتجاوزة للأطر الدينية والمذهبية والقومية تمثل شرطا أساسيا من شروط إنجاح المشروع الديمقراطي وبالتالي المشروع الوطني.

 

وبطبيعة الحال إن ما يقال عن الإسلام السياسي والطائفية السياسية في الدائرة الشيعية، يصح قوله عليهما في الدائرة السنية، وهكذا بالنسبة لتصدع هذا الخندق أو ذاك، لأن تصدعهما يعني تقوية للبناء الديمقراطي الوطني.

 

وقد يلاحظ نقدي للتيار الإسلامي أكثر من التيارات السياسية العلمانية، وللقوى السياسية الشيعية أكثر من نقدي للقوى السياسية السنية. وهذا لا يعني تبرئة جميع من ينعت نفسه بالعلمانية من تحمل مسؤولية الكارثة السياسية والممتدة إلى كل نواحي الحياة العراقية. فليس كل من تسمى بالعلمانية والوطنية والليبرالية والديمقراطية يحمل المضامين التي تحملها العناوين التي تعنون بها. ولكن نسبة ما تتحمله قوى الإسلام السياسي من مسؤولية تفوق كثيرا نسبة ما تتحمل مسؤوليته القوى غير الدينية. فمنهم من حمل ثمة نـَفـَس طائفي، ومنهم من ركب موجة استخدام الرموز الدينية وتسييس المرجعية وغيرها، ومنهم من لم يرتكب هذه أو تلك المفارقة، ولكنه استغرق في حزبيته أو ذاتيته، مما حال دون تحقيق هدف توحيد القوى الديمقراطية الوطنية المعتدلة غير الطائفية. فحتى القوى الكردية التي يفترض بها أنها الحليفة الاستراتيجية للقوى الديمقراطية، حال استغراقها في مشروعها القومي دون تحمل مسؤوليتها التاريخية في دعم مشروع التحول الديمقراطي من أجل بناء الدولة المدنية الدستورية. هذا بالنسبة لتركيزي على الإسلاميين أكثر من نقد القوى العلمانية، أما بالنسبة لتركيزي على نقد القوى الشيعية أكثر من السنية، فلا يعني تبرئة الدائرة الثانية من الاستغراق في المشروع الطائفي، ولكني أعتقد أن ما تتحمله قوى الإسلام السياسي الشيعية مما وصل إليه العراق، يضاهي كثيرا ما تتحمله الأطراف الأخرى.

 

في كل الأحوال هناك حاجة لإعادة الحسابات من قبل الجميع، من قبل إخواننا الكرد، ومن قبل القوى الوطنية العلمانية، ومن قبل المعتدلين والعقلاء من الإسلاميين سنة وشيعة، ومن قبل غير الطائفيين ممن اصطف في الخندق السني أو الخندق الشيعي، ومن قبل المرجعية التي استخدمت بما أساء إليها وأضر بقضايا الوطن بل وبقضايا الدين.

 

ولا أدري أيسمع الأمريكان نصيحة مثلي ليعيدوا هم أيضا حساباتهم، ويدركوا أنه مهما كانت لديهم من أجندة خاصة بهم ومصالح استراتيجية سياسية واقتصادية وعسكرية، فإن فشل المشروع الديمقراطي في العراق سيكون ضرره على أمريكا ضررا تاريخيا يترك ربما آثاره لحقبات طويلة من الزمن، قد يكون من الصعب تداركها أو تصحيح المسار التي ستؤول إليه. أما إيران فهي لعله آخر من تسمع النصيحة بإعادة الحسابات، ما زالت هذه العقلية السائدة حاليا هي المهيمنة، وهي صاحبة القرار السياسي، وهي التي ترسم سياسة إيران الخارجية، والتي لم تزدها العقود الثلاثة منذ ثورتها رشدا، بل زادتها غيا وتخلفا. ومع هذا لا ننفي وجود ثمة عقلاء - بقياس العقلانية النسبية - ربما سيفكرون بكيفية استبدال أحمدي نژاد في مرحلة قادة، عبر تحالف بين الخاتميين والرفسنجانيين، ليأتي من يحاول أن يلتفت إلى الداخل الغارق بشتى المشاكل المستعصية، بدلا من إقحام أنفسهم في الشأن العراقي والشأن اللبناني والشأن الفلسطيني وغيرها.

 

وأخيرا أكرر دعوتي لقوى التيار الديمقراطي الوطني المعتد غي الطائفي وغير المسيس للدين، أنه لا يكفي أن نتفرج على تصدع التحالفات الأصولية والطائفية، بل لا بد من خطوات مسؤولة نحو تشكيل التحالف الوطني الديمقراطي المتجاوز للأطر الدينية والمذهبية والقومية والإيديولوجية، من أجل مستقبل أفضل للعراق.

 

07/12/2007

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::