تحالف المتناقضين: الإسلام السلفي والإسلام السياسي

في كتاب «الإسلام المدني» لأحمد القبانجي يقسم المؤلف الإسلام إلى ثلاثة إسلامات: «الإسلام المدني» الذي يدعو وأدعو إليه، و«الإسلام السياسي» أو الأصولي، و«الإسلام السلفي». ويقصد بالأخير ليس إسلام السلفية السنية، بل عموم الإسلام التقليدي المحافظ الجامد على النصوص ولكنه غير المُسَيَّس، وأحد مصاديقه في الوسط الشيعي هو ما أسماه علي شريعتي بـ«التشيع الصفوي»، أو إسلام الحوزة التقليدية المحافظة غير المهتمة بالشأن السياسي. والذي يهمني هنا هو إشارة إلى العلاقة بين الإسلامين؛ «الإسلام السياسي» و«الإسلام السلفي».

 

هذان الإسلامان عاشا فترة طويلة من التناقض والتنافر، الذي بلغ أحيانا حد العداوة والتراشق بالاتهامات، تارة بشكل خفي وغير مباشر، أي عن طريق الهمز واللمز والتلميح، وأخرى بشكل صريح ومباشر. فكان «الإسلام السياسي» يدين «الإسلام السلفي» وفي كثير من الأحيان بحق، كونه يُضيِّق دائرة اهتمامات الإسلام في العبادات والشعائر والطقوس والشكليات، وفي أمور الحوزة العلمية (في الوسط الشيعي)، ولا يُعير للشأن الاجتماعي والشأن السياسي أي اهتمام. فهو إسلام «من يُصبح ويُمسي ولا يهتم بأمور المسلمين». بينما كان «الإسلام السلفي» يدين هو الآخر بدوره «الإسلام السياسي»، وفي كثير من الأحيان بحق أيضا، كون هذا «الإسلام السياسي» يربك على المسلمين واقعهم، ويقحمهم في متاهات الثورية الحماسية المنفلتة، ويدخلهم في أتون الصراعات الحادة مع الأنظمة، ثم إنهم كانوا (في الأوساط التقليدية الشيعية مثلا) يتهمون «الإسلام السياسي» بأنه غريب على التشيع، بل اتهموه، كما كان يتهم الشهيد محمد باقر الصدر وحزب الدعوة الإسلامية في النجف الأشرف بأنه إسلام وهابي، كونه تأثر بالإسلام السياسي السني، بل انتمى رموزه إلى أحزاب سنية قبل تأسيس حزب الدعوة كحزب التحرير، وأيضا كون هذا «الإسلام السياسي» غالبا ما كان له توجه إصلاحي في الفكر الشيعي والممارسات الشيعية، ولو إن بعض أحزاب «الإسلام السياسي» الشيعية، التي تأسست لاحقا، ذهبت لتتبنى سياسيا الإسلام الثوري أو الحركي من جهة، ولكن تدعو في الطقوس والشعارات والعقائد إلى «التشيع الصفوي»، فيما يتبناه من طقوس التطبير وسائر الشعائر العنيفة والدموية والخرافية، وكذلك عقائد الغلو في الأئمة، كعقيدة الولاية التكوينية المدعاة لأئمة أهل البيت (ع)، والتي مفادها أن كلا من علم وقدرة المعصوم متساويتان تماما مع كل من علم وقدرة الله سبحانه وتعالى، فعلم المعصوم محيط بكل شيء، وقدرته محيطة بكل شيء، وإنما الفرق الوحيد بينه وبين الخالق سبحانه، أن علم وقدرة وحكمة الخالق ذاتية ومستقلة، بينما علم وقدرة وحكمة المعصوم غير مستقلة، بل هي ممنوحة له من الله. وكان هذا النوع من أحزاب «الإسلام السياسي» الشيعية أول محاولة للجمع بين تطرف «الإسلام السياسي» وخرافات «الإسلام [الشيعي] السلفي»، أو «التشيع الصفوي». وإسلام سياسي شيعي ثالث، أخذ من «الإسلام [الشيعي] السلفي» غلوه في العقائد، دون مغالاته وخرافياته في الشعائر، ونوع رابع تبنى الغلو الشعائري والمرونة السياسية النسبية. ولكن على الأعم الأغلب كان هناك تنافر شديد بين الإسلامين؛ «الإسلام السياسي»، و«الإسلام السلفي» اللاسياسي. ولكن استطاع الإسلام السلفي السني والإسلام السلفي الشيعي أن يخترقا الإسلام السياسي في كثير من مفاصله، حتى غدت الوهابية التي هي مصداق «الإسلام السلفي» السني، ذات تأثير واضح على فكر معظم الأحزاب الإسلامية السياسية، وغدا ابن تيمية يمثل المرجعية الفكرية لمعظم تلك الأحزاب. وهكذا استطاع «التشيع الصفوي» أن يتغلغل إلى معظم الأحزاب الإسلامية الشيعية؛ فمنها من تبنى عن قناعة هذا «التشيع الصفوي»، أي المصداق الشيعي لـ«الإسلام السلفي»، إما بكلا شقي هذا الإسلام، أي بشق الغلو الشعائري، وشق الغلو العقائدي، أو بأحدهما دون الآخر، ومنها من تبنى ذلك أو سايره اضطرارا وانجرارا مع تيار التطرف السياسي والتخلف الديني. وأستغني عن ذكر أمثلة كل من هذا الحالات على الساحة الشيعية العراقية واللبنانية والخليجية، تجنبا للدخول في المهاترات والسجالات، آملا أن يأتي اليوم المناسب، لنتكلم عن كل هذه الحالات بأسمائها ومصاديقها، والمطلعون يعرفون مصاديق هذه الحالات جيدا.

 

في العراق بالذات ظل هذا الإسلامان يعيشان إلى حد ما قبل سقوط الديكتاتورية التنافر فيما بينهما، وظهرت مصطلحات تستبطن الاتهام للإسلام الآخر، كالإسلام المحمدي (من مصطلحات الخميني)، والإسلام الحركي (من مصطلحات الإسلام السياسي الأكثر انفتاحا)، والحوزة الناطقة والحوزة الساكتة (من مصطلحات محمد محمد صادق لصدر والتيار الصدري من بعده)، والمرجعية القاعدة (من مصطلحات المجلس الأعلى في الثمانينات)، إشارة إلى الإسلاميين العراقيين من مقلدي مرجعية النجف التقليدية غير السياسية، من أجل لفت نظر الإيرانيين إلى عدم اتباع هؤلاء للإسلام المحمدي الثوري المتبني من قبل ثورة ولاية الفقيه الإيرانية. وكان وكلاء المرجعية التقليدية التي خلفت مرجعية الخوئي في خارج العراق من المتحسسين جدا لأتباع الإسلام السياسي، حتى اشتهر عن أحد أبرز وكلائها قوله «إن الشهيد الصدر (محمد باقر) لم يقتل من أجل الإسلام، وإنما قتلته الحزبية».

 

ولكن لنسأل ما الذي وحّد هذين الإسلامين المتنافرين؛ «الإسلام السياسي»، و«الإسلام السلفي» بعد سقوط النظام الديكتاتوري المقبور، فـَتـَسَيَّس «الإسلام السلفي» غير السياسي من قبل، وتـَسَلـَّف «الإسلام السياسي» غير السلفي من قبل. بتقديري إن الذي وحّد المتناقضين المتنافرين أمران، السلطة، والطائفية. توحدا عندما التقت مصالحهما، فإذا بكيان إسلامي سياسي نشأ في ظل وحضانة ورعاية ودعم سلطة إسلامية أصولية، يتبنى الإسلام السلفي، والمرجعية التقليدية، بعدما كان يُدين من يُقلد مرجعا محسوبا على المرجعية التقليدية غير السياسية، دون أن يتخذه قائدا سياسيا. وإذا بمرجعية من المرجعيات التقليدية غير المُسَيَّسة أو المُتـَسَيِّسة سابقا، تتبنى الإسلام السياسي وترعاه وتدعمه، ربما بسبب شعورهما المشترك بخطر طائفي من قبل الطائفيين من السنة العراقيين أو من قبل المنحى الطائفي للمحيط العربي ضد شيعة العراق، أو ربما أيضا من جهة أخرى أن كلاهما شعر بخطر في الإسلام المدني، والمتحالف فكريا مع العَلمانية فيما يمثل المشتركات بينهما، ألا هي الديمقراطية والوطنية والاعتدال وعدم تسييس الدين، ثم ومن بعد أن ألجأت الحاجة أو الإحساس بالمخاطر المشتركة، واقعية كانت أو متوهمة من قبلهما، إلى تأسيس تحالف النقيضين، «الإسلام السياسي»، و«الإسلام السلفي»، يبدو أن كلاهما قد استأنس بالجاه والسلطة اللذين وفرهما لهما هذا التحالف، وفرهما لهما دخولهما في اللعبة الديمقراطية، هذه الديمقراطية التي لا يؤمنان بها من حيث الأصل، أو على أقل تقدير لا يؤمن بها بكل تأكيد «الإسلام السياسي»، بالرغم من وجود أفراد إسلاميين يؤمنون بالديمقراطية، ولكنهم عجزوا عن دمقرطة أحزابهم.

 

من هنا أمامنا تحالفان في مقابل بعضهما البعض:

1.  التحالف المتشكل من «الإسلام السياسي» و«الإسلام السلفي»؛ «الإسلام السياسي» المُتـَسَيِّس بالأصالة، و«الإسلام السلفي» المُتـَسَيِّس تـَسَيُّسًا طارئا، أو المُسَيَّس رغما عنه بالتوريط.

2.  التحالف المتشكل من «العلمانية» و«الإسلام المدني»؛ «العلمانية» الديمقراطية الوطنية العقلانية المعتدلة، كحاضنة محايدة للإسلام ولمغايراته الدينية والثقافية والسياسية، و«الإسلام المدني» الملتزم بجوهر وديناميكية الدين، والمؤمن بالديمقراطية وعلمانية الدولة، والملتزم بالديمقراطية والوطنية والعقلانية والاعتدال.

 

وفي آخر مطاف الصراع أو قل التنافس:

«فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض».

 

12/02/2007

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::