الطائفية تربك الخارطة السياسية للمنطقة

لا شك إننا نشهد اليوم ظاهرة كون الطائفية قد حلت محل التعددية السياسية في العراق، وفي لبنان، وفي سائر الدول العربية والإسلامية، لتكون الطائفية هي الباروميتر الذي يحدد درجة التفاعل سلبا وإيجابا، وهي البوصلة التي تحدد وجهة الولاء، وهي الخندق الذي يتخندق به المواطن في أي بلد من بلاد العرب والمسلمين، وهي المعيار الذي يجري بموجبه تقييم الأحزاب والتيارات والشخصيات السياسية، وهي المقياس الذي بموجبه يجري التحليل السياسي، وتحديد الوطني من العميل، والمخلص من الخائن. وكل عاقل سيقول إن هذه الظاهرة تمثل حالة تخلف وبداوة، ولا يمكن أن تكون حالة تقدم وتمدن بأي حال من الأحوال.

 

نعم الطائفية أربكت أو لنقل بالعامية خربطت ولخبطت الخارطة السياسية، وخلطت الأوراق خلطا عشوائيا فوضويا بلا أي معايير، إلا المعايير المقلوبة، كما هو حالنا في معظم قضايانا السياسية والثقافية والاجتماعية والأسرية والفردية.

 

أصبحنا لا نحدد مواقفنا وولاءاتنا السياسية، بموجب ما نحمله من فكر سياسي، أو قناعة سياسية، أي ما إذا كنا ذا منحى يساري أم يميني أم وسط، ما إذا كنا ليبراليين أم اشتراكيين، قوميين أم وطنيين، إسلاميين أم علمانيين، مرفهين أم محرومين، مثقفين أم بسطاء، متأثرين بالغرب أم متحسسين منه، بل الذي يحدد هذا الولاء أو الانتماء، وذلك الموقف سلبا أو إيجابا، هو ما إذا كنا سنة أم شيعة. هذا يمثل تراجعا في ثقافتنا إلى بداية القرن السابق، أو ما قبله. فالمثقفون العراقيون مثلا يكادون يجمعون على أن ثقافة الخمسينات والستينات كانت أرقى مستوىً من ثقافة مطلع الألفية الثالثة.

 

الحالة في العراق أصبحت معروفة، ولطالما تناولنا إشكالية حلول الطائفية السياسية محل التعددية السياسية، وبينت شخصيا في أكثر من مقالة المسؤولية المزدوجة على الصعيد السني وعلى الصعيد الشيعي للقوى السياسية العراقية، ودور قوى الإسلام السياسي في ذلك بشكل خاص. وهكذا بالنسبة للكثير من المواقف الطائفية للعرب وازدواجيتهم، بحسب انتماء الجهة المُؤيَّدة أو المُعارَضة، المُبرَّأة أو المُدانة، المَسكوت عنها أو المُثار حولها الصخب. فمجرد إشاعة أو تصور حول إمكانية تواجد أثر لنشاط للموساد في العراق، ولو بدون أي دليل، تقوم القيامة ويبدأ المُعربـِدون والمُزبِّدون والراعدون والمُزئرون والمُجعِّرون والنابحون والمُهرِّجون والصاخبون بصخب له بداية وما له نهاية، حول عمال العراقيين للأمريكان والصهاينة. أما زيارة مسؤول إسرائيلي لبلد عربي زيارة رسمية، فيُستقبَل بحفاوة من قبل المسؤولين والمثقفين والإعلاميين والفنانين، فهذا أمر طبيعي جدا، ووجود قواعد عسكرية أمريكية في بلد عربي، وعلاقات، ليس فقط دبلوماسية، بل ثقافية وسياحية حميمة بين دول عربية وإسرائيل، كل ذلك يقع في الحالات الطبيعية التي لا تستحق أن يثار عليها الكلام. وهكذا نرى إن الديمقراطية مرفوضة ومُدانة كسلعة مستوردة من بلاد الكفر والاستعمار، إذا كانت ستؤدي إلى منح الشيعة دورا متميزا في إدارة البلاد، ولكن لو كانت الديمقراطية تضمن انفراد السنة في بلد آخر، لكانت إقامتها واجبا شرعيا تؤيده نصوص القرآن والسنة وسيرة السلف الصالح، وانتصارا للعروبة ولقضية فلسطين، وإلا فهي بدعة وكفر وزندقة وعمالة وخيانة. وهكذا لو أدى التعاون والتنسيق مع الأمريكان إلى حكم السنة لبلد يتكون من أكثرية شيعية كإيران، فستكون أمريكا نصيرة المسلمين، التي أحيث الكتاب والسنة، ولكان التعاون معها أكبر ثوابا عند الله من سبعين حجة مشيا على الأقدام من أقصى نقطة من مكة على الأرض إلى المسجد الحرام، وأكثر مما لو عاش المرء الدهر كله صائما نهاره وقائما ليله.

 

أما بالنسبة للبنان فموقف الشيعة موقف مخز بكل ما تحمله الكلمة من معنى. إذ تصطف هنا القوى الوطنية التي تريد لبنانا مستقلا ذا سيادة كاملة لا ينتقص منها ولاء إيراني أو سوري، يصطف اللبناني الشيعي على الأعم الأغلب، حتى لو كان علمانيا ليبراليا، وحتى لو كان ديمقراطيا حتى النخاع، وحتى لو كان ذا حس وطني لبناني عميق، وحتى لو كان مثقفا ثقافة عالية وذا تحصيل أكاديمي رفيع، وحتى لو كان متحسسا من تدخل ذوي العمائم في الشأن السياسي، تراه - باستثناء القليلين - يصطف إلى التيار الإسلامي الأصولي ذي الأجندة غير اللبنانية، بل الإيرانية-السورية، لا لشيء إلا لأن التخندق الطائفي يطلب منه أن ينزع ثوب وطنيته اللبنانية، ويتخلى عن ليبراليته وعلمانيته، ويتجاوز رفضه لسلطة العمائم، فتجده يصطف وراء حسن نصر الله، لأنه - كما يتوهم - غدا قائد ورمز الشيعة في لبنان. وللأسف نرى حتى الشيعي غير اللبناني الذي يراقب الأمور من خارج لبنان، نراه متعاطفا مع هذا التيار، توهما منه أن القوى اللبنانية الأخرى إنما تعارضه، لا لشيء إلا لأنه تيار شيعي، ولذا لا بد من نصرته من موقع الانتصار للمذهب وأتباع المذهب. وبإنصاف إن سنة لبنان أثبتوا أكثر من شيعته اعتدالهم ووطنيته ولبنانيتهم. انظروا حتى المفاوضين من الجامعة العربية وغيرها لهذا التيار، لا يفاوضونه بشكل مباشر، بل هم يفاوضون دمشق أو طهران، لأنهم يعلمون أن القرار ليس قرارا لبنانيا، بقدر ما هو قرار إيراني- سوري، يتخذه علي خامنئي ومحمود أحمدي نژاد (نجاد) وبشار الأسد.

 

متى يتحرر الإنسان العربي من طائفيته الشيعية، وطائفيته السنية، ومن أصوليته الإسلامية، ومن عروبيته الشوفينية، ومن استغراقه في نظرية المؤامرة وفي ثقافة كراهة الآخر وحقده على العالم وعلى التحضر والتمدن، ومن صنمية الأحزاب وصنمية الأشخاص وصنمية المراجع وصنمية الطائفة وصنمية الأسرة والقبيلة، لنلحق بركب التحضر؟ أم هل - لا أقول كـُتِبَ علينا بل - كتبنا على أنفسنا ألا نلحق بركب الحضارة، ربما - لكي لا نقر بعجزنا - لأنه معيب علينا أن نكون لاحقين تابعين مقلدين، بل إننا خـُلِقنا لنكون متقدمين وقادة. وحيث أنه لم يعد بالإمكان أن نكون قادة الحضارة والمدنية والحداثة، فلنبدع في إتقان فن قيادة التخلف والبداوة.

 

أم هل هناك أمل على ضوء ما أسماه كارل ماركس بحتمية التاريخ، وما أسماه محمد باقر الصدر بسنن التاريخ، في ألا يَصُحّ في النهاية إلا الصحيح: «فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض». ولذا فلن نستسلم لليأس، فالإصلاح آت، وإن استبطأناه.

 

13/02/2007

 

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::