السبل العملية لمعالجة الجسد العراقي من ورم الطائفية الخبيث
ضياء الشكرجي
d.sh@nasmaa.com
خلفية فكرة الكتابة عن هذا الموضوع
وأنا في سفري لغرض العلاج الذي لا أدري كم سيأخذ من الوقت، سائلا المولى العلي القدير ألا يضطرني العلاج إلى طول الغياب عن العراق، ساحة عملي الأساسية التي يعز علي الابتعاد عنها، وأن يعينني على التواصل رغم البعد الجغرافي، لأني غادرت في وقت بدأنا فيه للتو بمشاريع تحالفية بين قوى الوسط، وأخرى تنسيقية بين قوى اللقاء الديمقراطي، أقول وأنا في سفري هذا سألني صديق لي من بغداد أعتز برأيه ومن المتابعين لكتاباتي في مكالمة هاتفية لي معه، لم لا أحاول طرح معالجة للمشكلة الطائفية من خلال اقتراح قانون للأحزاب يمنع تأسيس الأحزاب على أساس طائفي، فاستحسنت الفكرة بعد التأمل فيها، ثم أوحت إلي أن أكتب بحثا عن عموم سبل معالجة مرض الطائفية في العراق، أبدأه بهذه الفكرة المهمة جدا رغم الصعوبات التي تعترضها، على أن أضمن البحث مواضيع أخرى تتناول خطوات عملية أخرى لمعالجة هذا الداء الرهيب والخطير. وسيشتمل البحث على المواضيع الآتية:
- مقدمة (تناولتها آنفا)
- قانون أحزاب عصري لاطائفي
- إصلاح دستوري
- إنجاح مشروع المصالحة الوطنية
- حل الميليشيات ذات الهوية المذهبية
- إنهاء ظاهرة تسييس قوات الأمن والدفاع وتحييزها حزبيا أو طائفيا
- إنهاء حالة وجود وزارتين أمنيتين؛ شيعية وسنية
- تقوية تيار الوسط عبر مشاريع تحالفية وأخرى توحيدية
- تقوية تيار الوسط عبر تشكيل حزب عراقي وطني ديمقراطي
- منع خطب الجمعة وجميع الأحاديث الدينية التي تثير الطائفية
- مناهج التربية والتعليم
- التهيئة لانتخابات مبكرة بعد سنة أو أقصاها سنتين
ومن الممكن أن يتغير ترتيب المواضيع، ويمكن أن تضاف مواضيع أخرى.
مقدمة
الطائفية من غير مبالغة مرض خبيث ينخر في جسد كل أمة تصاب به، فتكون كالجسد المبتلى بداء السرطان القاتل؛ فمرض الطائفية قاتل ومدمّر لأمن وسلام واستقرار كل أمة، ولأمتنا العراقية خاصة، ولمستقبلها وتطلعاتها وأحلامها، ولفرصتها التاريخية الأولى من نوعها بعد عهود ظلام طالت لياليها وادلهمت ظلماتها.
والجسد العراقي يصرخ اليوم صراخ المتلوّي الموجوع - وأي وجع – من نخر هذا السرطان اللعين فيه. وهناك أكثر من فريق ممن يمنع ويعيق إخضاع العراق تحت الكيموتيراپي الضروري لعلاجه قبل قتله، ولإنقاذه قبل استفحال هذا الورم الخبيث وتمكنه منه، والمنع هذا إنما هو المزالة المباشرة للقتل البطيء للعراق، عمدا كان أو جهلا. وكل القتل شرّ ما بعده من شرّ، ولكن قتل الأوطان شرّ أنواع هذا الشرّ، أي شرّ أنواع القتل.
وإذا كنا مُشخـِّصين حقا لخطر الطائفية اللعينة المقيتة المدمرة، وإذا كنا جادِّين حقا في وجوب المبادرة السريعة لإنقاذ عراقنا الحبيب، الذي ظـُلم من أهله أشدّ بكثير مما ظلم من أيٍّ من أعدائه على مر التاريخ، لا يكفي أن نشخـّص، ولا يكفي أن نـُدين ونستنكر، ولا يكفي أن نحزن ونتحسّر ونتأوّه ونبكي ونلطم على حالنا، بل لا بد من الإسراع في وضع خطة شاملة، تتوزع على ميادين متعددة، وضمن خطوات قصيرة المدى وعاجلة، وأخرى طويلة المدى واستراتيجية، ومخطط لها على نحو التطلع إلى آفاق المستقبل الممتد عبر الأجيال القادمة، التي ستترحم علينا، إن نحن أفلحنا في إنقاذ العراق من الغرق في وحل الطائفية، أو من الاحتراق بنارها، أو من الانهيار في هاويتها، أو من الانطمار تحت أنقاض خرابها، أيا كان التعبير عن النهاية المخيفة للآمال والأحلام والتطلعات.
الشروط والعلاجات التي تطرح هنا تبدو صعبة التحقيق، ولعل البعض سيقول إنها غير واقعية. ولكن - وأكررها ثانية - إذا كنا مُشخـِّصين لخطر الطائفية، وإذا كنا جادِّين في وجوب إنقاذ العراق من الكارثة المدمرة، لا بد من التفكير جديا في كيفية إزالة العقبات التي تعترض مشروع الإنقاذ، حتى لو اضطررنا أن نستعين بقوات الاحتلال، كما يسميها البعض، أو قوات التحرير كما يسميها البعض الآخر، أو القوات متعددة الجنسيات كما هي التسمية الرسمية، أو قل القوات الأجنبية، صديقة اعتبرناها أو محتلة. وهذا يحتاج إلى روح متعالية من الإيثار، الإيثار المذهبي، والإيثار القومي، والإيثار الحزبي، وليس أخير الإيثار الشخصي. فاليوم لا يجوز أن يكون هناك مشروع يتقدم على مشروع الديمقراطية، لا المشاريع الطائفية ولا القومية ولا المناطقية ولا العشائرية ولا الحزبية ولا الإيديولوجية، بما في ذلك مشروع استكمال السيادة الوطنية الذي لا تكتمل كرامة العراق إلا به، إلا أن استعجاله بما يهدد المشروع الديمقراطي والمشروع الأمني مهددين، سيكون خيانة للوطن، إذا ما جرى الاستعجال عن وعي لهذا الخطر، وبما في ذلك المشروع الشيعي، والمشروع الإسلامي، والمشروع الفيدرالي، لا يجوز أبدا تقديم احدها على المشروع الديمقراطي، والمشروع الأمني، والمشروع العراقي الوطني الشامل، لا المختزل في القضايا الخصوصية الجزئية، مهما بلغت اهميتها.
من غير أدنى شك إن من الأسباب الأساسية لتكريس الطائفية السياسية هو وجود القوائم الانتخابية والأحزاب السياسية القائمة على أسس دينية مذهبية، وكذلك دخول المرجعيات والمؤسسات الدينية المذهبية كطرف مباشر أو غير مباشر في العملية السياسية. وهذا كله مما يجب أن يعالجه قانون الأحزاب الجديد، الذي يجب أن يلتزم بشكل تام بمبادئ الديمقراطية وبالهوية الوطنية. فإننا نرى هناك قائمتين برلمانيتين سنية، هما قائمة التوافق وقائمة الحوار، وقائمة إسلامية شيعية هي قائمة التوافق، كما نرى حزبا إسلاميا سنيا هو الحزب الإسلامي العراقي، وأحزابا إسلامية شيعية هي حزب الدعوة الإسلامية، وحزب الدعوة الإسلامية تنظيم العراق، والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية، وحزب الفضيلة الإسلامي، والتيار الصدري، والمستقلين الناسبين أنفسهم للمرجعية. ثم نرى المرجعيات الدينية الشيعية متمثلة بمرجعية النجف، والسنية متمثلة بهيئة علماء المسلمين، تشارك في العملية السياسية بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر. ولا نقول بالضرورة أن هاتين المرجعيتين طائفيتان في توجههما وخطابهما، ولكننا نلمس الطائفية في الثانية على أقل تقدير بشكل ملحوظ، دون نفي إمكان كون بعض أعضائها غير طائفيين، كما إننا نشهد أن الأولى ورغم ترفعها عن الطائفية، قد قامت بدعم واضح لقائمة لبعض عناصرها دور بارز في تكريس الطائفية.
لست بصدد إعطاء حكم إيجابي هنا لحزب من هذه الأحزاب، أو حكم سلبي على غيره، بقدر ما أسجل حقيقة لا ينكرها أحد، هي إن المحاصصة الطائفية والطائفية السياسية وطوأفة البرلمان والحكومة وكل مؤسسات الدولة، الذي ظـُنّ أنه علاج للطائفية؛ إنما جاء كل ذلك ليكرس الطائفية السياسية، وبالتالي ليكون وقودا لإشعال فتيل نار الفتنة الطائفية. ولذا فإن الاستمرار في ظاهرة وجود قوائم انتخابية، وبالتالي كتل برلمانية شيعية-إسلامية، وسنية-عربية-إسلامية، وسنية-عربية-قومية، أمر من شأنه تكريس الطائفية.
من هنا لا بد من أن يأتي قانون الأحزاب الجديد بحلية ديمقراطية وطنية تضع الوقايات اللازمة أمام الطائفية السياسية، وتسهم في التحول من المحاصصة الطائفية إلى التعددية السياسية التي تتجاوز الأطر المذهبية بل وحتى القومية.
ولا بد لقانون الأحزاب الجديد هذا من أن يمنع قيام أحزاب ذات هوية دينية، وأحزاب ذات هوية مذهبية، إسلامية كانت هذه الأحزاب أم علمانية. وهنا لا يكفي أن لا يشتمل النظام الداخلي للحزب، أو البرنامج الانتخابي للقائمة على ما يدل على الهوية الدينية أو المذهبية، بل لا بد من وضع شروط محددة بنسب دنيا للتنوع المذهبي، إضافة إلى شروط للمباني الفكرية للحزب، وذلك كالآتي:
1. لا يجوز أن يقوم الحزب في فكره أو في برنامجه السياسي أو برنامجي الانتخابي قائما على أساس مذهبي.
2. لا يجوز أن يقوم الحزب في فكره أو في برنامجه السياسي أو برنامجي الانتخابي قائما على أساس ديني.
3. لا يجوز أن يقوم الحزب في فكره أو في برنامجه السياسي أو برنامجي الانتخابي قائما على أساس قومي.
4. تستثنى من الشروط أعلاه الأقليات الدينية والمذهبية والقومية، إذا كان تشكيل تلك الأحزاب يشكل ضمانة لحقوق تلك الأقليات، ويقصد بالأقليات كل ما كان دون الـ 10% من نفوس العراق.
5. لا يجوز استخدام الرموز الدينية للدعاية الانتخابية أو كشعار للحزب.
6. لا يجوز تدخل المرجعيات الدينية على نحو يسهم في تقوية أو تضعيف كيان أو تيار سياسي، أو قائمة انتخابية أو كتلة برلمانية.
7. لا يجوز أن يكون الحزب السياسي متكونا من أعضاء منتسبين لمذهب واحد من المذهبين الأساسيين للمسلمين في العراق، بل لا بد من أن يجسد الأعضاء التنوع المذهبي، فيكون مع فرض غلبة أحد المذهبين، ما لا يقل عن 20% من أعضائه من أتباع المذهب الثاني، ونفس النسبة يشترط تحققها في قيادة الحزب.
8. لا يجوز أن تكون القائمة الانتخابية متكونة من مرشحين منتسبين لمذهب واحد من المذهبين الأساسيين للمسلمين في العراق، بل لا بد من أن يجسد الأعضاء التنوع المذهبي، فيكون مع فرض غلبة أحد المذهبين، ما لا يقل عن 25% من أعضائه من أتباع المذهب الثاني، فيكون كل رابع مرشح من المذهب الآخر على الأقل.
9. لا يجوز أن تكون القائمة الانتخابية متكونة من مرشحين منتسبين لدين واحد، بل لا بد من أن يجسد الأعضاء التنوع الديني، فيكون مع فرض غلبة أحد الأديان، ما لا يقل عن 5% من مرشحيها من أتباع الديانات الأخرى، فيكون ضمن كل عشرين مرشحا مرشح واحد من دين آخر على الأقل، على أن يدرج الأول في ترتيب لا يتأخر عن الخامس في القائمة.
10. لا يجوز أن تكون القائمة الانتخابية متكونة من مرشحين منتسبين لقومية واحدة، بل لا بد من أن يجسد الأعضاء التنوع القومي، فيكون مع فرض غلبة إحدى القوميات، ما لا يقل عن 5% من مرشحيها من أتباع القوميات الأخرى، فيكون ضمن كل عشرين مرشحا مرشح واحد من قومية أخرى على الأقل، على أن يدرج الأول في ترتيب لا يتأخر عن الخامس في القائمة.
بهذه الطريقة نستطيع أن نخطو خطوة مهمة في إنقاذ العراق من السقوط في هاوية الفتنة الطائفية، ونستطيع أن نعبر خطر تحول الطائفية السياسية إلى دستور غير مكتوب، تدفع ثمنه الأجيال طويلا وغاليا من تنافر وتباعد واحتراب، وكل من يرفض أي مشروع إنقاذ للعراق من خطر الطائفية، سيتحمل المسؤولية التاريخية أمام الأجيال من الشعب العراقي وأمام الضمير وأمام الله سبحانه وتعالى.
من الواضح جدا أن المسيطر على المسرح السياسي العراقي والمؤثر في المشهد السياسي هي الأحزاب الدينية والمذهبية التي لا يبتعد معظمها عن التطرف أو لا أقل التشدد، وعن الطائفية. وفي الوقت الذي حاولنا أن نضع حلا لهذه المسألة عبر قانون عصري ديمقراطي غير طائفي للأحزاب، لا بد أن تتضافر مع ذلك مجموعة خطوات، لأن مشروع الإنقاذ من الطائفية من التعقيد والصعوبة مما يجعله غير قادر على تحقيق النجاح، من غير هذا التكامل والتضافر لمجموعة خطوات وخطط وبرامج وإجراءات، دستورية وقانونية ودينية وثقافية وحزبية وانتخابية.
بهذا نحتاج إلى جانب الحد من دور الأحزاب الطائفية أو التي يمكن أن تسهم بقدر أو بآخر في تكريس الواقع الطائفي، نحتاج إلى جانب ذلك إلى تقوية البديل السياسي، ألا هو تيار قوى الوسط، المتمثل بالقوى السياسية المعتدلة والديمقراطية والوطنية، سواء كانت إسلامية معتدلة ديمقراطية، أو علمانية وليبرالية معتدلة.
هذا يحتاج فيما يحتاج إليه إلى تحشيد جميع الطاقات لهذه القوى، وبلورة مشاريع على ثلاثة مستويات؛ المستوى الأعلى متمثلا بالمشاريع التوحيدية للقوى السياسية ذات الرؤى والبرامج السياسية المتقاربة، والمستوى المتوسط متمثلا بالمشاريع التحالفية تمهيدا لتشكيل قوائم انتخابية قوية، والمستوى الأدنى هو مشاريع وبرامج التنسيق والحوار على المشتركات. وفي كل ذلك لا بد من التأكيد على نقاط أساسية:
مركزية المشروع الديمقراطي.
أولوية الهوية الوطنية.
الإيمان بالسلام وطنيا وإقليميا ودوليا.
الوسطية والاعتدال.
نبذ الطائفية والعنصرية.
نبذ التطرف والعنف.
الإيمان بالحوار والتعايش وقبول الآخر.
المرحلة تحتاج إلى تجاوز كل الخصوصيات الإيديولوجية، والتفكير جديا بفكرة تأسيس حزب يؤمن فقط وفقط بالديمقراطية والوطنية العراقية والعدالة والسلام، ويرجئ كل ما دون ذلك إلى ما بعد عبور المخاطر التي تحف بالمشروع الوطني، والذي هو بدرجة أساسية وموقع مركزي مشروع إنجاح عملية التحول الديمقراطي في العراق. وبعد عبور هذه المرحلة، التي قد تحتاج إلى دورتين من بعد الدورة الانتخابية الحالية كحد أدنى، وخمس دورات كحد أقصى، مع إمكان الاكتفاء بعدد بين العددين من الدورات. في هذه المرحلة يلتقي الإسلامي المعتدل واليساري المعتدل والليبرالي المعتدل، وليس مهما أن يكون المتبنى لحل المشكلة الاقتصادية الآن على أساس الإيمان بالاشتراكية الديمقراطية، أو اقتصاد السوق، بل المهم هو جعل العدالة والرفاه الاجتماعيين هما الهدف في هذا المجال، وليس مهما كيف ينظر لهدف تحقيق السيادة الوطنية فيما هي التفاصيل، بل المهم هو جعل السيادة هدفا للجميع، ولا بد من القبول بتنوع الرؤى، كما هو الحال داخل الحزب الواحد الذي يستوعب تنوع الرؤى ضمن الخط العام لسياسة ومباني الحزب، مع السماح هنا بجعل الفسحة أوسع وأكثر مرونة في استيعاب حالة التنوع في الرؤى التفصيلية، وفي حال الاختلاف، يحسم الأمر بالآليات الديمقراطية وباعتماد مرجعية الدستور المقرّ والمعدّل. وتكون أسس هذا الحزب هي الآتية:
اعتماد الديمقراطية كقضية مركزية.
تقديم الهوية الوطنية على كل الهويات الثانوية سواء الأخص أو الأعم من الهوية الوطنية العراقية.
الالتزام بمبدأ المساواة في المواطنة واعتمادها معيارا وحيدا لا مفاضلة فيها على أساس العرق أو الدين أو أي اعتبار آخر.
جعل السلام هدفا مقدسا وأصلا ثابتا على كل الأصعدة، وطنيا، وإقليميا، ودوليا، واتخاذ موقف واضح في رفضه وإدانته للإرهاب، ونبذ الاحتراب والعنف، حتى العنف على مستوى الخطاب.
التزام الوسطية والاعتدال ونبذ التطرف والعصبيات الدينية والمذهبية والقومية والإيديولوجية والحزبية.
عدم تبني إقحام المرجعية والمؤسسات الدينية في العملية السياسية.
اعتماد موقف مرن من الإسلام يتحمل التنوع، ما بين تبني الرؤية الإسلامية المعتدلة المنفتحة التي تؤمن بالديمقراطية ولا تعمل على تسييس الدين، وبين العلمانية التي لا تحمل حساسية مُفـْرطة تجاه الدين، والمستعدة لقبول احترام قيم الإسلام وثوابته المجمع عليها بالحد الأدنى.
اعتماد الكفاءة والنزاهة ورفض المحاصصات بكل أنواعها التي تكون على حساب مبادئ الديمقراطية والمصالح الوطنية العليا.
اعتماد مبدأ العدالة الاجتماعية وتحقيق الرفاه الاجتماعي.
اعتماد الفيدرالية الضامنة لوحدة العراق وغير المكرسة للطائفية، واعتماد مبدأ المساواة بين الأقاليم الفيدرالية في إعادة البناء والرفاه الاجتماعي.
اعتماد المساواة في اعتماد مبادئ وأسس الديمقراطية على الصعيد الاتحادي والصعيد الإقليمي، وفيما بين الأقاليم الفيدرالية بعضها والبعض الآخر، واعتماد مبدأ التلازم بين الديمقراطية والفيدرالية.
فلو تأملنا بهذه الأسس، وجدنا أنها تمثل أسسا محايدة إلى حد كبير إيديولوجيا، يتبناها من يؤمن بها، سواء كان علمانيا يساريا أو بتعبير آخر اشتراكيا ديمقراطيا، أو ليبراليا وسطيا أو بتعبير آخر وطنيا ديمقراطيا، أو إسلاميا معتدلا ديمقراطيا.
نعم هذا لا يمكن أن يتحقق ما لم يتحل كل المعنيين بالإيثار حزبيا وشخصيا، لأن مثل هذا المشروع لا يمكن أن يقوم على أساس المحاصصة، بل تندمج الأحزاب المعنية بقياداتها وكوادرها وقواعدها، وتحدد شروط العضوية وشروط القيادة والهيكلية والنظام الداخلي، ويكون القيادي والمؤسس لأي كيان سياسي على كامل الاستعداد أن يكون واحدا من الكيان الجديد الموحد، إن انتخب كواحد من أفراد القيادة، أو كان عضوا عاديا في الحزب، ولا يمكن اعتماد التوزيع على أساس المحاصصة بأي حال من الأحوال. القضية تحتاج إلى تضحية وإيثار كبيرين، ولكن ألا يستحق العراق، ألا يستحق مستقبل العراق، ألا يستحق مشروع التحول الديمقراطي، هذه التضحية وأكثر منها؟ أليست المخاطر التي تحف المشروع بمبرر كاف لبلورة مثل هذا المشروع وخوض هذه التجربة التي يمكن أن تتحول إلى نموذج لكل عمليات التحول الديمقراطي في المنطقة وفي العالم الإسلامي؟
وكما بينت بعد عبور مرحلة الخطر، يمكن من جديد أن نتحول إلى أحزاب يتحلى كل منه بخصوصيته في حل القضايا التفصيلية، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية وغيرها، فيتوزع الديمقراطيون العراقيون عندها إلى يسار معتدل، ووسط، ويمين معتدل، وإسلام معتدل، فنتنافس عندها على بناء الوطن وتطويره وخدمته، كل على ضوء إيديولوجيته السياسية الخاصة.
صحيح إن الدستور وحده لا يكفي لحل مشاكل البلد، ولكن الدستور يمثل القاعدة والمرجعية، فكلما كانت قاعدة بناء الدولة سليمة، والمرجعية السياسية معافاة، كانت إمكانات تشييد واقع للدولة والمجتمع أفضل، مما لو كان هناك ثمة خلل في قاعدة الدولة، أو سقم في مرجعية الحياة السياسية.
ولكن لو فكرنا عم يجب أن يتوفر في الدستور من شروط، حتى تتقلص فرص التأسيس للطائفية السياسية، نجد أن هناك ثلاثة عناصر، ينبغي أن تصاغ النصوص الدستورية المتعلقة بها صياغة دقيقة، من أجل تضييق الخناق على فرص الطائفية. هذه العناصر هي:
1. مذهبية الصبغة لدستورية.
2. دينية الصبغة الدستورية.
3. ديمقراطية الصبغة الدستورية.
فبقدر ما تؤسس الصبغتان المذهبية والدينية، إذا ما صُعِّدت إلى أكثر مما تتحمله النصوص الدستورية، لفرص تكريس وتعميق وإدامة الطائفية، بقدر ما تؤسس ديمقراطية الدستور، كلما تأكدت ووُضِعت لها الضمانات الكافية والآليات اللازمة، لتعددية سياسية غير مؤدلجة دينيا أو مذهبيا؛ تلك الأدلجة التي تمثل بذور الأصولية الدينية من جهة، والطائفية المذهبية من جهة أخرى، واللتين أي ذينك الأصولية والطائفية تشكلان بؤر الخطر على مشروع الديمقراطية، وعلى مشروع الوطن، وعلى مشروع السلام، وليس آخرا على مشروع الدين، فيما جوهر الدين وحقيقته الإلهية والإنسانية، التي تريد للإنسان أفرادا ومجتمعات أن يعيش إنسانيته ويعيش معاني السلام والمحبة والبناء من خلال استثمار ما سخر الله للإنسان من طبيعة وقانون طبيعي وعل مبدع وفطرة إنسانية تستمد نقاءها وسموها مما نفخ الله في الإنسان من روحه وروحانيته ورحمته.
ومن هنا أحب أن أشير إلى تحفظات على بعض النصوص الدستورية التي أرى أن فيها تصعيدا حادا للصبغة الدينية (الإسلامية)، والصبغة المذهبية (الشيعية) الصارختين، بما أجد أنه مما لا يتحمل الدستور، ومما لا يتحمله الدين والمذهب. وكنت قد بذلت قصارى جهدي في اللجنة الدستورية، لاسيما اللجنة الأولى المعنية بالمبادئ، لتخفيف هاتين الصبغتين الصارختين الدينية والمذهبية، ولكني ومعي الأعضاء من الكرد والعلمانيين فيما يتعلق الأمر بالصبغة الدينية، وهما والسنة فيما يتعلق الأمر بالصبغة المذهبية؛ لقينا إصرارا عجيبا لا تفسير له من قبل الائتلافيين، وكنت منهم، أعني من الائتلافيين، لا من المُصِرِّين، مع العلم أن بعض الائتلافيين لم يكن مُصِرّا من موقع القناعة، بل إما من موقع المزايدة لشخصه أو لحزبه، أو من موقع الخوف من رشقه بتهم التسامح في إسلامية التوجه أو في شيعية الهم، لما وُجد من نـَفـَس طائفي من قبل الطرف الآخر.
إذن من أجل التخلص من المخاطر الدستورية؛ مخاطر الأصولية الإسلامية، ومخاطر الطائفية الشيعية-السنية، لا بد من تعديل تلك النصوص إلى ما هو أكثر اعتدالا وأشد وطنية وأعمق ديمقراطية. وسأستعين هنا بإحدى أوراقي الدستورية التي أعددتها آنذاك، وحاولت الترويج لها، ولكن اصطدمت بجدران التشدد وآفاق الفهم الدستوري الضيقة، التي اختزلت العراق في القضايا الصغيرة، وتعامت مع العملية الدستورية بنـَفـَس المغالبة، ونـَفـَس المزايدات السياسية، ونـَفـَس كتابة نصوص لافتات لتظاهرة حماسية أكثر مما هي نصوص دستورية، ونـَفـَس اختزال الكل في الجزء، أي اختزال في قضية شيعية هنا، وقضية كردية هناك، وقضية تركمانية وأخرى إيديولوجية إسلامية أصولية تبناها الشيعة الإسلاميون، أو إيديولوجية قومية عروبية تبناها السنة العرب. كتبت في حينه في ورقتي، مضيفا إليها إضافات في قوسين مربعين، هكذا [الإضافة]:
هذه الآراء لا تـنطلق من رؤية إيديولوجية أو توجه سياسي ذي خصوصية، بل من محاولة لإيجاد جامع وطني، يحاول أن يوفـق بين الرؤية الإسلامية والرؤية العلمانية، بين الرؤية العربـية والرؤية الكردية، بين رؤية الأكثرية و رؤى الأقـليات، أو قـل بيـن رؤية هذا المكوّن وذلك المكوّن، بيـن الرؤية الشيعية والرؤية السنية، بين رؤية الاتجاه الوطني العراقي ورؤية الاتجاه القومي العربي. وهي تحاول ألا تبتعـد عن نتائج عمل اللجنة الأولى، [لجنة المبادئ في لجنة كتابة الدستور التي اخترت مقررا لها، وأديت هذا الدور حتى آخر عملها بشكل فاعل،] بل تدور في رحاها، وتـثبت ما اتـفقت عليه بالإجماع، أو ما يقـترب من الإجماع، وتبذل قصارى الجهد في القضايا الخلافية لاختيار ما يمثـل الالتـقاء وسط الطريق. [وهنا لا بد من ذكر حقيقة للتاريخ، هو إن من أكثر ما سبب لهذه اللجنة من متاعب وتلكؤ وتأخر هو دور الائتلافيين في هذه اللجنة، والتي كان رئيسها منهم، وبالرغم من وجود بعض المعتدلين فيها، إلا أنهم كانوا بالنتيجة يوحدون رأيهم وراء متبنيات رئيس اللجنة وما كان ينعته بالخطوط الحمراء، ويدعمه في ذلك بل ويؤثر عليه عضو آخر ملازم له ومؤثر عليه بشكل واضح باتجاه التشدد الإسلامي والتشدد الشيعي على حد سواء، وبدرجة كانت في تقديري لا تخدم الإسلام، ولا تخدم الشيعة، ولا تخدم الوطن.]
جاء في المادة الثانية من الباب الأول المعنون بـ «المبادئ العامة» النص الآتي:
أولا- الإسلام دين الدولة الرسمي، وهو مصدر أساس للتشريع:
أ- لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام.
ب- لا يجوز سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية.
ج- لا يجوز سن قانون يتعارض مع الحقوق والحريات الأساسية الواردة في هذا الدستور.
ثانيا- يضمن هذا الدستور الحفاظ على الهوية الإسلامية لغالبية الشعب العراقي، كما ويضمن كامل الحقوق الدينية لجميع الأفراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية.
وكانت كامل العبارة للمادة كالآتي:
الإسلام دين الدولة الرسمي، وهو ("المصدر الأساسي للتـشريع [مطلب الإسلاميين المتشددين، وكنت المعارض الوحيد في اللجنة]/ مصدر أساسي للتـشريع [البديل المطروح من قبل بقية أعضاء اللجنة أي الكرد وعموم العلمانيين، وأنا كإسلامي وحيد، كان يسندني في البداية أكثر من واحد، لكنهم ترجعوا لأسباب سأذكرها في المستقبل]/ مصدر أساسي من مصادر التـشريع [رؤية أخرى لبعض العلمانيين، تنازلوا عنها إلى الصيغة المخففة السابقة])، ولا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابته وأحكامه (ثوابته المجمع عليها [مما كان الكرد والعلمانيون وأنا كإسلامي وحيد بقي حتى النهاية يصر عليها، كان يسندني في البداية أكثر من واحد، لكنهم ترجعوا لذات الأسباب])، (ولا مع مبادئ الديمقراطية، ولا مع الحقوق والحريات الواردة في الباب الثاني من هذا الدستور)، ويصون هذا الدستور الهوية الإسلامية لغالبية الشعب العراقي، ويحترم جميع حقوق الديانات الأخرى.
حيث كان هناك رأي يصر على ذكر عدم جواز التعارض "مع مبادئ الديمقراطية، ولا مع الحقوق والحريات"، بينما وجد من جهة أخرى أن ذكر هذه العبارة في هذا السياق يتضمن شبهة تهمة تجاه الإسلام، ولذا جرى طلب ترحيل هذه العبارة إلى مكان ثان، أو ذكرها كمادة منفصلة، إلا أن أصحاب الرأي الآخر أصروا على إدراجها في هذا السياق. من هنا جاء الحل المقـترح [من قبلي] هنا أن يرحل كلا الشرطيـن؛ شرط عدم التعارض مع الإسلام، وشرط عدم التعارض مع مبادئ الديمقراطية والحقوق، إلى مادة أخرى. وعلى ضوء ذلك جاءت العبارة المقـترحة كالآتي:
الإسلام دين الدولة الرسمي، وهو مصدر أساسي للتشريع، ويصون هذا الدستور الهوية الإسلامية لغالبية الشعب العراقي، ويحترم جميع حقوق الديانات الأخرى.
وإذا حلـّـلناها إلى عناصرها لنقف عند كل منها، نجد الأمر كالآتي:
1. الإسلام دين الدولة الرسمي
هذا موضع اتـفاق.
2. وهو مصدر أساسي للتشريع
وكانت فيه ثلاثة آراء 1) "المصدر الأساسي للتشريع"، 2) "مصدر أساسي للتشريع"، 3) "مصدر أساسي من مصادر التشريع". ولعلنا ينبغي أن نطبق هنا مبدأ "خير الأمور أوسطها"، فالأول مع صيغة التعريف بالألفلام لعله يقـترب كثيرا من معنى "المصدر الوحيد"، وهذا غير مطروح، وتبقى إذن كلا الصياغتين الثانية والثالثة هما الأكثر مقبولية، ولا أجد أي ضير من إضافة "من مصادر"، ما دام التأكيد على مركزية وأهمية الإسلام كمصدر للتـشريع محروزا من خلال عبارة "أساسي"، ولا أجد أن لام التعريف تضيف شيئا إلى الإسلام ولا رفعها ينتـقص شيئا منه. ولكن يمكن كما جرى التوافق عليه اعتماد الصيغة الوسطى. مع العلم أن لفظة "أساسي" ليس لها أثر عملي يذكر، بقدر ما لها من أهمية اعتبارية، كونها تمثل مطلبا لشرائح واسعة من الشعـب العراقي. [مع إن رأيي كان أن حتى هذا لا حاجة حقيقية له، فيكفي أن يسكت الدستور عن ذلك، والسكوت يعني أنه لا يمنع من الرجوع إلى الإسلام كمصدر من مصادر التشريع، ويتخذ موقعا أساسيا ومركزيا أو موقعا دون ذلك بحسب تركيبة البرلمان التي هي نتاج العملية الديمقراطية وتعبير عن اختيار أكثرية الشعب العراقي، وهذا من الأمور المتحولة وليست الثابتة.]
3. ويصون هذا الدستور الهوية الإسلامية لغالبية الشعب العراقي، ويحترم جميع حقوق الديانات الأخرى.
وهذه عبارة جيدة وليس – حسب ظني – من معترض عليها، وإن كانت العبارتان (1) و(2) مجزيتيـن، بل حسب رأي فقهاء الدستور أن الأولى تكفي، ولكن لا بأس من بعض التكرار أحيانا للتأكيد والطمأنة، كما جرى تأكيد كثير من الصياغات كتأكيد الديمقراطية بالتعددية والتداول السلمي للسلطة، وتأكيد الفيدرالية باختصاصات السلطات الإقليمية، وتأكيد الاستـقلال بالسيادة وهكذا.
وربما يكون من المناسب اختصار العبارة كالآتي:
"الإسلام دين الدولة الرسمي ومصدر أساسي من مصادر التـشريع وهوية غالبـية الشعب العراقي".
[بل يكفي القول:
"الإسلام دين الدولة الرسمي باعتباره دين غالبـية الشعب العراقي".
فهذه العبارة مجزية تماما، وجامعة مانعة، وأي إضافة لها إنما هو حشو لا فائدة حقيقية منه، وهو علاوة على ذلك تأكيد للتشدد الأصولي الذي يضرّ الإسلام والوطن على حد سواء، ولا ينفع لا الإسلام ولا الديمقراطية ولا السلام والوئام المجتمعي. ونحن نعالج هنا مرض الطائفية، لا بد من تقرير حقيقة أن هناك تلازما بين التشدد الإسلامي والطائفية، فكلما جرى تصعيد للأصولية الإسلامية، كلما أسهم ذلك في تصعيد المنحى الطائفي، مع إن الإسلامية السياسية لا ينبغي من حيث المبدأ ومن الناحية النظرية أن تسهم في تكريس الطائفية، بل العكس هو الصحيح، لكن واقع الإسلام السياسي الشيعي والسني في العراق يؤكد هذا التلازم بين الأصولية والطائفية للأسف الشديد بالنسبة لمعظم القوى الإسلامية المؤثرة وليس كلها، وهذا يكفي.]
[واقترحت في وقتها] مادة منفصلة تـتـناول التـشريع القانوني في هذا الباب [أي باب المبادئ العامة] أو في باب السلطة التـشريعية، يمكن إيـرادها كفقرات كالآتي:
1. لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت الإسلام المجمع عليها. [مع تأكيد أهمية إيراد "المجمع عليها" التي كانت مطلبي في اللجنة ومطلب الكرد وعموم العلمانيين، وأكثر الإسلاميين الذين تراجعوا بسبب الضغط الممارس عليهم في الدوائر المغلقة، بل وكان ذلك مطلب ممثل السنة العرب الذي التحق لاحقا بالالتحاق الخمسة عشر، والذي كان إسلاميا.]
2. لا يجوز سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية، ولا مع الحقوق والحريات الواردة في الباب الثاني من هذا الدستور، ولا مع أي من الأسس الدستورية الواردة في الباب الأول منه.
وهنا لا بد من تـناول الصياغات المختـلفة المتعلقة بما لا يجوز من الإسلام التعارض معه في سن القوانين:
- ثوابته
- ثوابته وأحكامه
- ثوابت أحكامه
- ثوابته المجمع عليها
- ثوابت أحكامه المجمع عليها
- ثوابته وأحكامه المجمع عليها
بعيدا عن مناقـشة ما إذا نختار "ثوابته"، أو "ثوابته وأحكامه"، أو "ثوابت أحكامه"، لماذا يرى البعض وأنا منهم يا ترى ضرورة تـثبـيت "المجمع عليها".
إدراج عبارة "المجمع عليها" في الواقع مهمة، بل في غاية الأهمية. ويعترض البعض متوهما على أن هذا يمثـل تضيـيقا لدور الإسلام، باعتبار أن المجمع عليه من الإسلام يمثـل دائرة ضيقة جدا. ولكن العبارة في الواقع لا تعني أبدا أنه لا يجوز الرجوع في سن القوانيـن المستمدة من الإسلام إلا إلى ما هو مجمع عليه، كما يتوهم البعض، بل هي تمثـل الخط الأحمر، لما لا يجوز التعارض معه، وإلا فإذا افترضنا أنه قد عارضت الأكثرية البرلمانية سن قانون ما، لأنها ترى أنه يتعارض مع الإسلام، حتى لو لم يكن القول بالتعارض مما يحظى بالإجماع، أو ترى أنه يتعارض مع مصلحة وطنية ما، أو لأي سبب آخر، فلن يقبل هذا القانون. وإذا قيل المجمع عليه قـليل جدا، فما يضير ذلك الإسلام وقد ذكرنا أنه "مصدر أساسي للتـشريع" [مع إني لا أرى ضرورة إضافة "أساسي" أو "أساس". وإذا قيل من قبل من يكون الإجماع هنا، فيمكن تكملة العبارة بـ "المجمع عليها من المذاهب المعتبرة والفقهاء المعتبرين."
انتهى النص الذي كنت كتبته في حينه. ولا بد من إشارة إلى أن هذا الذي خرج من المطبخ الدستوري، بعد انتهاء اللجنة الدستورية من عملها هو ليس كل ما كان يصر عليه الائتلافيون المتشددون، بل كانوا يصرون على مطلبين أهدرنا الكثير من الوقت بسبب إصرارهم عليهما، وهو إضافة ألفلام التعريف بقول "المصدر الأساس" بدلا من "مصدر أساس"، وتسمية دولة العراق بـ "جمهورية العراق الإسلامية الاتحادية".
في كل الأحوال فإن تخليص الدستور من الصبغة الإسلامية الصارخة، هو بمثابة استئصال لبؤر الخطر على الوطن والسلام والديمقراطية والإسلام من الدستور. وسيجري لاحقا تناول الصبغة المذهبية الشيعية التي أقحمت إقحاما غير مبرر في نصوص الدستور.
ثم أتناول ما من شأنه المتعلقة تضييق الخناق على فرص الطائفية في النصوص الدستورية، بإلغاء الصبغة المذهبية، بعدما تناولت ضرورة تخفيف الصبغة الإسلامية.
جاء في الديباجة عبارة:
"عرفانا منـّا بحقِ الله علينا، وتلبية لنداء وطننا ومواطنينا، واستجابة لدعوةِ قياداتنا الدينية والوطنية، وإصرار مراجعنا العظام وزعمائنا ومصلحينا، وقوانا الوطنية وسياسيينا، ووسط مؤازرةٍ عالمية من أصدقائنا ومحبينا، ..."
فهناك تأكيد على الصفتين الدينية والمذهبية في عبارة "قياداتنا الدينية و..."، وعُرفا ينطبق العنوان على زعيمي المجلس الأعلى والتيار الصدري، وعبارة "وإصرار مراجعنا العظام"، ومصداقها المرجعية في النجف الأشرف. ويمكن القول بأنه يمكن أن ينطبق أحد العنوانين أو كلاهما "قياداتنا الدينية"، و"مراجعنا العظام"، ولكن هذا المعنى ينتفي، لعدم مشاركة هيأة علماء المسلمين في الدعوة للدستور، وانطباق عبارة "المراجع العظام" عرفا على مراجع الشيعة. وجاءت عبارة "مراجعنا العظام" بديلا عن المادة الدستورية التي أرادها الائتلافيون في المبادئ العامة، والتي اشتروها شراءً، مقابل ثمن تضييق إضافي لحرية تشكيل الأقاليم الفيدرالية.
وجاء في المادة العاشرة في الباب الأول (المبادئ العامة):
"العتبات المقدسة والمقامات الدينية في العراق كيانات دينية وحضارية، وتلتزم الدولة تأكيد وصيانة حرمتها، وضمان ممارسة الشعائر بحرية فيها."
والغريب أن الائتلافيين أصروا إصرارا لا تفسير له على إدراج (اللطم) مرتين في الدستور؛ في باب المبادئ العامة، وفي باب الحقوق. ففي المادة العاشرة جرى التأكيد على "ضمان ممارسة الشعائر بحرية في العتبات المقدسة والمقامات الدينية." مع أنه لا معنى لهذا التأكيد، ولا فائدة عملية منه، إذا ما وجدنا أن المادة الحادية والأربعين قد ضمنت هذا الحق بالنص الآتي، وهو النص الذي يكرر التأكيد على حق (اللطم) في الدستور، حيث تنص المادة على ما يأتي:
أولا - أتباع كل دين أو مذهب أحرار في:
أ - ممارسة الشعائر الدينية، بما فيها الشعائر الحسينية.
مع إن كون "أتباع كل دين أو مذهب أحرار في ممارسة الشعائر الدينية"، يمثل ضمانة دستورية حتى للأقلية الدينية التي لا تشكل إلا بضعة أنفار من المواطنين في حقها في ممارسة شعائرها وطقوسها بكامل حريتها، فيكون الحق من قبيل الأولى مكفولا لأتباع مذهب يشكلون الأكثرية في العراق. فلا أدري ما معنى الإصرار على تثبيت اللطم الحسيني مرتين وبدون مناسبة في الدستور. الديمقراطية الحقة وتثبيت كل حقوق المواطنة وضمانها، ومن ثم ضمان التطبيق الصحيح للدستور، هو الكفيل بضمان الحقوق الدينية للأكثريات والاقليات والأوسطيات الدينية على حد سواء. أما أن تضفى على الدستور صبغة مذهبية (شيعية) صارخة، لا هو بالذي يعوضهم عن كل ما أصابهم من ظلم وحيف، ولا هو الذي يضمن لهم حقوقهم، بل يختزن ذلك ضررين واضحين، أولهما أن الشيعة إنما وضعوا أنفسهم بذلك في موضع السخرية، ثم بتلوين الدستور بالصبغة الشيعية أسهموا في تكريس الطائفية السياسية.
المطلوب إذن في إطار التعديل الدستوري المزمع إجراءه لا بد من استئصال بؤر الطائفية كما بؤر الأصولية من الدستور. ومعالجة هاتين المادتين يقترح أن يكون على النحو الآتي:
المادة العاشرة تحذف كليا أو تعدل إلى النص الآتي:
"العتبات المقدسة والمقامات الدينية في العراق كيانات دينية وحضارية، وتلتزم الدولة تأكيد وصيانة حرمتها."، بدون عبارة "وضمان ممارسة الشعائر بحرية فيها".
ونص أ من أولا من المادة الحادية والأربعين يقترح أن تعدل إلى:
"أولا - أتباع كل دين أو مذهب أحرار في: أ - ممارسة الشعائر الدينية." بدون عبارة "بما فيها الشعائر الحسينية."
وأشرت إلى أن هذا الذي خرج من المطبخ الدستوري، بعد انتهاء اللجنة الدستورية من عملها هو ليس كل ما كان يصر عليه الائتلافيون المتشددون، بل كانوا يصرون على مطلبين أهدرنا الكثير من الوقت بسبب إصرارهم عليهما، وهو إضافة ألفلام التعريف بقول "المصدر الأساس" بدلا من "مصدر أساس"، وتسمية دولة العراق بـ "جمهورية العراق الإسلامية الاتحادية"، وهذا كان ما يتعلق بتشديد على الصبغة الإسلامية، أما فيما يتعلق بالتشديد على الصبغة المذهبية الشيعية، فكان هناك إضافة إلى ما مر إصرار تأكيدين آخرين على شيعية الدستور، ألا هما تخصيص مادة في المبادئ العامة للمرجعية الدينية، وذكر عبارة تشتمل على معنى أن الشيعة يمثلون غالبية الشعب العراقي.
الفيدرالية مكملة الديمقراطية، فليس للعراق إلا الديمقراطية والفيدرالية. ولكن من الضروري اجتناب تشكيل الأقاليم الفيدرالية على نحو يكرس الطائفية. ومن هنا يأتي تقسيم الجزء العربي، أو الجزء الواقع خارج إقليم كردستان إلى عراق عربي سني، وآخر شيعي، يعتبر أمرا في غاية الخطورة. قد يكون هذا التقسيم أمرا مقبولا في الظروف الطبيعية، أما أن تكون الأجواء مشحونة طائفيا على هذا النحو الذي يشهده العراق اليوم، فأي إجراء من شأنه يصعّد وتيرة الطائفية هو أمر ينبع عن توجه إما أنه لا ينطلق من إحساس عميق بالمسؤولية الوطنية، وإما أنه لا ينطلق عن وعي سياسي معمق، بل يكون ذا نية سيئة في تكريس الطائفية وجر العراق إلى أتون فتنتها، أو استئثار حزبي أو شخصي، أو تنفيذ لخطة من خطط إحدى دول الجوار، وإما عن عاطفة شيعية هنا، أو سنية هناك، لا تملك نظرة مستقبلية بعيدة المدى.
الفيدرالية الشيعية الكبيرة، أو ما يسميها دعاتها بفيدرالية أو إقليم الوسط والجنوب، مشروع لا يخدم بالتالي المشروع الديمقراطي، ولا يخدم القضية الوطنية، ولا يخدم حتى مصلحة الشيعة، لأنه مشروع سلطة الحزب الواحد، أو في أقصى الحالات سلطة اللون السياسي الواحد، أي مشروع دولة إسلامية شيعية، يتزعمها حزب الدعاة إليها، ويأخذ فيها النفوذ الإيراني فسحته الكافية من حرية اللعب بمقدرات العراق، ومشروع دولة ولاية الفقيه الشيعية غير المعلنة، وهو بالتالي مشروع يزيد من خطر مرض أو قل سرطان أو قل فتنة أو قل محرقة الطائفية في العراق، إضافة إلى تكريسه لخطر الأصولية المتشددة أو حتى المتطرفة. ولذا لا بد من مواجهة هذا المشروع برفض قاطع لا محاباة فيه لأحد.
لكن قد يقال وبحق أنه من السهولة أن ننتقد ونرفض مشروعا، ولكن ليس من السهولة بنفس الدرجة أن نطرح البديل الأفضل. وتتأكد الصعوبة بشكل خاص، عندما يكون النقد صادرا من المؤمنين بالفيدرالية والداعين إليها. إذن الفيدرالية هو الخيار الذي لا نحيد عنه من جهة، وعدم مراعاة الهوية الدينية والمذهبية والثقافية والقومية في تشكيل الأقاليم أمر غير واقعي من جهة أخرى. ثم إننا إذا ما اعتمدنا الآليات الديمقراطية والدستورية المطلوب اعتمادها بكل دقة، لا يسعنا إلا الاحتكام إلى أهالي كل محافظة، ليقرروا هم في أي إقليم ومع أي محافظة أو أكثر من محافظة من محافظات الجوار يريدون أن يتشكلوا فيدراليا، ومن هنا من الصعب أن نتصور أن أهالي محافظة أغلبية سكانها من السنة سيؤثرون التشكل مع محافظة ذات أكثرية شيعية في جوارهم على أخرى ذات أكثرية سنية، أو العكس بالنسبة للمحافظة ذات الأكثرية الشيعية. وهذا ينطبق على المكونات القومية كذلك. وبالتالي لن نستطيع أن نتجاوز الطائفية في تشكيل الأقاليم الفيدرالية بشكل تام. ولكن هذا لا يمنع من التفكير ببدائل لتشكيل فيدرالي أخف تكريسا للطائفية.
وهنا لدينا ثلاثة بدائل:
إقليم واحد للجزء العربي من العراق، بحيث يكون هناك إقليمان؛ إقليم كردستان، والإقليم العربي. وهذا يمثل مطلب معظم السنة العرب.
تكون هناك خمسة عشر إقليما، إقليم كردستان، مع تحويل بقية المحافظات إلى أقاليم. وهذا يمثل أيضا مطلبا من مطالب الكثير من السنة العرب، ويؤيدهم فيه بعض الشيعة.
اعتماد الحل الذي يجمع بين الحلين أعلاه، بأن يكون إقليم واحد للجزء العربي من العراق، مع منح محافظات هذا الإقليم ثمة صلاحيات للإدارة المحلية، هي نوع من أنواع الحكم الذاتي.
تشكيل أقاليم صغيرة، من محافظة، إلى ثلاث محافظات، أو ما لا يزيد على الخمس محافظات. هذه ستتشكل أيضا وتلقائيا، شئنا أم أبينا، على أساس الانتماء المذهبي، ويرجح ألا تلحق المحافظات المختلطة بإقليم شيعي أو إقليم سني، لأن هذا سيبعث على شعور سلبي عند أتباع المذهب الآخر، لأنهم سيعتبرون ذلك تذويبا لهويتهم المذهبية، أو تكريسا للتمييز الطائفي ضدهم. فتكون الأقاليم على ثلاثة أنواع، سنية، وشيعية، ومختلطة، وإن كان تحقيق هذا الأمر من الصعوبة بمكان، لأن تصويت أهالي المحافظة المختلطة سيؤدي إلى ترجيح الأكثرية المذهبية فيها، حتى لو كانت أكثرية بسيطة، لذا لا بد للجهة التي تعد مشاريع الأقاليم التي يراد أن يصوت عليها بشكل تراعي به هذه النقطة الحساسة، وتجري موازاة لذلك توعية على اختيار البديل الذي لا يسهم في تكريس الإحساس بالحيف الطائفي لأتباع أحد المذهبين.
إني لم أناقش هنا مصير كركوك، فلها شأن آخر، مع إن لي تصوراتي في ذلك، لأن الموضوع يناقش هنا المشكلة الطائفية بشكل خاص، وكركوك هي مدينة التنوع القومي والمذهبي، ولها تعقيداتها وحساسيتها.
لا أدعي أني قدمت حلا لهذه المشكلة الحساسة والخطيرة، ولكنها إثارات على طريق إيجاد حل ما؛ هذا الحل الذي إلم يستطع تجاوز الواقع الطائفي كليا، فلا أقل لا يكرسه، أو يراعيه بأخف درجة ممكنة. آملين أن يكون الجميع على قدر كاف من الإحساس بالمسؤولية الوطنية وبخطورة الظرف الذي نحن فيه.
وفي رأيي أنه يمكن أن تكون البدائل الثلاثة الأولى هي الخيار المرحلي، لحين تجاوز العراق لخطر الطائفية، وعندها يمكن التحول إلى البديل الرابع، الذي كان يمثل بديلي المفضل، لولا خطر الطائفية الذي يحف بنا ويهدد سلامنا ووحدتنا ومستقبلنا. ويمكن أن نتصور أن يكون التحول بعد عشرين عاما، أو بعد أي فترة أقصر من ذلك أو أطول، تكفي لتجاوز هذه المشكلة.
أما تفضيلي للفيدراليات الصغيرة نسبيا على الفيدراليات الكبيرة، كفيدرالية الوسط والجنوب، فلا علاقة له بالمشكلة الطائفية، بل هو متأت من نظرة ترى أن هذا يكون أكثر انسجاما مع روح الديمقراطية وفسح المجال للتعددية السياسية، لأن ذلك يعطي فرص التنوع السياسي لإدارة الأقاليم، ويقلل من فرص انفراد الحزب الواحد أو اللون السياسي الواحد في حكم جزء كبير من العراق، وبالتالي يعطي فرص التنافس بين الأحزاب الحاكمة في الأقاليم أو بين الائتلافات الحكومية الإقليمية، إضافة إلى أنه يقلل من مخاطر الأصولية الإسلامية المتشددة أو حتى المتطرفة.
واحد من أهم علاجات المشكلة الطائفية في العراق هو علاج القضية الأمنية. وهناك ثلاث خطوات أساسية لعلاج القضية الأمنية، وهي:
حل الميليشيات ذات الهوية المذهبية.
إنهاء حالة وجود وزارتين للداخلية؛ شيعية (الداخلية) وسنية (الدفاع).
معالجة ظاهرة تسييس قوات الأمن والدفاع وتحييزها حزبيا أو طائفيا.
فحل الميليشيات هو الهم الكبير لجميع الديمقراطيين وجميع الوطنيين في العراق، وهو الهم الذي يحمله رئيس الوزراء المالكي بجدية وصدق، ولكن يواجه في تحقيقه تحديات في غاية التعقيد، عبّر عنها في صرخته الصريحة والجريئة في مجلس النواب، وخاطب الكتل السياسية المتمثلة في المجلس بكل صراحة بأن الجميع لهم ميليشيات، ويا ليته يكون أكثر صراحة فيفصح بتسمية الأحزاب والتيارات السياسية التي تمتلك ميليشيات، منها المعروفة من قائمة الائتلاف الشيعية، والخفية من قائمة التوافق السنية، الكبيرة منها، والصغيرة على حد سواء.
وحل الميليشيات لا يجوز أن يتم مقترنا بدمجها في قوات الداخلية والدفاع، بما يؤول إلى تحولها إلى تكتلات داخل تلك القوات، تحمل ولاءات للأحزاب التي تنتمي إليها، أكثر من أن يكون ولاءها للعراق والعراقيين، وتجعل مهمتها تنفيذ تعليمات تلك الأحزاب أكثر من أن تكون مهمتها الأساسية حماية أمن الإنسان العراقي، مواليا لأحزابها أم معارضا لها أم ليس بصاحب موقف منها. وهذا يتطلب خطة دقيقة مدروسة دراسة جيدة، في كيفية توزيع أفراد الميليشيات في الوحدات المختلفة والمناطق المختلفة، بحيث يتجسد داخل كل وحدة التنوع المذهبي، وإن أمكن القومي، وكذلك السياسي، بما هي الولاءات، مع منع انتماء رجال الداخلية ورجال الدفاع إلى أي حزب سياسي، وأن يفصل من يثبت انتماؤه الذي لم يصرح به، أو يكون سلوكه واضح الانحياز لحزب أو تيار سياسي ما، أو لزعيم ما، أو لطائفة أو لقومية ما.
واحدة من سيئات المحاصصة الطائفية في توزيع الحقائب الوزارية هو جعل الدفاع للسنة والداخلية للشيعة. والكل يعرف حق المعرفة التي لا يشوبها أي شك، أن هذا يعني عمليا وجود وزارتين للداخلية، فوزارة الداخلية هي وزارة داخلية شيعية، ووزارة الدفاع هي وزارة داخلية سنية إضافة إلى كونها وزارة دفاع. وتوزعت المهام الأمنية بين الوزارتين على المناطق على هذا الأساس، فالمناطق الشيعية من مسؤولية الداخلية، والمناطق السنية من مسؤولية الدفاع، وأحيانا تكون اختراقات من قوات هذه الوزارة في مهام ومناطق الثانية وبالعكس. وتكريس الطائفية الأمنية والعسكرية إلى جانب الطائفية السياسية، أمر في غاية الخطورة، ولا يمكن أن تبقى هذه الحالة بأي حال من الأحوال، بل لا بد من جعل قوات الداخلية التي تتصدى للمسألة الأمنية ذات الحساسية المذهبية من قوات مختلطة مذهبيا، علاوة على الاهتمام بالجانب الثقافي والتربوي كما سنتناوله لاحقا.
الانتماء الحزبي لأفراد الداخلية والدفاع لا بد من أن يكون من أهم المحرمات الوطنية التي لا يجوز التسامح بها إطلاقا، وكذلك الولاء الحزبي حتى ولو دون الانتماء، لا بد أن يُراقـَب ويُطوَّق ويُنهى تدريجيا، مع اعتماد توزيع الأفراد المشتبه بوجود ولاء سياسي محدد لهم على الوحدات والمناطق المختلفة، وعدم تجميعهم في وحدة واحدة، أو منطقة واحدة. فوجود ولاءات داخل قوات الأمن والدفاع لحزب البعث المنحل، ولأحزاب إسلامية شيعية معروفة، وأخرى إسلامية سنية معروفة، فهو أمر يقع على النقيض من مهمتي الأمن والدفاع، وليس في خدمتهما، في عرضهما تماما، وليس في طولهما، وهذا أمر في غاية الخطورة، ولا بد من وضع حد له، ولو بالتدريج وضمن خطوات تسير في خطة متكاملة ومدروسة ومجدولة جدولة زمنية واضحة المعالم والآفاق.
من المهم جدا إخضاع أفراد الأمن والدفاع وبشكل مبرمج ومعمق لبرامج تثقيفية وتربوية تسهم في استئصال الحس الطائفي عند أفرادها، واستبداله بالحس الوطني، مقترنا بتعميق الوعي بأهمية المسؤولية الأمنية في بعديها الوطني والإنساني. فلا بد من دورات مستمرة لأفراد الأمن والدفاع، تسهم من جهة في تطوير كفاءاتهم الأمنية والدفاعية من جهة، وتنشر وتعمق من جهة أخرى في أوساطهم الثقافة الوطنية التي تتجاوز الطائفية والعنصرية والتحزبية، وكذلك التربية الوطنية والأخلاقية والإنسانية، في تعميق الحس بأهمية أمن المواطن وأمن الوطن، وفي قدسية حياة الإنسان، هذه القدسية المفتقد الإحساس المعمق بما فيه الكفاية بها، وكذلك لا بد من تأكيد أهمية البعد الأخلاقي في التعامل مع المواطن، والذي أي هذا البعد الأخلاقي لا يقع كنقيض للصرامة والحزم المطلوبين أمنيا، وكذلك يجب تثقيف أفراد أمن والدفاع وتربيتهم على حقوق الإنسان، وإبراز المعاني المدللة على كل ذلك في الدين، كون مجتمعنا ذا ميل نحو التدين، ولا بد من إظهار الوجه المشرق للدين في أبعاده الإنسانية والأخلاقية، مع تربية وتثقيف ديمقراطي، ومعاني قبول الآخر واحترام التنوع المذهبي والديني والقومي والتعددية السياسية، كي لا يعيش رجل الأمن أو الدفاع حالة التعصب للمذهب والدين والقومية والاتجاه السياسي، بل يتعلم كيف ينفتح على الآخر في كل تلك التفصيلات على أساس وحدة المواطنة ووحدة الإنسانية.
من غير شك إن نجاح مبادرة رئيس الوزراء لمشروع المصالحة والوفاق الوطني يمثل هو الآخر شرطا مهما من شروط استئصال ڤايروسات الطائفية القاتلة، ومعافاة الجسد العراق من هذا المرض العضال. ومن هنا فإن من الواجب الوطني تضافر كل الجهود لإنجاح هذا المشروع المهم، الذي سيجني الجميع ثمار نجاحه إن شاء الله، كما وسيدفع الجميع ضريبة فشله لا قدر الله.
كون العراق يعيش حالة طوارئ طائفية، لا بد من ترتيب الأثر على هذه الحقيقة، ومنع كل ما هو مسموح به دستوريا، بل ما يعتبر منعه في الحالات الطبيعية من الممنوعات الدستورية، مما يسهم في تكريس الطائفية وتأجيج نيرانها، فتمنع خطب الجمعة وجميع الأحاديث الدينية والشعائر التي تثير الطائفية، سياسية كانت، أم دينية، أم تاريخية، ويلتزم بعدم تناول كل الخلافات المذهبية في التاريخ والعقيدة، التي يكون الخلاف فيها ذا حساسية كبيرة ومن شأنه أن يعمق الهوة بين أتباع الطائفتين المسلمتين الرئيستين، وكذلك عدم تناول الأحداث التاريخية والشخصيات الإسلامية المختلف عليها بين الطائفتين. وهنا لا بد من وجود لجنة من شخصيات غير متحيزة من مثقفين وعلماء دين وأساتذة دين وتاريخ وعلم اجتماع وعلوم سياسية، وسياسيين محايدين مذهبيا، إسلاميين وعلمانيين، ويسري هذا المنع لمدة خمس سنوات، ويمكن تمديد العمل به، إذا ما كانت الأجواء الطائفية ما زالت سائدة بعد انتهاء المدة، كما ويمكن أن يرفع الحظر قبل ذلك، إذا ما جرى تشخيص زوال الخطر. وهذا الحظر يسري كذلك على الفضائيات وكل وسائل الإعلام. وكل خطيب جمعة أو إمام مسجد لا يلتزم بهذا الحظر، يجري تنبيهه، ثم منعه، ثم حجزه. كما ويجري إغلاق أي مسجد أو حسينية وكل فضائية وإذاعة وصحيفة لا يجري في أي منها الالتزم بهذه التعليمات، بعد التنبيه والإغلاق الموقت والإغلاق الدائم لطول فترة إجراءات التوقي الطائفي الاستثنائية.
إصلاح المناهج التربية والتعليم، لاسيما فيما يتعلق الأمر بدرسي الدين والتاريخ العربي والإسلامي، هو الآخر من الشروط الأساسية لمعالجة مرض الطائفية في المجتمع العراقي. فبالنسبة لتدريس الدين الإسلامي، فيمكن أن نتصور اختيار ما هو مشترك بين السنة والشيعة في بعض القضايا، وتناول الرؤيتين في نوع آخر من القضايا، بشكل يحفظ للرؤيتين احترامهما، وقسم ثالث يجري تجاوزه في حال يكون تناوله مما يثير الحساسيات الطائفية. وبالنسبة للتاريخ الإسلامي، فلا بد من تجاوز جميع المحطات التاريخية ذات الحساسية المذهبية، وطرح ما يمكن طرحه على ضوء رؤيتين، إذا كان ذلك من النوع الذي لا يثير الاختلاف فيه حساسية خاصة. وإلا فيسري ما يسري على خطب الجمعة والشعائر والمساجد والحسينيات ووسائل الإعلام من منع لمدة خمس سنوات، يعطل فيها كل من درس الدين والتاريخ الإسلامي، أو يحذف منهما كل ما هو خلافي، لا يمكن معه طرح رؤية وسط بين الرؤيتين المختلف عليهما، أو يصعب معه طرح كلا الرؤيتين.
التشجيع على إحياء الظاهرة الاجتماعية العراقية المعروفة، ألا هي زواج الشيعي من السنية، وزواج السني من الشيعية، وذلك بتخصيص منح مغرية من قبل الحكومة، كأن تقدم هدية مالية لمثل هذين الزوجين مقدارها يتراوح بين المليون والخمسة ملايين دينارا. كما ينبغي التشجيع على الإصلاح بين الزوجين المطلقين في حالات الطلاق الطائفي التي تكررت في الآونة الأخيرة، وتشجيع رجال الدين ورجال العشائر ووجهاء المجتمع من الطائفتين لبذل المساعي بهذا الاتجاه، مع بذل المنح للزوجين المتصالحين. وهذه الخطوات ستكون في إطار المعالجة الاجتماعية لمرض الطائفية، وهي غاية في الأهمية، مع ضرورة الحذر من تسييس المبادرة وتجييرها لصالح الأحزاب.
بذل أقصى الجهود لإعادة الصورة العراقية الجميلة للمجتمعات العراقية ذات التنوع المذهبي والديني والقومي، وذلك بإرجاع كل الشيعة الذين هجروا من المناطق ذات الأكثرية السنية إلى سكناهم، وكذلك إرجاع كل السنة الذين هجروا من المناطق ذات الأكثرية الشيعية إلى سكناهم. على أن تكون العودة مقترنة بالتكريم والاحتفاء بالعائدين من قبل أهل المنطقة، وحمايتهم من قبل أبناء تلك المنطقة من المذهب الآخر، مع ضرورة إبعاد الأحزاب عن هذه المهمة، كي تبقى العملية ذات طابع اجتماعي وغير مُسَيَّسَة لصالح الأحزاب، التي يتحمل معظمها مسؤولية المظاهر والممارسات الطائفية. ولو إن هذه الحلقات حاولت معالجة مرض الطائفية بين الشيعة والسنة بشكل خاص، لكن لا ينبغي أن ننسى كل إخواننا العراقيين الذين هجروا من مناطق سكناهم في إطار التطهير الديني علاوة على التطهير المذهبي، أو التطهير العرقي، فتجري إعادة إخواننا المسيحيين إلى مناطقهم، وإعادة إخواننا الصابئة إلى مناطقهم، وكذلك أتباع هذه أو تلك القومية، مقرونا كل ذلك بكل ألوان التكريم والاحتفاء والحماية والاعتذار والتعويض المادي والمعنوي.
فلا بد من إنهاء كل المظاهر المذهبية والدينية والحزبية من الجامعات، لنعيد للجامعة الأجواء العلمية البحتة، وأجواء الإخاء الوطني، وعدم إقحام الطائفية والحزبية في هذه الأجواء.
لا بد من الاهتمام باختيار عبارات اللافتات، وكذلك ما يستخدم من خطاب الخطيب والمحاضر والرادود، لتكون خالية كليا من أي استفزاز طائفي شيعي تجاه إخوتهم السنة، أو استفزاز سني تجاه إخوتهم الشيعة. حتى لغة اللمز لبعض الشخصيات التي تعتبر مقدسة، أو لا أقل محترمة عند الطرف الآخر، كما هو الأمر مع اللمز والتلميح الذي يُصعَّد إلى مستوى التصريح بما يتعلق بقصة الباب والمسمار والضلع وإجهاض المحسن، فنعطل كل ألوان هذا وغيره من الخطاب الاستفزازي طائفيا، لحين عبور مرحلة خطر الحرب الأهلية الطائفية لا قدر الله، وعدها من حق أي طرف أن يتناول أحداث التاريخ كما يراها ويرى وجوب التثقيف عليها، أما الآن فخطر كل ذلك واضح لكل عاقل.
فالحضور السني في الشعائر الشيعية، التي لا بد من أن تهذب من المظاهر المتخلفة والمتطرفة وغير المقبولة دينيا وعقلائيا وذوقيا وحضاريا. كما لا بد من حضور شيعي في الشعائر والطقوس السنية كمجالس الذكر والمولد وغيرها. ولكن من الواجب أن يكون الحضور حضور العقلاء والمعتدلين، وعدم السماح لتسييس هذه المظاهر لصالح الأحزاب، وعدم تجييرها لصالح التطرف. فنحن نحتاج إلى وحدة العقلاء والمعتدلين من كلا الطائفتين، ولسنا بحاجة إلى وحدة المتطرفين، كأن يتوحد الأصوليون المتطرفون سياسيا وإسلاميا، لأن التطرف الأصولي هو الآخر مرض من الأمراض التي يجب معالجتها، ولا يجوز معالجة مرض بمرض آخر ليس أقل خطرا من الأول.
فمعروف للجميع وجود تاريخين لولادة النبي الأكرم (ص)، فالسنة يحتفلون في الثاني عشر من ربيع الأول، بينما المشهور عند الشيعة هو ولادته (ص) في السابع عشر منه. وهنا لا بد من الحذر من تقليد إيران في اعتماد ما أسماه علي حسين منتظري بأسبوع الوحدة الإسلامية، واستمرت إيران في تبني هذا الأسبوع، رغم أنها صادرت المبادرة لصالح مؤسس الجمهورية الإسلامية، بسبب اختلاف الثورة مع منتظري الذي كان لفترة نائب الولي الفقيه وخليفته المعين، وتحول الأسبوع إلى مناسبة إعلان الولاء لإيران وجمهوريتها الإسلامية وثورتها ومرشدها، بتوحد الموالين من الشيعة والسنة، دون مراعاة وجوب الدعوة للوحدة في إطار التنوع السياسي والتعددية السياسية. أقول ينبغي الحذر من الوقوع في تقليد إيران في ذلك، لعدم فسح المجال للبعض للتعبير من خلال ذلك عن ولائهم المستبطن للجمهورية الإسلامية وولي أمرها أو مرشدها. بل يجب أن تتميز المبادرة العراقية بخصوصيتها العراقية. والاحتفال بولادة الرسول (ص) على ضوء التاريخ الثاني لا يجب أن يكون في الاحتفالات المشتركة على وجه الخصوص، بل لا بأس من احتفال السنة بالمناسبة في السابع عشر إضافة إلى الثاني عشر في احتفالاتهم الخاصة، واحتفال الشيعة بالمناسبة في الثاني عشر إضافة إلى السابع عشر في احتفالاتهم الخاصة، هذا إلى جانب الاحتفالات المشتركة في أي من اليومين والأيام التي تتخلل ما بينهما، دون نعتها بأسبوع، لأنها في الواقع خمسة أيام فقط وليست أسبوعا، لتجنب تقليد إيران في أسبوعها المسمى بأسبوع الوحدة.
كعلاج لحالة وجود أذان سني وآخر شيعي، من حيث المتن، والأوقات، طرحت بعد سقوط النظام البائد فكرة أن يؤذن للصبح والظهر والمغرب بالأذان الشيعي، وللعصر والعشاء بالأذان السني، وكان الفضل لحميد الكفائي إذ عمل على ترجمة الفكرة إلى تبن من قبل شبكة الإعلام، ولحد اليوم نجد أن الإعلام الرسمي يعمل بهذه الفكرة. ولكن هناك ما زالت ثغرتان في هذا التبني، وهما أولا من حيث التوقيت، فالأذان الشيعي لصلاة المغرب يتأخر بما يقارب الربع ساعة عن الأذان السني، مما له تأثيره خاصة في شهر رمضان المبارك. فمن غير المعقول أن يبقى السني ينتظر لربع ساعة متأخرا عن وقت الإفطار ومعه الشيعي الذي يلتزم بفتوى تحقق المغرب الشرعي مع الغروب الفلكي. ومن هنا لا بد من اعتماد أذانين متعاقبين لوقت المغرب، لاسيما في شهر رمضان. وثانيا هو فرض الأذان الشيعي العرفي حصرا، دون الأذان الشيعي الشرعي، أو لنقل الأذان الشيعي الشرعي وفق المشهور، دون الأخذ بالرأي الشيعي الثاني، وهو عدم وجوب وعند البعض عدم جواز إضافة ما يسمى بالشهادة الثالثة. من هنا لا بد من اعتماد ثلاث صيغ من الأذان الشيعي بالتناوب، فتارة يؤذن بالأذان العرفي وذلك بذكر «أشهد أن عليا ولي الله»، فقط وبدون أي إضافة أخرى، أسوة بوحدة صيغة الشهادة الثانية من غير إضافة شيء آخر لها، وتارة بدون الشهادة الثالثة كليا، وأخرى مع ذكرها بصيغة التعقيب على الشهادة الثانية، فتـُضاف بعد المرة الأولى بصوف أخفت ومدّ أقل الصلاة على النبي بقول «عليه وآله الصلاة»، وبعد الثانية يقال «وعليا ولي الله»، أو بعد الأولى «صلى الله عليه وآله»، وبعد الثانية «وعليا ولي الله وحجته». هذا كله له أثر في تخفيف الأجواء المذهبية وبالتالي الطائفية.
وإنها لأمنية أن يخلو خطاب ما يسمَّون برجال الدين أو العلماء من أي خطاب سياسي، حتى لو كان جيدا وإيجابيا وعميقا ومفيدا. لأن الخطاب الديني المسيس على الأعم الأغلب كان مضرا بالعملية السياسية، ومثيرا للطائفية، ومؤججا ومعمقا لمنحى التطرف أو لا أقل التشدد الديني.
13/08/2006
تبدو هذه الإجراءات متطرفة، وستلاقي بالتأكيد رفضا وممانعة شديدين من قبل كل المتمذهبين ناهيك عن الطائفيين، ولكننا إذا شخصنا أن العراق إنما وبحق يجد نفسه في ظرف استثنائي واستثنائي خطير وخطير، بكل ما تعنيه كل من مفردة الاستثنائية والخطورة، فلا بد من معالجة المرض الاستثنائي بعلاج استثنائي، والفتنة الاستثنائية بإجراء استثنائي، والمشكلة الاستثنائية بحل استثنائي، والخطورة الاستثنائية بوقاية استثنائية. ومتى ما عبرنا الخطر، سنطلق عندها العنان لحريتنا بالكامل، ومتى ما أصبحنا تعلمنا كيف نكون متحضرين، سنطلق عندها العنان لكل خلافاتنا، إذا ما عرفنا كيف نختلف حضاريا وعلميا وموضوعيا، وعلى ضوء المسؤولية الوطنية، والحس الإنساني، وجسدنا أخوة الدين لأتباع الدين الواحد، وأخوة الوطن، وأخوة الإنسانية، وكذلك على ضوء العقلانية، والتخلق بمكارم الأخلاق.
كتب ما بين 25/07 - 13/08/2006
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::