إسلامي يسوق الأدلة الشرعية على وجوب رفض الديمقراطية
لم أرد أن أردّ على السيد حسن العاشور في مقالته «الديمقراطية منظومة لا ضير من اعتمادها كآلية عند الضرورة .. ليس ردا على الأستاذ ضياء الشكرجي»، لأن أمامي مشاغل كثيرة مؤخـَّرة أراها أهم، ولخشية أنني قد أدخل سجالا يتواصل، برد على الرد، ثم رد على رد الرد، فيستنزف وقتي ويؤخرني عن أولوياتي. ولكن وجدت أن للقارئ علي حقا في أن أؤشر على المغالطات التي وقع بها الكاتب المحترم، وكذلك موارد مجانبة الموضوعية، وعدم إلمامه بالنظريات الفقهية المتعددة للحكم، واعترافه بوجوب معاداة الإسلاميين للديمقراطية بالعنوان الأولي، وجواز الأخذ بها اضطرارا بالعنوان الثانوي، مع تحين الفرص للانقضاض عليها، عملا بالحكم الشرعي بعنوانه الأولي، عند زوال أسباب الاضطرار التي رخصت العمل بالعنوان الثانوي.
لن أتوقف عند كل ما كتبه الكاتب، ولو أن أكثره يحتاج إلى ثمة وقفة، ولكني سأقتصر على ما أراه أكثر أهمية.
في البداية يتهمني جزافا - وهذا أول مؤشر على مجانبة الموضوعية - أن طروحاتي في الديمقراطية ونقدي للإسلام السياسي خاضع للمزاج بقوله: «التغيرات والتحولات الضرورية لصناعة الحياة يفترض بها أن لا تتم حسب معطيات المزاج»، وهذا مجانبة واضحة للموضوعية كما بينت، لأن المحاوِر العلمي يتناول الأفكار، ولا يطلق الاتهامات جزافا ضد محاوَره.
لنواصل معه، حيث يقول: «أنا أفهم أن الديمقراطية ليست، آلية وإنما هي منظومة متكاملة، والآلية ليست سوى جزء من ميكانزم الديمقراطية»، وهذا كلام في غاية الدقة أشكره عليه، وهو ما أتبناه، ولطالما نقدت الإسلاميين الذين يقولون بالقبول بالديمقراطية كآلية فقط، لأن هذا يختزن نية الانقضاض على المشروع الديمقراطي بمبرر شرعي، حسب الفهم القاصر للشرع من قبل هذا النوع من الإسلاميين، ولست معمما. ولكن العبارة أعلاه التي بينت اتفاقي مع الكاتب فيها، يريد منها السيد عاشور غير الذي أريده، بل هو يذهب إلى النتيجة المعاكسة تماما، لبيان مبررات لاشرعية الديمقراطية. فيقول معقبا على الجملة آنفا: «وإن اعتماد الديمقراطية من قبل الإسلاميين ليس في العراق فحسب، وإنما في عموم العالم الإسلامي هي بعض تجليات الخلل الذي رافق فكر النهضة التي حاولت أن تجزئ الغرب إلى مقبول وممقوت، كان المقبول هو التكنولوجيا استنادا إلى مبدأ حيادية العلم، والممقوت الفكر استنادا إلى كونه منحازا، ولكن حتى العلم هو منحاز في حقيقته، قد يتصور البعض أنني أسوق هرطقة، ولكن قولي بانحياز العلم ينطلق من أن العلم يعبر عن جدلية النظرية - التطبيق، التي توازي جدلية المعرفة - السلوك، ذات الامتدادات الثقافية وبالتالي ليس هناك عاقل يقول أن الثقافة ليست منحازة، ولو افترضنا جدلا أن العلم محايد، من باب (فرض المحال ليس بمحال)، فإن التطبيقات بدون شك منحازة، وإن كل مستوى علمي تحول بفعل التطبيقات إلى مستوى آخر، وعليه فإن المستوى الآخر لا يكون إلا منحازا، لأن التطبيق منحاز.» وبالتالي وحسب العبارة آنفا، وبسبب انحياز الديمقراطية للمنظومة الثقافية للغرب، ولكون الغرب (عدونا الحضاري)، لا بد من أن ننبذ الديمقراطية، كمفهوم بديهي لمنطوق ما ذكره.
ولكنه يتسامح ومن خلال نظرة واقعية تكتيكية في جواز اعتماد الديمقراطية بقوله: «ولكنني أعود لأقول إن انحياز الديمقراطية الغربي فكرا وثقافة وإيديولوجية لا يمنع من اعتمادها، إذا اقتضت الضرورة، فالضرورات تبيح المحظورات، بقوله تعالى (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه)، ولكن هناك طبعا قواعد تنظم الدخول الاضطراري إلى حيز المحظورات، فذوو الاختصاص يعرفون أن في قوله تعالى (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ...) ...» إلى آخر ما أورده من مقارنة بين اعتماد الديمقراطية من قبل الإسلاميين مضطرين غير باغين ولا عادين، وبين أكل المسلم الملتزم للحم الخنزير مضطرا غير باغ ولا عاد. وعدم البغي يعني عدم ارتكاب المحرم (الديمقراطية وأكل لحم الخنزير) بدون اضطرار، بل من موقع تعمد المعصية بلا مجوز شرعي بعنوان ثانوي، ومعنى عدم العَدْو هو عدم تعدي حدود الاضطرار في ارتكاب المعصية، ومصداقهما هنا اعتماد الديمقراطية، وأكل لحم الخنزير.
إضافة إلى ما ظهرت لاموضوعية الكاتب المحترم من خلال اتهامه لي منذ البداية لمزا وتلميحا بالمزاجية في طروحاتي، تتأكد لا موضوعيته هذه من خلال قوله: «التغير الذي طرأ على خطاب الأستاذ ضياء الشكرجي بعد الانتخابات الأخيرة، يجعلني أشك في أن ما يقوله هو لبنات مشروع قديم»، فيتبوأ كأكثر المحاوِرين الشموليين وأصحاب شخصنة الحوار موقع الغور في دواخل المحاوَر والقدرة الشهودية على كشف خبايا نواياه. ويستدل على دعواه التي لا تستند على إحاطة كاملة بمسيرة المتهَم والمدان، وهو كاتب هذه السطور بقوله «التغير الذي طرأ على خطاب الأستاذ ضياء الشكرجي بعد الانتخابات الأخيرة، يجعلني أشك في أن ما يقوله هو لبنات مشروع قديم، فالرجل دخل المجلس الوطني كإسلامي، وتحديدا مرشح لحزب الدعوة الإسلامية، وعمل حسب ما ورد في مذكراته عشرات السنين مع الدعوة». من قرأ لي ما كتبته في التسعينات يدرك جيدا أنه قلق قديم عندي، منذ كتبت مقالتي الأولى عام 1994 عن مشروعية الديمقراطية إسلاميا، ثم طرحي لمبادرة المنتدى الإسلامي الديمقراطي العراقي عام 2002 أي قبل السقوط، ومشاريع الإصلاح لحزب الدعوة التي قدمتها قبل السقوط وما بعده، كل ذلك كان مؤشرات لمشروع إصلاحي قديم، نعم حصل عليه تطور وترشد عبر التجربة، وذلك من يعرف دوري في اللجنة الدستورية، يعلم أني كنت أغرد خارج سرب الائتلاف وأسبح ضد التيار كما عبر البعض، وكنت الائتلافي الإسلامي الوحيد الذي عارض كل المواد التي عملت على إضفاء الصبغتين الصارختين الإسلامية والشيعية على نصوص الدستور؛ كل هذا يمثل محطات واضحة في مسيرتي، ولا علاقة لها بالانتخابات وغيرها. أما كوني أصبحت أكثر وضوحا في نقدي لتجربة الإسلام السياسي، فلأني كنت لغاية أيار 2006 ما أزال في حزب الدعوة، وحسمت أمر استقالتي في التاريخ المذكور، بعدما ترددت في الاستقالة لستة أشهر، بسبب نصح البعض لي أن أتأنى. ومن الطبيعي إنك عندما تكون منتميا لحزب، لا بد أن ترتب الأثر على انتمائك وتلتزم بالحد الأدنى بلوازمه، وبالتالي لا يمكن لك أن تتقاطع بشكل حاد مع مواقف الحزب. إذن استقالتي هي التي منحتني فسحة أكبر من الحرية لأكتب على ضوء قناعاتي، بينما كان طرح قناعاتي قبل ذلك مقيدا بمراعاة المتبنيات الرسمية للحزب، وعدم إمكان إحراجه بطرح ما يتقاطع مع طروحاته بشكل حاد. مع العلم إن المتتبع يعلم أني نظـَّرت لرفض إقحام المرجعية في الشأن السياسي في محاضرات ومقالات نشرت لي عام 2002، أي قبل السقوط يا عزيزي، وكذلك عام 2003، و2004، أي قبل الانتخابات الأولى. ومن يحب ليراجع ذلك على موقع نسماء www.nasmaa.com تحت باب «المرجعية والمؤسسة الدينية»، حيث يجد في كل مقالة تاريخ كتابتها. أما المشاريع الإصلاحية لحزب الدعوة، فيجدها القارئ في سلسلة «قصتي مع الدعوة» أيضا على نفس الموقع. فإذن هذه دعوى جزافية ظالمة لا تستند إلى أساس، سوى الحساسية المفرطة للشموليين تجاه المخالفين لهم بالرأي، لاسيما في المطلقات التي يؤمنون بها.
ثم يعقب بقوله «ولكنه الآن يُقرَأ من خلال ما يطرحه من أفكار كعلماني، ليس من علمانيي الفصل بين الدين والدولة، أولئك الذين يعترفون بكونهم غير متحاملين على الدين، وإنما هم دعاة لترك ما لقيصر لقيصر وما لله لله، وإنما من علمانيي إقصاء الدين عن الحياة إطلاقا»، وهو لم يميز هنا بين دعوة إقصاء الدين من الحياة السياسية، وإقصائه من الحياة إطلاقا، كما يدعي أني أدعو إليه، ولا أدري من أي نص لي استوحى واستنبط هذه الدعوة للإقصاء الكلي للدين عن الحياة واستئصاله منها، ثم هو لم يميز بين التحامل على الدين الذي يتهمني به، والتحامل على صور محددة لفهم وتطبيقات الدين في عالم الإنسان النسبي. فانظروا كيف يختزن كلامه تحريضا ضدي، لعله لم يقصده، على أني معاد للدين، كما ادعى من أراد شطب اسمي في الانتخابات الأولى أني مناوئ للمرجعية. أما قوله عني: «فهو يطالب الإسلاميين أن يأخذوا بالديمقراطية كمنظومة تستند إلى العلمانية المقصية للدين، وهذا لا يرضى به أي إسلامي»، فأقول له إن من لوازم أكل لحم الخنزير اضطرارا أي اعتماد الإسلاميين للديمقراطية وحسب التجربة وليس على ضوء النظرية المثالية المحلقة في عالم التجريد هو عدم تسييس الدين، وبينت مبرراته في كثير من مقالاتي، لا أجد ضرورة للإعادة، وهذا يختلف كثيرا عن اتهام العلمانية المعتدلة بأنها تريد إقصاء الدين عن الحياة، فهذه شعارات لتأليب المجتمع المتدين ضد الديمقراطيين والعلمانيين على أنهم معادون للدين، ولا أعني أن الكاتب ينوي هذا التأليب والتحريض، ولكن الكثير من الإسلاميين الذين يدافع عنهم يستخدمون كما هو معروف هذه الشعارات للمزايدة، ولممارسة الحرب النفسية ضد خصومهم، باستغلال العواطف الطيبة للجمهور المتدين.
ثم يصف الكاتب المحاوِر العالم الغربي أنه عالم مسيحي، ويغفل جهلا أو عمدا عن حقيقة أن العالم الغربي، لاسيما فرنسا رائدة العلمانية التي ساقها مثالا، فيما يتعلق الأمر بالسياسة عموما وبالديمقراطية خصوصا، وهذا هو موضوعنا، هو عالم علماني، أكثر منه عالم مسيحي، وقد حسم أمر الفصل بين الدين والسياسة، مع تأكيد أني أعتمد مصطلح «الفصل بين الدين والسياسة»، وليس «فصل الدين عن السياسة».
فكيف ينسب إلي الدعوة الجزافية إلى إقصاء الدين عن الحياة بالمطلق، وأنا القائل أن العلمانية هي الحاضنة الأفضل لقضايا الدين وقضايا الوطن، فالديمقراطية العلمانية تضمن حرية الاعتقاد أكثر مما تضمنه النظم الثيوقراطية، فها هو النموذج الإيراني لا يكتفي بإقصاء العلمانيين الوطنيين عن المشاركة في الحياة السياسة، بل يقصي حتى الإسلاميين الذين يعتمدون نظرية إسلامية شرعية أخرى في الحكم غير نظرية ولاية الفقيه.
وكما هو ديدن الشموليين يشخصنون الحوار فيتهمون المحاوَر تارة بنواياه التي يدعون اكتشافها عبر ملكة اكتشاف الغيب ومشاركة الله سبحانه في هذه الخاصية، أو يوحون للقارئ بأن المحاوَر لا يملك شيئا يعتد به من العلم، فهو غير محيط بالأمور التي يكتب فيها، والإحاطة وعدم الإحاطة على أي حال أمر نسبي، ولا أدعي الإحاطة الواسعة جدا بل الكافية إلى حد كبير. فعندما يسرد «إن الشكرجي يتكلم عن لقاء الإسلاميين بالسيد السيستاني وكأنه مثلبة، ويغمز من قناة ولاية الفقيه»، فيعقب متهما إياي بالجهل بقوله «دون إلمام كامل بهذ الموضوع على صعيد الفقه والحكومة الإسلامية»، ولا يعي أنه هو غير الملم بالنظريات الفقهية المتعددة للحكم، وهنا أحيله إلى كتاب أحد أساتذة الحوزة المرموقين وهو الشيخ محسن كديور (يلفظ بالفارسية كديڤر)، جليس سجن إيوين (يلفظ بالفارسية إيڤين)، وهو الكتاب القيم «نظريات الحكم في الفقه الشيعي - بحوث في ولاية الفقيه»، حيث يعدد فيه تسع نظريات للحكم في الفقه الشيعي وحده، وهي:
1. نظرية السلطنة المشروعة
2. نظرية ولاية الفقهاء التعيينية العامة
3. نظرية ولاية شورى مراجع التقليد العام التعيينية أو الولاية الشوروية في مقابل الولاية الفردية
4. نظرية ولاية الفقهاء التعيينية المطلقة
5. نظرية الحكومة المشروطة بإذن الفقهاء وإشرافهم
6. نظرية خلافة الأمة وإشراف (شهادة) المرجعية
7. نظرية ولاية الفقيه الانتخابية المقيدة
8. نظرية الحكومة الإسلامية المنتخبة
9. نظرية وكالة مالكي المشاع الشخصيين
فهي ليست نظرية واحدة كما يتوهم الكاتب. كما أحيله إلى كتب المفكر الإسلامي وأستاذ الحوزة القدير أحمد القبانجي. فالقراءة الأحادية هي التي تجعل مثل كاتبنا المحترم يعتقد انه يملك الحقيقة المطلقة.
كما تتبين محدودية إحاطته، مع احترمي لما يملكه من رصيد علمي لا بأس به؛ تتبين من خلال إشكاله عليّ بقول «وإن القول بتعدد الولي الفقيه الذي ساقه الأستاذ الشكرجي كمسلمة، لم يقل به أحد ممن يعتقدون بنظرية ولاية الفقيه، وإنما هم يقولون بتعدد مراجع الفتوى ووحدة مرجع الولاية»، وكأنه لا يعلم بوجود فقيهين معاصرين بحدود اطلاعي، أحدهما قتله البعثيون، والثاني حي يرزق، كلاهما يقول بجواز تعدد الولي الفقيه بتعدد البلدان، وهما محمد حسين فضل الله، ومحمد محمد صادق الصدر. وهذا ما يعرفه من له إحاطة أقل بقليل من إحاطة الكاتب المحترم، ومن إحاطة كاتب هذه السطور.
ويختم بقوله: «ما أود أن أقوله للأستاذ الشكرجي إن دخولنا كمسلمين في هذا العصر المتسم بعولمة أمريكية لا يعني نهاية تاريخنا، ولا يعني في الوقت نفسه نهاية إيماننا بأن الأرض لله» أي لقوى الإسلام السياسي، وهذا ما يتطلع إليه الإسلاميون، ثم يقول «ولكن لا مناص من اعتماد آليات نخوض بها غمار هذا العصر»، فيريد أن نعتمد آليات الديمقراطية اضطرارا كالمضطر لأكل لحم الخنزير غير باغ ولا عاد، ثم نتحين الفرص لننقض على الآليات التي اعتمدناها مضطرين والمحرمة بعنوانها الأولي، أي على الديمقراطية، بعد زوال أسباب الاضطرار، تماما كزوال أسباب الاضطرار لأكل لحم الخنزير للمسلم الملتزم، فنعلنها ديكتاتورية مقدسة تستمد قدسيتها من الله، سبحانه وتعالى الله علوا كبير عن تصوير الإسلاميين له.
ولا يعي الإسلاميون من أمثال السيد حسن العاشور كم هم يسيئون إلى الإسلام وإلى الله سبحانه بهذه الطروحات الإقصائية، ثم لماذا يؤاخذون العلمانيين، والحمد لله الذي هداني وجعلني من دعاة العلمانية تنزيها لدينه وتجسيدا لإنسانية الإسلام في جوهره، والذي يعتبر القسط والعدل من ثوابته التي لا يمكن الحياد عنها، وقد كتبت كثيرا عن هذا المعنى، ويغفل هؤلاء بأن من لوازم العدل التعامل بالمثل من حيث حرية الرأي وحرية الاعتقاد، وإن الأحكام الوقتية التي تبدو متعارضة مع هذا الفهم أنها خاضعة لظرف الزمان والمكان، فكانت بمثابة انتقال من المبدأ الثابت إلى الاستثناء بعنوان ثانوي، ويغفل هؤلاء أن القبول بالديمقراطية ثم التربص بها للانقضاض عليها من خلال فهمهم أن الله يرث الأرض، الذي يفهمون منه أنه يورثها للإسلاميين في نهاية المطاف، أنهم بذلك ينقضون حكما شرعيا غاية في الأهمية والمعبر عنه بـ «وأفوا بالعقود»، و«إن العهد كان مسؤولا»، «ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى»، و«ولقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط». راجيا من الأستاذ المحاور أن يطلع على كل الرؤى الفقهية قبل أن يورط نفسه في عرض إشكالات لا إحاطة له بها بما فيه الكفاية.
أرجع وأقول إذا كان الإسلاميون كلهم يفهمون الديمقراطية كما يفهمها السيد حسن العاشور، فلماذا يلوموننا نحن العلمانيين، بما في ذلك العلمانيين المنطلقين في علمانيتهم من فهم إسلامي ككاتب السطور، عندما نعمل على إقصاء من يضمر الانقضاض على المشروع الديمقراطي عن العملية السياسية، مع العلم إننا كديمقراطيين نعمل من أجل هذا الهدف في إطار قواعد الديمقراطية نفسها، كما يعمل المتدينون منا في إطار قواعد الشرع الحنيف. مع هذا ومن أجل عدم مجانبة الموضوعية أقول ليس كل الإسلاميين يفكرون كما يفكر حسن العاشور، فمنهم، وهم قلة ضئيلة، من يؤمن بالديمقراطية ويلتزم بصدق بلوازمها، فإني أعرف الكثير من داخل حزب الدعوة مثلا ممن هم هكذا، ويوما ما سيملكون الشجاعة للخروج أفواجا من أطر الإسلام السياسي إلى رحاب العقلانية والديمقراطية والعلمانية، إلا إذا استطاع الجيل الثاني القيام بثورة إصلاحية كنت أحلم بها لتحويل حزب الدعوة إلى حزب وطني ديمقراطي، يحترم ثوابت جوهر الإسلام من غير تسييس للدين. كما إننا نعرف من المعتدلين في الحزب الإسلامي العراقي، لكننا نجدهم كما نجد الديمقراطيين أو القريبين جدا من الديمقراطية ربما أكثر في الاتحاد الإسلامي الكردستاني، الذي هو في تقديري أقرب الأحزاب الإسلامية العراقية للديمقراطية، وكذلك بالنسبة لحركة الدعوة الإسلامية.
وأختم ردي هذا باتهام الكاتب المحترم لي بالتطرف بقوله: «وإني أرى تطرفك هذا أيها الأستاذ الجليل في اتجاه التنوير يشبه تمام تطرف الآخرين في الاتجاهات الظلامية، فهلا فكرت في الاعتدال؟». وخير ما أعقب به على ذلك هو قولي
«بلا تعليق»
29/09/2007
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::