نكتة (فتوى؟) حرمة الدماء والأموال والأعراض
عندما كنت مؤخرا في بيروت، وجدت طبعا كما هو الحال مع أكثر عواصم الشرق العربي والإسلامي، ظاهرة تصنيم الشخصيات الدينية والسياسية منتشرة في كل شارع. فشوارع بيروت مزدحمة بصور أولئك القادة ازدحامها بالسيارات. وحيث إن لبنان، كما هو الحال مع العراق، يعيش الطائفية السياسية بأشد درجات التخلف الثقافي، والتطرف الحزبي، والتخرف الديني، فالأحزاب تكاد تكون كلها قائمة على أساس طائفي، وليس على أسس سياسية، بل أغلبها قائمة على أسس أسَرية، مقترنة بظاهرة الزعامة للحزب مدى الحياة، وتوريثها لأحد أبناء زعيم الحزب، أو إلم يكن له ابن فللزوجة، أو لعله للبنت. المهم أن تبقى الزعامة في نفس الأسرة، ولكن إنصافا باستثناء حزب الله، باعتبار أن ولاية الفقيه، وليست الأسرة، هي التي تحسم أمر خلافة القائد.
نكتة لافتات بيروت الشرعية
والذي أثار انتباهي، وأثار في داخلي مزيجا من مشاعر الحزن على واقعنا، والضحك على فهمنا الساذج والمتخلف للدين ولقضايا الوطن، والاستغراب من طريقة تفكيرنا، هو بعض اللافتات لقوى سياسية إسلامية، أو لهيئات دينية، سنية أو شيعية، معلقة هنا وهناك في شوارع بيروت. أذكر منها لافتتين.
اللافتة الأولى:
هي عبارة عن الآية القرآنية الكريمة: «واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم». قد يسأل سائل، وما هو المضحك، أو المحزن، أو الغريب في هذه اللافتة، لاسيما وهي تمثل وحيا إلهيا، لا بد لنا من أن نقف أمامه موقف الاحترام له، والتزود بالعبرة منه؟ هنا أقول ابتداءً إن قوله تعالى «إن الحكم إلا لله» الذي استخدمه الخوارج لدعم دعواهم بتكفير علي عليه السلام، هو الآخر كان نصا قرآنيا، وعبارة «الله أكبر» التي غدت شعارا للتفجير والتفخيخ والذبح هي الأخرى نص شرعي، وكل آيات التبرير للعنف والإرهاب هي من القرآن الكريم أو من السنة. فليس الكلام هنا عن أصل العبارة، بل عن استخداماتها من قبلنا نحن المتأسلمين، فقديما وحديثا عرفنا أن رُبَّ كلمة حق يراد بها باطل، أو لنقل تؤدي إلى باطل، حتى لو لم يُرد منها قائلها من حيث النية باطلا. أما ما أثار فيّ الضحك والحزن والاستغراب، هو إن هذه الآية الكريمة ومنذ نزولها من قبل أربعة عشر قرنا، استخدمت كلما تخاصمنا وتقاتلنا ولونـّا واقعنا كله بدماء بعضنا البعض، عدنا في كل مرة عبر تاريخنا الدامي لنستخدم هذه الآية، أو آية «وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بين أخويكم». استخدمناهما كثيرا في طول ذلك التاريخ الدامي والمخجل، ولطالما استخدمناهما في عصرنا الحاضر، وما زلنا نستخدمهما عندما يتقاتل الفلسطينيون فيما بينهم، وعندما يتقاتل شيعة وسنة العراق ضد بعضهم البعض، وعندما تقاتل شيعة لبنان فيما بينهم، أو عندما يتقاتل سنة وشيعة لبنان فيما بينهما. ولا أدري متى يعي العرب والمسلمون أن القتل إنما هو لغة المتخلفين والمتوحشين والفاقدين لكل معاني الإنسانية ولكل مفردات العقلانية. فهل نحتاج بالله عليكم إلى وحي يعلمنا أن القتل قبيح.
اللافتة الثانية:
قرأت على لافتة ثانية عبارة «التزموا بالفتوى الشرعية بحرمة الدماء والأموال والأعراض». هذا النص قد أثار في داخلي كل مشاعر الحزن، كما أثار عندي الضحك والاستغراب. فهل بالله عليكم يحتاج من له ذرة عقل وذرة إحساس بإنسانيته إلى فتوى، تـُذكـّره بأن للدماء والأموال والأعراض حرمة. هل أحتاج حقا إلى فقيه يُفتي لي بـ (حكم شرعي؟) يردعني عن ارتكاب جريمة القتل، أو جريمة السرقة، أو جريمة الاغتصاب؟ ثم ألا نستحيي من أنفسنا عندما يؤكد الكثيرون منا على حرمة دم المسلم، ومال المسلم، وعرض المسلم، وكرامة المسلم؟ فهل دماؤنا وأموالنا وأعراضنا وكراماتنا محترمة ومصونة، ودماء وأموال وأعراض غير المسلمين مباحة؟ أين هذا من قوله تعالى «من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا»، ولم يقل (من قتل مسلما)، أو (من قتل مؤمنا)، بل «نفسا» إنسانية، أيما كانت هويتها من أفراد المجتمع الإنساني، ما زالوا (لم يقاتلونا في الدين ولم يخرجونا من ديارنا)، أو (يظاهروا على إخراجنا)؟ لا بل حتى الذين يقاتلوننا مبتدئين هم بقتالنا، مما يستوجب منا ليس شرعا بل عقلا الدفاع عن أنفسنا، مما يصدق عليهم عنوان أن بيننا وبينهم (شـَنـَآن)، أي عداوة وكراهة شديدتان ومتفاعلتان بأقصى درجات الشدة والغلظة والقسوة، يوجب علينا القرآن أن نعدل معهم، بقوله تعالى: «ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا؛ اعدلوا، هو أقرب للتقوى». ثم أين هذا كله من فتاوى قتل المرتد حتى لو تاب، بل قتل تارك الصلاة، وعند بعض فقهائنا قتل منكر الخمس، وقتل من يسب إماما من أئمة الشيعة، أو خليفة من خلفاء السنة، أو قتل الشيعة (الروافض)، وغيرها من فتاوى إباحة الدماء والأموال والأعراض والكرامات التي تكتظ بها كتب الفقه، تجاه بعضنا البعض وتجاه غيرنا.
مدى انسجام كل ذلك مع مقولة الحسن والقبح العقليين
بالخصوص نحن المنعوتين بالعقليين، من الشيعة والمعتزلة، نتبنى مصدرية العقل - لا النقل - في تحديد ما هو حسن وما هو قبيح من سلوك الإنسان، وهذا ما عُرف بمصطلح «الحسن والقبح العقليان»، في مقابل «الحسن والقبح الشرعيان»، ينبغي أن نعي قبح العنف والقتل والعدوان من غير مبرر، إلا الاختلاف بالرأي. فإذا كنا أصحاب مقولة «الحسن والقبح العقليان» هذه، أفليس القتل هو من أقبح القبائح، ومثله السرقة والاعتداء على الأعراض؟ فما معنى دعوة الالتزام بالفتوى الشرعية بحرمة الدماء؟ أليس هذا بأمر مضحك، بل ومُبكٍ، وكما قيل (شر البلية ما يضحك)؟
ثم إذا لم تنفع معنا لا الفتاوى الشرعية، ولا المواعظ الدينية، ولا النصائح الأخلاقية، ولا الضمير الذي يبدو أنه اعتاد الوغزات حتى غدا لا يشعر بها، ولا القوانين (الوضعية) لتردعنا عن القتل، فما الذي سيصنع إنسانيتنا، وما الذي سيحقق عقلانيتنا، ومتى ستتحقق هذه المعجزة؟ ربما سيقول البعض مع ظهور المهدي (عليه السلام). جبريل (ع) ينزل ولا نرتدع، وأنبياء تتعاقب ولا نتأنسن، ومحمد (ص) يُبعَث ولا نتـّعظ، وفتاوى تصدر ولا نلتزم، ومصلحون يبذلون أقصى الجهد، ومنهم من يكفر ومنهم من يقتل، ونـُصرّ على ألا نتحول من البداوة إلى المدنية، من التوحش إلى التأنسن، من العنف إلى الرفق، من الجهل إلى الثقافة، من اللاعقلانية إلى العقلانية.
متى يتحرك في داخلنا الرسول الباطني، الذي هو العقل، والضمير، أو الفطرة الإنسانية، أو روح الله التي نفخها فينا، ومتى نلتزم بفتاوى العقل قبل فتاوى النقل والاستنباط؟ فإن الاستنباط الفقهي يصيب كثيرا ويخطئ كثيرا، والعقل الراشد يصيب كثيرا ويخطئ قليلا، ولذا لا بد من التعويل على ما هو قليل احتمال الخطأ بدلا مما هو كثير الخطأ ودليل خطئه الاختلافات الكبيرة والحادة في عمليات الاستنباط، لاسيما في القضايا الاجتماعية والإنسانية. ثم لدينا من الدين ما هو أقل خطأ بكثير من عالـَم الفقه البشري الخطـّاء، ألا هو عالم ثوابت وقواعد مبادئ ومُثـُل الدين وجوهره، الذي يعتمد الأسس العقلية والأخلاقية والإنسانية.
أقول: التغيير آت، لا محال، فذلك يمثل سنة الحياة، ومسار الإنسانية في خط الترشد، ولكن الذي نرجوه، هو ألا نحتاج إلى القرن الحادي والعشرين بأكمله، فلا تكتمل أشواط تعقلنا وتأنسننا إلا عام 2099، أو قـُبَيلـَها بأعوام قليلات، لا قدر الله. إذن علينا أن نمسك بعجلة الزمن، لنديرها بالاتجاه الصحيح، من خلال القراءة الواعية لبوصلة التاريخ، قبل أن تسحقنا عجلة الزمن هذه، بسبب تخلفنا عن دورانها، الذي سينجز، شئنا أو أبينا.
09/02/2007
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::