الدين ومصادرة حرية الاعتقاد

تريد هذه المقالة أن تنطلق من واقع وظاهرة، أسميها ظاهرة مصادرة الدين لحرية العقيدة، والتي لا تقتصر على العراق، ولا على العالم الإسلامي، وإن كانت هناك في زماننا هذا ثمة خصوصية لابتلاء العالم الإسلامي بهذه الظاهرة، هذا من حيث سعة الظاهرة جغرافيا، أما تاريخيا فلا تقتصر الظاهرة على الزمن الراهن، ولا على القرن العشرين وبدايات القرن اللاحق التي نعيشها، بل هي ظاهرة تمتد إلى ما أكثر من عشرين أو لعله ثلاثين قرنا، أو منذ ظهور ظاهرة الدين. ثم أحاول أن أطرح هذا الواقع أو هذه الظاهرة على التأملات العقلية المحايدة أي غير المنتمية.

 

كما قلت آنفا إن هذه الظاهرة ليست خاصة بعالم المسلمين، ومع هذا أعرض ابتداءً هنا هذه النصوص القرآنية، ذات العلاقة بالموضوع:

 

«لا إكراهَ في الدين، قد تبيَّنَ الرُّشدُ مِنَ الغـَيِّ، فمَن يَكفـُر بـِالطاغوتِ وَيُؤمِن بـِاللهِ فـَقـَدِ استمسك بـِالعُروَةِ الوُثقى لا انفِصامَ لـَها وَاللهُ سَميعٌ عَليم.»

 

«وَمَن يَبتغ غـَيرَ الإسلام دينـًا فـَلـَن يُقبَلَ مِنهُ، وَهُوَ في الآخِرَةِ مِنَ الخاسرين.»

 

«إنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإسلامُ وَمَا اختـَلـَفَ الـَّذينَ أوتـُوا الكِتابَ إلا مِن بَعدِ ما جاءَهُمُ العِلمُ بَغيًا بَينـَهُم، وَمَن يَّكفـُر بـِآياتِ اللهِ فـَإِنَّ اللهَ سَريعُ الحِسابِ. فـَإِن حاجّوكَ فـَقـُل أسلـَمتُ وَجهي لله وَمَن اتـَّبَعَني وَقـُل لـِّلـَّذينَ أوتـُوا الكِتابَ وَالأمِّيّينَ أأسلـَمتـُم، فـَإن أسلـَموا فـَقـَدِ اهتـَدَوا، وَإن تـَوَلـَّوا فـَإنـَّما عَلـَيكَ البَلاغ وَاللهُ بَصيرٌ بـِالعِبادِ.»

 

«فـَذكـِّر، إنـَّما أنتَ مُذكـِّرٌ، لـّـَستَ عَلـَيهـِم بـِمُسَيطِر، إلا مَن تـَوَلـّى وَكـَفـَرَ، فـَيُعَذبُهُ اللهُ العَذابَ الأكبَرَ. إنَّ إِلـَينا إيابَهُم، ثـُمَّ إِنَّ عَلـَينا حِسابَهُم.»

 

«وَلـَو شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن في الأرض كـُلـُّهُم جَميعًا، أفـَأنتَ تـُكرهُ النـّاسَ حَتـَّى يَكونوا مُؤمِنين.»

 

أعرض هذه النصوص القرآنية، وأستغني عن الخوض في تفسيرها، وإن كان ذلك مفيدا، بما في ذلك لموضوعنا المطروح هنا، لكني لست بصدد التفسير والتأويل والخروج بنظرية قرآنية، بل أريد تناول الموضوع بتجرد كامل، وأقتصر على المناقشة العقلية، أكثر مما هو بحث قرآني أو شرعي أو فكري-إسلامي.

 

أقول بقطع النظر عما إذا كان الدين هو الذي يصادر حرية الاعتقاد، أو أن أتباع الدين هم الذين يصادرون حرية الاعتقاد باسم الدين، فمنذ ظهور ظاهرة الدين في المجتمع الإنساني، وبقطع النظر عما إذا كان الله هو الذي أوحى به، أو كان الإنسان الذي ابتكر فكرة الدين؛ ومع كل الإسهامات المهمة التي قدمتها الأديان أو بعضها من تصحيح لعقائد الناس ومعالجة الخرافة والغلو والوثنية والشرك وغيرها، وتهذيب الأخلاق، فمن جهة أخرى منذ كان هناك دين كانت ضحيته الأولى، وبقيت وإلى يومنا هذا ضحيته الرئيسة هي حرية الاعتقاد، حرية الإنسان في العقيدة، حريته في أن يعتقد، وفي أن يختلف في الاعتقاد، وحريته في ألا يعتقد، ناهيك عن السلام الذي كان الضحية الكبرى للدين، فيما هو دين الناس. والقرآن يشير إلى هذه الحقيقة، بأن الناس كانوا قبل الدين أمة واحدة: «كانَ النـّاسُ أمَّة واحِدَة، فَبَعَثَ اللهُ النـَّبيينَ مُبَشِّرينَ وَمُنذِرينَ، وَأنزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ بـِالحَقِّ ليحكـُمَ بَينَ النـّاس فيمَا اختـَلـَفوا فيهِ، وَمَا اختـَلـَفَ فيهِ إلا الـَّذينَ أوتوهُ مِن بَعدِ ما جاءَتهُمُ البَيِّناتُ بَغيًا بَينـَهُم». وآيات أخرى بنفس السياق وذات المضمون.

 

الدين إذن، وبقطع النظر عما إذا كان دين حق أو دين باطل، بحسب معايير هذا أو ذاك الفريق، كان هو أداة القمع الأساسية لحرية العقيدة، فأتباع الأديان هم الذين قمعوا بعضهم البعض، بل امتد القمع داخل دائرة الدين الواحد، كما قمعوا غير الدينيين، أكثر مما قـُمِع الدينيون من قبل غير الدينيين، بقطع النظر عما كان غير الدينيين هؤلاء مؤمنين بالله أو غير مؤمنين. فكلما كان يأتي داعية إلى دين جديد، نبيا مرسلا كان، صادقا أو مدعيا، أو قديسا أو مصلحا أو مجددا للدين أو محرفا له ضالا مضلا عنه، أو مهتديا هاديا إليه، بحسب التقويمات المختلفة له، يحاربه ومعه الذين يؤمنون بدعوته أتباع الدين الموروث والسائد في المجتمع. وهذا يحصل حتى عندما يأتي مصلح أو مجدد أو لنقل منحرف مُحرِّف بفهم جديد أصاب أم أخطأ، حسنت أو ساءت نواياه، يكون نصيبه القمع. وهكذا عندما ينتشر الدين الجديد بدوره، أو المذهب الجديد، يكون الذين لم يقتنعوا به مضطرين إلى أن يخفوا كفرهم أو شكهم بأي درجة كان ذلك الشك، أو لنقل يخفوا عدم قناعتهم بتلك العقيدة، دينا كانت أو مذهبا، ويتظاهروا بالإيمان تقية وخوفا، وعندما تـُكتشـَف تلك الظاهرة، أي ظاهرة وجود من يُظهـِر الإيمان بالدين الجديد، ويُضمِر الكفر أو ثمة شك به، تسمى تلك الظاهرة بالنفاق، ويُحارَب المنعوتون بالمنافقين على الظنة والشبهة، ولو حربا نفسية، بينما يجيز لأنفسهم المؤمنون بذلك الدين إخفاء عقيدتهم إذا كانوا هم المحارَبين من أجلها من قبل الكافرين بها في فترات الضعف، ويعتبرون ذلك التخفي تقية ووقاية مشروعة من خطر الأعداء، عندما يكونون أقوى منهم، ولا يعتبرونه نفاقا، لأن من يعتقد أنه يملك الحقيقة المطلقة ويكون على الحق المطلق يكون كل سلوكه مبررا وشرعيا ومقدسا، حتى لو كان نفاقا أو كذبا أو قتلا أو خيانة للعهود ونقضا للمواثيق. ففي الحالتين هناك أصحاب عقيدة وأصحاب عقيدة أخرى، يقمع الأقوى منهم الأضعف ويصادر حريته في الاعتقاد، وحريته في المغايرة الكلية أو الجزئية بالاعتقاد، أو حريته في عدم الاعتقاد أصلا بأي عقيدة، ويكون المقموع في حرية الاعتقاد أو حرية عدم الاعتقاد مضطرا للتخفي، سواء اعتبر تخفيه نفاقا أو باطنية أو تقية. والذين صادروا حرية العقيدة كانوا في الأعم الأغلب إما أصحاب السلطة ومريدوهم بأدوات قمع السلطة، عندما تكون السلطة معتقدة بالدين متعصبة له، ومتعصبة بالضرورة ضد مخالفيه، حتى لو لم يكن المخالفون محاربين معادين له ولهم، أو مستخدمة للدين أداة لتكريس تسلطها على رقاب الناس، وإضفاء القداسة على ذلك التسلط والقمع، وإما أن تكون من يصادر حرية العقيدة المؤسسة الدينية، عندما تكون متنفذة في المجتمع، أو كلاهما عندما تتحد السلطتان المدنية والدينية في حاكم أو جهاز حكم، وإما أن يكون المجتمع هو أداة ذلك القمع وتلك المصادرة لحرية الاعتقاد، وغالبا ما يكون الظهير القوي للمجتمع الممارس لقمع حرية الاعتقاد ثمة مؤسسة دينية تضفي على نفسها أو يُضفى عليها ادعاءً أو اعتقادا غطاء القداسة الذي يكون مانعا من النقد والاعتراض والمساءلة. إذن لدينا في الأعم الأغلب ثلاثة مصادر لقمع حرية العقيدة، السلطة الدينية، السلطة الحاكمة، المجتمع المتدين بأي دين كان، وقد يتحد اثنان منها أو يتحد الثلاثة لمزاولة مصادرة حرية العقيدة للمغايرين عقيدة أو غير المعتقدين.

 

ونحن فيما يتعلق بالدين أمام أربعة احتمالات:

1.  الأديان هي من وحي الله سبحانه وتعالى أوحى بها إلى الناس عبر أنبيائه ورسله.

2. الأديان هي من ابتكار الإنسان بقطع النظر عن نوايا مبتكريها، إما إصلاح البشرية وشدها إلى عبادة الله وقيمه ومثله سبحانه، أو استخدام الدين للتسلط، أو بسبب هلوسة تصيب من يتصور أن ثمة اتصال بينه وبين السماء، أو بينه وبين أي إله من الآلهة أو أكثر من إله من الآلهة أو إلهة من الإلهات.

3. الأديان هي بالأصل من وحي الله وأحدث فيها الإنسان من تغييرات حرفتها عن الأصل الإلهي قليلا أو كثيرا جزئيا أو كليا بقصد أو بغير قصد.

4. بعض الأديان هي من وحي الله وبعضها من ابتكار الإنسان، وبعض أديان الله أحدث فيها الإنسان جزئيا أو كليا.

 

أما فيما يتعلق بمصادرة الدين لحرية الإنسان في الاعتقاد فنحن أمام احتمالين:

1. الدين بالأصل هو الذي يصادر حرية الاعتقاد، إلا الاعتقاد به حصرا كدين حق، ويكون ما سواه باطلا وغير مسموح به.

2. الدين نفسه لا يصادر حرية الاعتقاد المغاير له جزئيا أو كليا، بل معتنقوه هم الذين صادروا تلك الحرية تعصبا أو جهلا أو لمصلحة ما.

 

إذا صح الاحتمال الأول من الاحتمالين، فلا يكون هذا الدين من الله سبحانه بأي حال من الأحوال، فينتفي من المجموعة الأولى من الاحتمالات الأربعة الأول على نحو التعميم والإطلاق، ويرد الاحتمال الثاني وجزء كل من الاحتمالين الثالث والرابع، أي إن الدين الذي يصادر حرية الناس بما فيهم ما يسمون بالكافرين في الاعتقاد ليس دينا إلهيا، أو يكون دينا إلهيا في الأصل قد أحدث فيه الإنسان ما حرفه عن الأصل الإلهي، لا أقل في هذه المفردة، أي مفردة مصادرة حرية الاعتقاد للمغاير عقيدة أو لغير المعتقد أصلا. ومع صحة الاحتمال الثاني يكون الدين المؤثر في الواقع على الأغلب دين الناس الذي يمثل حقيقة نسبية غير معصومة، وقد لا نجد في الواقع دين الله كحقيقة مطلقة بكل نقائها إلا في عالم التجريد، أو لدى أفراد معدودين أو في أحسن الأحوال لدى مجموعات صغيرة متناثرة وضعيفة التأثير، وواقعة هي نفسها تحت وطأة مصادرة حرية الاعتقاد والتعبير، ويكون سيف التكفير مسلطا على رؤوسها، يهدد وجودها المعنوي في أقل الحالات بالعزل الاجتماعي والحرب النفسية والتسقيط، بل ويهدد وجودها الفيزيائي في أقصاها.

 

يبقى هل يصادر الإسلام حرية الاعتقاد أم لا يصادرها. وهنا دعوني أناقش هذه المسألة بأن أضع نفسي مكان ثمة إنسان لا هو بمؤمن بالإسلام، ولا هو بكافر به، بل يتخذ موقف الحياد واللاأدرية فيما يتعلق بمصدر الإسلام إلهيا كان أو بشريا. فجميل للإنسان الموضوعي عندما يريد أن يناقش مسألة ما مناقشة علمية موضوعية أن يتجرد من عقيدته، الخاصة وينتزع نفسه منها، ليراقب القضية من الخارج بحياد، لا مُدافعا مُبرِّرا، ولا مُدينا مُتهِّما. لأننا بذلك نستطيع أن نوسع دائرة المخاطـَبين لتشمل الآخر القريب والآخر البعيد، ولا نمارس حوار الذات بمخاطبة الذات وتأييد الذات للذات، حتى لو كانت ذاتا جماعية.

 

من الممكن أن أسرد الأدلة الكثيرة على عدم مصادرة الإسلام لحرية العقيدة المغايرة، وأؤول كل النصوص التي يدل ظاهرها على تبني الإسلام لمبدأ مصادرة حرية العقيدة المغايرة إلى ما ينفي ذلك عبر ما يسمى بالتفسير الموضوعي أي الكلي، في مقابل التفسير الجزئي أو المجتزئ للنصوص والمنتزع لها من سياقاتها المتصلة والمنفصلة، أي دون عرضها على ما سواها من نصوص تعالج ذات الموضوع، للخروج بنظرية واضحة في القضية موضع البحث. وهنا يمكن أن يأتي من يمارس منهجا لا يقل عن منهجي علمية لإثبات خطأ ما ذهبت إليه، ولو على نحو التخطيء الجزئي، إلم يكن تخطيئا كليا. صحيح أنه من الممكن أن يقال أن هذه النتيجة التي سينتهي إليها صاحب الفهم الآخر والمغايرة للنتيجة التي يمكن أن أنتهي إليها، إنما كانت بسبب ثمة ثغرة في المنهج العلمي الذي افترضنا أنه انتهجه، ولكن يمكن في المقابل أن يطرح السؤال ما إذا كان منهجي خاليا تماما من الثغرات، مما لا أكون مكابرا لو ادعيت ذلك. إذن النصوص قابلة للخروج بها بنظريتين متقابلتين على نحو التضاد، أو بنظريات بينية متعددة تتوسط النظريتين. وكل نظرية يمكن أن يثبت صاحبها أنها تمثل رؤية الإسلام في القضية موضع البحث، والتي هي هنا موضوعة حرية الاعتقاد وعدم الاعتقاد، وفي مقابلها نفي حرية الاعتقاد وحرية عدم الاعتقاد، بما في ذلك حرية الإيمان وحرية الكفر، أو حرية الإيمان المغاير، وحرية التحول من إيمان إلى آخر، ومن كفر إلى إيمان، ومن إيمان إلى كفر، أو من إيمان إلى إيمان.

 

لكن الذي نستطيع أن نقرره من خلال تنزيه العقل لله سبحانه وتعالى علوا كبير عن الكثير مما يصفه الكثير من المتدينين، بل وربما الكثير من الأديان أو المذاهب أو طرق فهم الدين، هو إن الاقتناع بشيء أو عدم الاقتناع لا يمثل سلوكا اختياريا، حتى يعاقـَب عليه الإنسان دنيويا أو أخرويا، بل الدين والإيمان والاعتقاد والاقتناع أو عدمها ومقدار كل منها إيجابا أو سلبا من الأمور التي يواجهها العقل، فيقتنع أو لا يقتنع، يؤمن مطمئنا أو يؤمن إيمانا ظنيا أو إيمانا يشوبه الشك، يوقن أو يشك، يقبل أو يرفض، بحسب أدلة الإقناع، وبحسب القابليات الذهنية والاستعدادات النفسية لمن تـُعرَض عليه فكرة الدين. ومن هنا فإن دينا يصادر هذه الحرية، ليس بدين الله حتما، أو هو دين إلهي بفهم بشري خاطئ. فمن ينسب مصادرة حرية العقيدة إلى الإسلام مثلا، فهذا الإسلام المنسوب إليه مصادرة الحرية ليس إسلام الله بكل تأكيد، فمن ظن أن الإسلام واقعا وليس فهم أتباعه أو بعض أتباعه أو الكثير من أتباعه أو حتى جل أتباعه، بل هو بالذات، أي هذا الدين بنفسه وبحقيقته هو الذي يصادر حرية العقيدة ويقمعها، فنفر من هذا الإسلام ورفضه تنزيها لله سبحانه، فهو من غير شك قد أسلم لله بالمعنى الأعم لمفهوم الإسلام له سبحانه، من حيث القصد، لا من حيث الواقع الفعلي، وكان صادقا مع الله حتى لو أوصله تفكيره، لعيب فيه هو أو في المحيط الديني من حوله، إلى الخطأ، ويكون بلا شك مثابا من الله على صدقه وعلى تنزيهه لربه، مغفورا له منه سبحانه على خطأ النتيجة التي آل إليها.

 

فإنني أكاد أجزم أن تاريخ الإسلام، وتاريخ بقية الأديان من مسيحية ويهودية وغيرها مليء بالشاكين أو المؤمنين الظنيين أو اللاأدريين أو غير المقتنعين في العمق بذلك الدين، أو المؤمنين به على طريقتهم التي تختلف عن طريقة فهم العامة، ومنهم من عاش علاقة روحية حميمة مع الله وجسد في سلوكه ذروة الإنسانية وغاية العقلانية، عاشوا وماتوا ولا أحد يعرف حقيقة عقيدتهم، سواء كانوا من عامة الناس، أو من المفكرين والفلاسفة واللاهوتيين (الإلهيين)، بل وحتى من رجال الدين (علماء، فقهاء، مفسرون، قسسة، رهبان، أحبار، كهنة ...). ولذا ترى الكثير من المؤرخين الذين يتناولون شخصيات من مفكرين وفلاسفة وشعراء من مختلف ما ذكر وما لم يذكر من أديان يختلفون في تقرير حقيقة عقيدة هؤلاء، لاضطرار تلك الشخصيات لمزاولة التقية والتخفي، أو سمه النفاق. وهنا يجب القول أن النفاق الاضطراري تقية في حقيقته، حتى لو كان صاحبها على عقيدة باطلة، والتقية النفعية غير المبررة بضرر محتمل يعتد به نفاق حتى لو كان صاحبها صدفة على عقيدة حق.

 

ثم ماذا نسمي إسلاميي زماننا مثلا، ممن يدعي الإيمان بالديمقراطية والدولة المدنية ومواثيق حقوق الإنسان الدولية ومساواة المرأة مع الرجل في حقوقها المدنية والسياسية، وهو في العمق كافر بكل ذلك، متحين فرص الانقضاض عليه كله، أو جله، أو أمكن منه. لماذا يعتبر هؤلاء - ولو من غير تصريح بذلك - غيرهم من المسلمين غير الملتزمين أو غير الإسلاميين منافقين في حقيقة عقيدتهم، ولا يعتبرون ممارستهم هم نفاقا. فهل المتدين يملك ترخيصا من الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، بأن يكون له غطاء شرعي للكذب، وغطاء شرعي للنفاق والباطنية، وغطاء شرعي للغش، وغطاء شرعي للسرقة، وغطاء شرعي للقتل، ويعتبر القليل من ذلك - باستثناء القتل طبعا - من الآخرين جريمة لا تغتفر، بل يستحق صاحبها البغض واللعن أو التصفية الجسدية في الدنيا، والخلود في النار في الآخرة؟

 

إذن التقية المشروعة تكون كذلك، كلما خاف الإنسان على حياته أو حريته أو كرامته أو سمعته، بشكل لا يتحمل عادة، بقطع النظر تماما عن عقيدة ذلك الإنسان. وبعكسه النفاق غير المشروع هو التخفي بعقيدة غير عقيدة المتظاهر بها حقا، من غير مبرر معتد به، بل من أجل منافع، سمها دنيوية، أو مادية، أو أنانية محضة، شخصية، أو أسرية، أو عشائرية، أو فئوية، أو طائفية، أو حزبية، تقدم على مصلحة أو مصالح عامة حقيقية يعتد بها أكبر واهم من تلك، ودون وجود خوف من ضرر حقيقي ومهم، حتى لو كان لا يمس إلا الشخص نفسه يعتد به ولا يدرأ بضرر أكبر أو أعم منه.

 

وأخيرا أقول سبحان ربي الله محمودا بكل محامده، ومُنزَّها عن كل ما ينسب له من نقص أو ظلم، سبحانه وبحمده، إذ خلق الإنسان حرا مختارا، وكان أرحم به مما يُنسَب إليه من قبل الكثير من الأديان والمتدينين، سبحانه من مثيب لعباده على صدقهم يوم يلقونه فيكون قوله تعالى: «هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم»، إذ يبعث الله الناس، لا ليسأل المؤمنين عن إيمانهم أو الكافرين عن كفرهم، بل «ليسأل الصادقين عن صدقهم» والكاذبين عن كذبهم، ويجزي الإنسان على عمله حسنا أو سيئا، وبقدر نيته وعلى ضوء كل الحيثيات التي ساهمت في صنع شخصيته وبلورة ذهنيته وصياغة نفسيته وكل ما دفعه إلى هذا أو ذاك السلوك، فيجزيه بمقدار عناصر الاختيار في تركيبة شخصيته وسلوكياته وأفكاره وعقائده، ولا يكون محاسَبا على ما كان نتاجا لعناصر الجبر في كل ذلك. ومن يدري فلعل نار جهنم ستستحيي يومئذ من رحمة الله، فيحيلها حياؤها بردا وسلاما، ولا تكون لأحد مقرا ومقاما، إلا الذين دمروا بظلمهم وطغيانهم وجرائمهم الإنسانية، فاستحق من كانوا ضحاياهم أن يثابوا بعقابهم، إلا إذا جعلت رحمة الله أولئك الضحايا يستحيون هم بدورهم من مشاعر الرغبة في الانتقام من ظالميهم، لاسيما عندما يرون ما أعده الله لهم من تعويض وجزاء لا يتناسب مع كل ما عاشوه من معاناة، بل إن ربهم قد أعد لهم ما يعوضهم به عنها بأضعاف أضعافها برحمته، سبحانه من إله عدل، سبحانه من إله رحمة، سبحانه من إله حب، سبحانه من إله سلام، يوم يدعو عباده «ادخلوها بسلام آمنين» بمقدار ما جسدتم إنسانيتكم، وبمقدار ما أعطيتم للناس من سلام وأمن ومحبة.

 

24/01/2008

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::