استهداف الكنائس في العراق هو من جهة لا يختلف عن استهداف المساجد والحسينيات، وكذلك استهداف مسيحيي العراق، أو مثله استهداف الصابئة، أو أي أقلية دينية، حاله حال استهداف الشيعة أو السنة من جهة. هذا كله كما عبر كثيرون حتى من إخواننا المسيحيين عنه صحيح من زاوية نظر محددة. ولكن من جهة أخرى فإن استهداف المسيحيين واستهداف كنائسهم ليس كأي استهداف، بل له خصوصيته الذي تميزه عن غيره، وهذه الخصوصية يكون تشخيصها والتأكيد عليها من قبل شخص ليس من هذا المكون العراقي العزيز، أوقع مما لو يصدر من مواطن مسيحي، ولو إن من حق المواطن المسيحي أن يشير إلى هذه الخصوصية.
لماذا يا ترى لهذا النوع من الاعتداء خصوصيته؟ ولماذا نقيم الدنيا ونقعدها نحن الليبراليين، عندما يصيب إخواننا المسيحيين أو الصابئة أو الإيزيديين سوء، أكثر مما نقيمها ونقعدها، عندما يتوجه العنف نحو الشيعة مثلا؟ قد يفسر البعض أن هذا متأت من كوننا نحن الليبراليين متأثرين أكثر بثقافة الحداثة وبالتالي بالثقافة الغربية، ولكون أتباع هذه الديانات قد يكونون أقرب إلى الغرب، وخاصة فيما يتعلق الأمر بالمسيحيين. وقد يفسر آخر تعاطفنا مع إخوتنا في المواطنة والإنسانية من المسيحيين، أو من الأقليات الدينية الأخرى، بسبب حساسيتنا - كما يفسرونها - من أتباع الإسلام السياسي، ولأن أتباع الدينات الأخرى هم الأبعد من أن يكون أحدهم إسلاميا، بل هو من المحال. وربما يفسر ثالث ذلك، هو أننا نرغب أن نظهر بذلك توددنا للغرب والمتغربين عبر توددنا للمسيحيين العراقيين، خاصة من يحلو له أن يوسمنا بالعمالة، ولو العمالة الفكرية.
بعيدا عن تفسيرات غيرنا وتأويلاتهم، أحب أن أبين لماذا للمسيحيين ودور عبادتهم، عندما يعتدى عليهم وعلى كنائسهم خصوصية تتطلب منا اهتماما يتناسب معها.
شخصيا بصفتي أحمل العقيدة السياسية التي تمثل ركائزها الوطنية والمواطنة، والديمقراطية، والعلمانية، الليبرالية، وحقوق الإنسان، أجد نفسي مسؤولا بدرجة أساسية وذات أولوية عن الدفاع عن حقوق المكونات ذات الحجم الصغير نسبيا، أكثر مما هو مطلوب مني أن أتحمل مسؤوليته تجاه المكونات الكبيرة. أسباب ذلك أني شخصيا، ومن ثم المشروعين السياسيين اللذين ألتزمهما، الخاص والعام، ألا هما (تجمع الديمقراطيين العراقيين)، و(الائتلاف الديمقراطي) الذي يكوّن التجمع أحد أحد مكوناته، وضعت ووضعنا من مسؤوليتنا الدفاع عن حقوق المكونات صغيرة الحجم نسبيا كواحد من أولوياتنا الأساسية. وأسباب ذلك إنسانية وديمقراطية، لأن الإنسانية تتطلب منا أن نكون صوتا صادحا، لمن قد لا يسمع صوته لصغر حجمه في المجتمع، وهكذا إحساسنا بوطنيتنا وإيماننا بمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان. فلو حصل اعتداء على شيعي، فللشيعي أحزابه الكبيرة المتنفذة، ونوابه الذين يشكلون أكثرية برلمانية، وحسينياته ومراجعه وحوزاته، والحكومة التي ينتمي أغلبها إلى هذا المكون، كل أولئك هم المدافعون عن الشيعي إذا اعتدي عليه، إضافة إلى إخوانهم السنة، من موقع التعاطف مع إخوة لهم في الدين بالنسبة للدينيين، أو في المواطنة بالنسبة للعلمانيين، أو من قبيل إظهار رفضهم للنهج الطائفي. وهكذا يقال في حال وجه الاعتداء إلى السني. والكردي له أيضا ظهيره القوي، والعربي من قبيل الأولى. أما المسيحي، والصابئي، والإيزيدي، والبهائي، هذا على مستوى الدين، أو على مستوى القومية أو الهوية المركبة، فالآشوري، والفيلي، والشبكي، ولعله حتى التركماني، ليس لهم ما لغيرهم من ظهير سياسي واجتماعي وديني. إضافة إلى ذلك، إن العنف الموجه إلى المكون الصغير، كالمسيحيين له مردوداته السلبية، لأنه قد يؤدي إلى هجرة هذا المكون من العراق، أو هجرة أعداد كبيرة منه، بحيث لا يبقى إلا قلة قليلة منه، وهذا يعد تطهيرا عرقيا أو دينيا، وهو مرفوض إنسانيا وديمقراطيا، ويشوه ويقبح صورة العراق الجميلة. فالسني أو الشيعي، حتى لو اضطر أن يترك مكان سكنه، كما حصل، أو أن يهاجر إلى بلد قريب متحينا فرص العودة، أو إلى بلد بعيد حاسما قرار الهجرة، لن يؤدي ذلك إلى إفراغ العراق من الشيعة ولا من السنة. أما إخلاء العراق ولو بنسبة ما من المسيحيين وغيرهم من أتباع الديانات ذوي الأعداد الصغيرة نسبيا، فهذا يعد جريمة بحق العراق وتشويها لجماله الذي لا يتحقق إلا بتنوعه. ثم إن بلدا تضطر أقلية عرقية أو دينية إلى مغادرته، دون أن يحرك أحد فيه ساكنا، يعطي رسالة خاطئة على أن هذا المجتمع قد ضعف لديه الحس الإنساني، أو انتزعت منه إنسانيته حاشا للمجتمع العراقي، وهذا لن يكون إساءة للمسيحيين أو الصابئة أو غيرهم فحسب، بل هو إساءة لشعب العراق الذي عرف بتآخي أهله بتنوعهم.
14/07/2009
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::