اللاموضوعية في نقد الإسلام وفي الدفاع عنه

الكثيرون ممن ينقدون الإسلام، أو ممن يهاجمونه، يبتعدون كثيرا في نقدهم وهجومهم عن الطرح الموضوعي، والمنهج العلمي، والنقاش المنطقي.

 

وأكثر من يدافعون عن الإسلام أمام ذينك النقد أو الهجوم، يبتعدون أكثر من الفريق الأول في دفاعهم عن الطرح الموضوعي، والمنهج العلمي، والنقاش المنطقي.

 

وعندما أقول «الكثيرون ممن ينقدون أو يهاجمون»، أو أقول «أكثر من يدافعون»، إنما أريد بذلك ألا أقع فيما وقع فيه كل من الفريقين، فأعمم الحكم على كل الناقدين أو كل المدافعين.

 

ولست بصدد الدفاع عن الإسلام، وهذا لا علاقة له بما إذا كان الإسلام يستحق مني أو ربما يوجب عليّ الدفاع عنه، وإنما أريد أن أسهم إسهاما ولو متواضعا، وحسب الفرص المحدودة جدا، في التأسيس للموضوعية في الطرح، والعلمية في منهج البحث، والمنطقية في النقاش والاستدلال إثباتا أو نفيا، ولا يعنيني كم سأقنع وكم لن أستطيع إقناعه بهذا أو ذاك الرأي من قبل كل من الفريقين المتطرفين في الحساسية هنا، وفي التعصب هناك.

 

فالناقدون والمهاجمون يُحمِّلون الإسلام كل ألوان الخرافات الشعبية، والتقاليد الاجتماعية الخرقة، التي يُحمِّل أصحابها الإسلام وزرها، وكل تطرف الأصوليين، وكل عنف وإرهاب الأصوليين، وكل كوارث التاريخ الاستبدادي، الذي استخدم فيه الحكام الإسلام لإضفاء الشرعية على استبدادهم، وكل عمليات تسييس الدين من موقع التعصب الأعمى له، أو من موقع المتاجرة به. إضافة إلى أن هذا النوع من الناقدين أو الخصوم يأخذون نصا قرآنيا من هنا أو من هناك، مستقطعيه عن سياقه، أو حديثا نبويا، دون معرفة مدى صدقية صدوره عن النبي، ودون الإحاطة بشروط الحكم على الحديث من خلال الإحاطة بعلمي الرجال والحديث، إضافة إلى الإحاطة ببحوث علم الأصول كالإطلاق والتحديد، والتعميم والتخصيص، ولا معرفة أقوال الفقهاء والمفسرين لاسيما المجددين منهم، الذين يرى منهم من يرى وبأدلة متينة أن كل الأحكام ذات البعد الاجتماعي تعتبر من المتغيرات، لخضوعها بشروط الزمان والمكان، وحتى تلك التي وردت في القرآن، ومن أمثلة أدلتهم على هذه الرؤية، هو تغير الأحكام في زمن الدعوة، مما يسمح بالتغير في زمن ما بعد مرحلة الدعوة، وورود أحكام خاصة بالرسول ونساء الرسول، التي لم يبق مصداق لتطبيقها بعد حياته (ص)، وكذلك بدليل قاعدة ثبات مبادئ ومنطلقات الأحكام وليس تطبيقاتها، وثبات جوهر وروح الدين، وليس شكلياته، كمبدأ العدالة، وما يبحث في فقه المقاصد، وغير ذلك. فنجد الناقدين والمهاجمين يعممون ويطلقون الأحكام، ويُفسِّرون دون اعتماد القواعد العلمية والمنهج المنطقي في الاستدلال، ولا الإحاطة بشتى أقوال الفقهاء والمفسرين وعلماء الكلام (العقائد).

 

أما المدافعون فيعتمدون الطريقة التسطيحية الساذجة، فيسيئون إلى الإسلام أكثر مما يمكن أن يسيء إليه النقد الموجه له، والتشكيك به، والشبهات المثارة حوله، والهجوم المشنون ضده، فتراهم يؤكدون الشبهات المثارة حول الإسلام، بدلا من أن يردوها، ويفسرونها تفسيرا غيبيا، رغم أن الطرف الآخر لا يعتمد الغيبيات أساسا للحوار، وفي كثير من الأحيان يكرسون الكثير من الخرافات ويدافعون عنها ويبررونها بتبريرات ساذجة، أو إنهم يوردون الأدلة النقلية فيما يجب أن يستدل عليه بالمنطق والدليل العقلي، كالذي يقول للشاك في صدق دعوى أن القرآن إلهي المصدر: "دليلي على أن القرآن كتاب الله، هو إن القرآن نفسه يقول إن القرآن هو كتاب الله"، ثم ترى صاحب هذا الدليل يشعر بنشوة المنتصر على خصمه أو قل محاوره، ولسان حاله يقول: انظر كيف أفحمتك ودحضت مقولاتك ورددت شكوك، ولا يدري أنه وضع نفسه في موضع السخرية، وحمَّل الإسلام سذاجته، فوضع دينه الذي يعتز به في موضع السخرية، فيكون هو الجاني عليه، أكثر من المتلقي الذي قاده استدلال هذا المدافع التسطيحي إلى أن يسخر مما لا علم له به، إلا ما علمه من هذا الجاهل.

 

لا أدري فيما إذا سيسعفني الوقت وسط زحام الاهتمامات، كي أتناول بعض الأمثلة التي جمعتها، ومنها رسائل وردتني شخصيا على البريد الألكتروني، أو مقالات من النوعين، المهاجم اللاموضوعي، والمدافع الأشد لاموضوعية. فأتناول نقد البعض وهجومه، أو أتناول الدفاع غير العلمي للبعض الآخر، دون أن يعني أن كل من سأناقشهم من الفريقين، هم ممن تنطبق عليهم ما قدمت من توصيفات، بل يمكن أن يكون طرحهم مما يوجه إلى تلك الوجهة بقدر أو بآخر.

 

19/02/2007

 

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::