من وحي كلام عالم لاهوت كاثوليكي ألماني عن الإسلام
قبل أيام وأثناء زيارتي لألمانيا تابعت على إحدى القنوات الألمانية الرئيسة مقابلة مع عالم اللاهوت الكاثوليكي هانـْز كـُِينغ (Hans Küng)، والتي جرى فيها الكلام عن الإسلام، وعن التطرف، وعن كلام الپاپا، وعن ردود فعل المسلمين الغاضبة تجاه كلامه، وقبلها تجاه رسوم الكاريكاتير. وقبل أن أبين بعض ما قاله عن الإسلام والمسلمين كنموذج للطرح الموضوعي والمنصف والبعيد عن التوترات، أحب أن أسلط الضوء على بعض ما يتعلق بالپاستور وعالم اللاهوت Hans Küng، لتتكون لدى القارئ الكريم ثمة صورة عن خلفية هذا العالم. هانـْز كـُِينغ من رجال الكنيسة الكاثوليكية المرموقين، ولكنه من أولئك الرجال الذين يكونون عادة على استعداد لدفع ثمن باهظ لشجاعتهم، عندما يشعرون أن ثمة حقيقة تحتاج إلى شجاع يُفصح بها. ومن هنا ضحى Küng بمستقبله في الكنيسة الكاثوليكية التي كان يملك فرص تبوؤ مواقع متقدمة في مؤسساتها، لولا إيثاره لقول الحقيقة التي يؤمن بها. فحيث أن الكنيسة الكاثوليكية تعتقد بعصمة الپاپا، طرح Küng - لا أتذكر إما في الثمانينات أو في التسعينات - هذه العصمة على بساط البحث العلمي، وانتهى إلى تقرير نفي هذه العصمة. ولسنا بصدد تقييم هذه الرؤية لـ Küng، بقدر ما يهمنا الإشادة بشجاعة الرجل، وتضحيته من أجل ما يعتقد هو بصوابه. والآن أرجع إلى المقابلة في الأسبوع الماضي، التي تابعت المقطع الأخير منها، فرأيت الرجل يدافع عن الإسلام بحماس، وكأنه يدافع عن دينه وعقيدته هو، ويدفع عنه الشبهات وسوء الفهم والتأويل، وهذا في الواقع يمثل درسا رائعا في الموضوعية، بل هو عين المنهج الذي يدعو إليه الإسلام المتجسد في قوله تعالى «لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى»، «ولا تبخسوا الناس أشياءهم»، وغيرهما من النصوص. فالرجل سلط الضوء على عقلانية الإسلام واعتداله وإنسانيته، ونفى الكثير عما يشاع عن الإسلام، وأثنى على وضوح نظرية التوحيد فيه، وعلى نظرته إلى المرأة، والتي تعتبر متقدمة نسبة إلى ما يطرحه العهدان القديم والجديد، فالإسلام والقول لـ Küng، لا ينسب ما يسمى بالخطيئة الأولى إلى المرأة، ويرفض فكرة توريث الذنب. فهانـْز كـُِينغ نموذج لكثير من المفكرين الغربيين الذين يتناولون الإسلام بموضوعية علمية، ويعرضونه بصورة مشرقة أكثر بكثير من معظم إسلاميينا المتطرفين أو المتشددين أو المحافظين، والذي يظنون أنهم بتشددهم وجمودهم إنما يعبرون عن أصالتهم، وعن غيرتهم على دينهم، دون أن يشعروا بحجم الإساءة التي يمارسونها تجاهه، وكذلك أكثر بكثير من متدينينا المتحمسين أو المتعصبين أو أحيانا السذج والمتخلفين، وكذلك أكثر بكثير من كثير من عَلمانيينا المغالين في الحساسية تجاه الدين عموما، وتجاه الإسلام على وجه الخصوص، وغير الموضوعيين في نقدهم للدين، وعدم تمييزهم بين الدين كدين، وبين سلوك وخطاب المتدينين السطحيين المنغلقين، وأداء الإسلاميين المتطرفين أو المتشددين. هل سمعنا - يا ترى - بعالم دين مسلم أو مفكر إسلامي يسلط الضوء على العناصر الإيجابية للمسيحية أو لأية ديانة أخرى؟ ومع كل هذا هناك تعميم عند كثير ممن يُسمَّوْن بالمثقفين الإسلاميين في الحكم على علماء الاستشراق، أو حسب المصطلح الحديث علماء الإسلام (بالألمانية Islamwissenschaftler)، نعم فهناك علماء إسلام غير مسلمين، فهم لا يدرسون الإسلام من أجل الدعوة إليه، ولا يدرسونه من أجل التآمر عليه، كما يظن أكثرنا، بل يدرسونه من قبيل وجوب التعرف على حضارات وديانات وعقائد الشعوب والأمم، ولإيمانهم بأهمية حوار الحضارات الذي لا يمكن أن يقوم إلا على قاعدة معرفية متبادلة متينة، فنجدهم أي علماء الدين الغربيين يطبقون مبدأ التعارف القرآني «وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا (لتتعارفوا)». أما نحن وللأسف فمعظمنا أصحاب نظرة سلبية تجاه الآخر البعيد والآخر القريب على حد سواء، ونبني معظم أفكارنا وتحليلاتنا ومواقفنا وأحكامنا على ضوء نظرية المؤامرة، وثقافة كراهة الآخر، وعدم إنصاف الخصم الحضاري، والتعميم والإطلاق، والأحكام المطلقة، ولكل من هذه المفردات موقف قرآني واضح في رفض هذا المنهج، ففي رفض منهج تعميم الأحكام والإطلاق مثلا أذكر النص القرآني «ليسوا سواءً»، وأكتفي بهذا القدر، إضافة إلى ما مر من نصوص، وإلا فالأمثلة على خطأ المنهج الفكري والتقييمي والتعاملي الذي يمارسه معظمنا كثيرة في القرآن وفي السنة. ثم قواعد العقلانية وقواعد العدالة تكفي لتخطيء مناهج غالبيتنا، وصواب مناهج غالبية المغايرين لنا في العقيدة والحضارة، من غربيين، أو (كفار)، أو عَلمانيين، والذين يصر البعض على وضعهم جميعا، وبلا استثناء، في خانة الخصوم، إذا لم يتطرف ويستعمل مصطلح الأعداء، فعند الكثير منا تعتبر الاستزادة من الأعداء دليلا على الأصالة، ودليلا على الثبات، ودليلا على التدين، ودليلا على اتباع (السلف الصالح)، دون أن يعي كم ورّث لنا الكثير من هذا السلف (الصالح؟) من كوارث، فشوهوا الدين في أذهاننا وفي مشاعرنا، لنعكس هذا التشوه أداءً في الواقع، يربك هذا الواقع القريب منا والبعيد عنا، حتى أصلح الإسلام بعبعا مخيفا في العالم، هذا الإسلام الذي لا يمت إلى الإسلام في حقيقته، بل هو إسلام الموروثات الثقافية التي صاغها إسلام السلطة المستبدة، ثم اكتملت حلقات التشويه عبر ثقافة الأحزاب الإسلامية الأصولية والكثير من (علماء) الدين ذوي جمود الفكري والعقد النفسية من سنة وشيعة. والذي دعاني إلى كتابة هذه الخاطرة من وحي موقف هذا العالم اللاهوتي والمفكر الكاثوليكي الهامبورغي المشهور، هو أني حدثت إحدى الزميلات في المسيرة الثقافية والهم السياسي عنها، فاقترحت عليّ أن أكتب شيئا عن هذه المقابلة، وما يمكن أن نستوحي منها، فاستحسنت الفكرة، وكانت هذه الأسطر التي أتمنى أن يكون فيها ثمة فائدة، ودافعا عند البعض لإعادة النظر في طريقة تعاطينا مع الفكر والثقافة والعقيدة والسياسة، لنمنح لكل من هذه الميادين شحنة من عقلانية واعتدال وموضوعية وعدالة وإنسانية، ولكن لا أدري متى سنتعلم أن نستمع القول فنتبع أحسنه وأنفعه وأقربه للعقلانية والمثل الإنسانية والتفسير الموضوعي العلمي المتكامل، بعيدا عن منهج الاستقطاع النصي والاجتزاء التفسيري.
07/10/2006
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::