«خير أمة أخرجت للناس» .. الأمة العربية .. الأمة الإسلامية

«كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله»

 

أنطلق من هذه الآية الكريمة، من أجل القيام بدراسة عبر عرضها على واقع الأمة المعنية فيها، ومعالجة التناقض بين المعنى الظاهر للآية وبين الواقع. فكمؤمن بالإسلام دينا لله، وبالقرآن كتابا لله، ولكن في نفس الوقت كرافض لإسلام جُلّ الإسلاميين، وكثير من المسلمين، عندما أقف أمام قوله تعالى: «كنتم خير أمة أخرجت للناس»، وأتأمل في الواقع المأساوي لواحدة من الأمم التي بأكثريتها الساحقة - باستثناء عقلائها ومثقفيها وطيبيها - هي من أسوأ أمم عالمنا المعاصر، وذلك على صعيد الوعي والثقافة والأخلاق والسلوك. وهنا من حق البعض أن يشكك في صدق هذه الآية - أستجير بالله -، ويخرج بعدة نتائج، منها إن القرآن ليس من وحي الله، بل من تأليف محمد بن عبد الله (ص) الذي أصاب في كثير منه، وأخطأ - والمعاذ بالله - في كثير منه، والشاهد على عدم مصدرية القرآن الإلهية هو هذا الخطأ في نبوءة القرآن الذي لم يصدق، ليس على ضوء واقعنا المعاصر، بل على ضوء معظم مفاصل تاريخ هذه الأمة.

 

ولكن قضية الإيمان وعدمه، التي لا بد وحسب مدرسة أهل البيت ومدرسة المعتزلة أن تخضع في العقائد لحكم العقل، لا تؤخذ من خلال الحكم عبر نص واحد، دون عرضه على عموم القرآن، ودون البحث عن فهم آخر ينسجم مع العقل ومع معطيات الواقع والحقائق العلمية الطبيعية والتاريخية وغيرها. وليس من مهمة هذه المقالة بيان صدق القرآن، وإيراد الأدلة على ذلك، بقدر ما نريد هنا التوقف عند واقع الأمة، الأمة الإسلامية عموما، والأمة العربية خصوصا، واللتين قد لا أشعر في العمق بالانتماء إليهما، طالما لم تجسدا كظاهرة عامة، وليس كحالات مفردة استثنائية، الأبعاد الإنسانية والأخلاقية والعقلانية والثقافية والحضارية والمدنية.

 

ولننظر إلى أهم ظواهر الأمَّتـَين العربية والإسلامية، مع العلم أن بعض الظواهر خاص بما يسمى بالأمة العربية، وبعضها عام لعموم ما يسمى بالأمة الإسلامية، دون الإشارة بالضرورة ما هو عربي خاص منها، وما هو إسلامي أو مسلمي عام، فالتمييز بيِّن، لذا أتركه لفطنة القارئ.

 

ولكن قبل سرد ما يمكن اعتباره من أبرز ملامح كل مما يُسَمّى بالأمة العربية وما يسمى بالأمة الإسلامية، لا بد من تأكيد حقيقة، ألا هي عدم جواز تعميم صفة من الصفات أو منظومة من ملامح أخلاقية أو ثقافية أو سلوكية على أمة من الأمم، أو شعب من الشعوب، أو مجموعة من المجموعات البشرية، لا سلبا ولا إيجابا. ففي كل أمة وكل مجموعة بشرية نجد صفات ممدوحة، وأخرى مذمومة. ومع هذا يمكن اعتبار بعض الصفات من الملامح العامة الغالبة على أخلاق أو ثقافة أو سلوك أمة ما، وعندما نقول عامة، فيعني ذلك وجود حالات استثنائية مفردة تخرج عن هذه القاعدة العامة، وعندما نقول غالبة، فيعني ذلك النسبية التي هي من غير شك دون الإطلاق. ومن هنا فإن ما يعتبر من الملامح العامة الغالبة، وما لا يعتبر كذلك، يبقى أمرا نسبيا، قد يتفاوت الأشخاص في تقدير أنه مما يصدق عليه العنوان، أو لا يصدق.

 

وحسب تقديري وتقدير كثيرين يمكن اعتبار ما سيرد في هذه الحلقة والحلقات التالية لها، من تلك الملامح المَرَضِيّة العامة والغالبة.

التعصب القبلي والمذهبي والديني والسياسي

لم تنته العصبيات الجاهلية التي كانت سائدة قبل الإسلام، بل أضيفت لها عصبيات جديدة، فالشرقي إما متعصب للقبيلة والعشيرة والأسرة، وإما متعصب للقومية واللغة، وإما متعصب للدين أو للمذهب، أو هو متعصب للتيار أو الحزب السياسي، أو للقائد القومي أو الوطني أو القبلي أو الحزبي. فهو لا يميز بين التمسك والالتزام، أو الإيمان والقناعة، أو الولاء والتأييد وبين التعصب، أي تعصب لأي شيء والذي يعني بالضرورة تعصبا ضد ما يقابله. بينما نرى أن الرسول (ص) يقول: «ليست الجاهلية (أو ليست العصبية أي التعصب) أن يحب المرء قومه، [بقطع النظر عما إذا كانوا أهل مدينته أو بلده، أبناء قوميته، رفاق حزبه، أو أتباع دينه أو مذهبه، فأن يشعر الإنسان بعاطفة خاصة تجاه من هم أقرب إليه، على أي نحو كان القرب، فهذا شيء طبيعي جدا] بل [الجاهلية أو العصبية] أن يرى المرء شرار قومه خيرا من خيار قوم آخرين»، لفقدان المعايير الصحيحة، لان التعصب يُعمي البصر والبصيرة.

العنصرية

بعدما تخلصت أورپا من التمييز العنصري، ما زالت المجتمعات الشرقية غارقة في عنصرية مقيتة، فأكثر مجتمعاتنا تنظر إلى الإنسان الأسود بازدراء، حيث لا يمكن تصور قبول أسرة بزواج ابنتها من زنجي، أو زواج ابنها بزنجية، كما وفي الوقت الذي تتعنصر هذه المجتمعات تجاه أبناء الشعوب الفقيرة والمتأخرة، نراها تمارس الازدواجية تجاه الشعوب الغربية التي حققت خطوات ملحوظة من التقدم، فهي تحترمها من موقع عقدة النقص، ولكن تثقف في نفس الوقت على كراهتها، كونها كافرة، أو إباحية، أو استعمارية.

الهيستيريا

عاطفة الإنسان والجماعات الشرقية غالبا ما تكون عاطفة غير متوازنة، بل هي أقرب للهيستيريا، تارة منعكسة بهيستيريا الحزن، أو هيستيريا الفرح، وتارة بهيستيريا التأييد، أو هيستيريا المعارضة، وثالثة بهيستيريا الحب، أو هيستيريا البغض، وهكذا. فالعاطفة المتوازنة والمعتدلة والمحكومة بعقال العقل مفقودة على الأغلب، بينما نجد عليا (ع) يقول: «أحبـِبْ حبيبَك هونـًا ...، وأبغِضْ بغيضَك هونـًا ...».

العنف

نجد عنف الكلمة وعنف المعاملة ظاهرة مستحكمة في مجتمعاتنا، فالمعلم يستخدم العنف مع التلاميذ، والأب يستخدم العنف مع الأولاد، والزوج يستخدم العنف مع الزوجة، والطفل يستخدم العنف مع الحيوان، والحاكم يستخدم العنف مع الرعية. هناك عنف سياسي، وعنف اجتماعي، وعنف ديني، بينما يقول النبي الأكرم: «ما جُعِلَ الرفقُ على شيءٍ إلا زانـَه، وما رُفِعَ عن شيءٍ [وبالتالي استـُعيضَ عنه بالعُنف] إلا شانـَه».

الاستغراق في نظرية المؤامرة

الشرقي يعيش هَوَس نظرية المؤامرة، كمن يعيش هَوَس الجنّ والسحر، فكل شيء عنده مؤامرة، وكل الكوارث الاجتماعية والسياسية والعنف والإرهاب والاضطهاد والقمع، كله عبارة عن مؤامرة تحركها يد غيبية من وراء ستار، ففي كل مشكلة هناك أصابع صهيونية، ماسونية، أمريكية، بريطانية، غربية، صليبية، استكبارية، استعمارية، إمپريالية .... تعودنا ألا نحلل إلا من خلال نظرية المؤامرة، لا ندرس واقعنا، ولا تاريخنا، ولا كل كوارثنا، إلا عبر المؤامرة. عملية تبسيط وتسطيح للأحداث، أما سُنن التاريخ المعبر عنها قرآنيا «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم»، وقاعدة أن النتائج بمقدماتها، فلا نفهم تطبيقها على واقعنا الاجتماعي والثقافي والسياسي، ولا على وقائع التاريخ، بل ذهب البعض إلى القول بأن حتى قتل الحسين (ع) كان تنفيذا لمؤامرة استعمارية غربية مسيحية.

الاستغراق في ثقافة الكراهة

ثقافة وروح الكراهة مستأصلة ومستحكمة في الشعوب الشرقية، المسلمة والعربية. نكره أتباع الديانات الأخرى، نكره الشعوب الأخرى، نكره الغرب، نكره بعضنا البعض عندما نختلف. إذا جرى طلاق تنتهي العلاقة بعداوة وكراهة وانتقام، وإذا فسخت شراكة تجارية، انتهت العلاقة أيضا بالعداوة والكيد المتبادل. المواطن يكره السلطة، والسلطة تكره المواطن. إذا اختلفنا تباغضنا وتحاقدنا. لا نعرف أن نختلف ونتخاصم حضاريا، بل خصومتنا جاهلية متعصبة غارقة في ثقافة الحقد والبغضاء.

التدين الخرافي

كثيرا ما نجد حالة من التدين الممتزج بالخرافة، وأحيانا الشعوذة، أو الغلو، وذلك في الوسط السني أو الوسط الشيعي على حد سواء، ولو مع تنوع صور كل من الخرافات أو حالات الغلو وأساليب التعبير عنها، ومع تفاوت درجاتها من بلد إلى آخر، من إيمان بالجن والسحر والشعوذة، ومن غلو في أئمة وأولياء. وصور الخرافة متعددة كما بينت ومتفاوتة في درجاتها ومدى غرابتها، فهناك ألوان من الخرافات الپاكستانية، والإيرانية، واللبنانية، والعراقية، والخليجية، وغيرها. والغريب إن بعض أنواع الخرافة والشعوذة والسحر والغلو مما نجده في أوساط يفترض بها أنها مثقفة، أو هي على أقل تقدير من الوسط الأكاديمي، ولا يقتصر ذلك على الأميين وأوساط المتعلمين ومحدودي الثقافة، وهذا ما يجعل الظاهرة أكثر غرابة.

الطائفية السنية منها خاصة والشيعية أيضا

ابتداءً لا بد من القول أن الفرق واضح وجليّ بين الاعتقاد بمذهب من المذاهب الفقهية، من جعفري وحنفي وشافعي ومالكي وحنبلي وزيدي وأباظي وإسماعيلي وغيرها، وكذلك بالنسبة للمذاهب أو المدارس الكلامية من أشعرية أو معتزلية أو إمامية، هذا الاعتقاد بأي من هذه المذاهب والمدارس وغيرها الذي من حق صاحبه أن يصل إلى درجة القناعة العميقة والتمسك الشديد، وبين التعصب الأعمى الذي يرفض الحوار، ويَدَّعي عصمة رأيه، وكون قناعته وحدها دون غيرها تمثل الحقيقة المطلقة النهائية، التي يحظر حظرا باتا قاطعا حاسما مناقشتها، مع التعصب ضد كل من يختلف مع صاحب القناعة، إلى حد الاستعداء والتكفير، وإطلاق فتاوى وأحكام الارتداد في الدنيا، ثم يعدوها إلى دعوى امتلاك حق إصدار الحكم الأخروي بتخليده في نار جهنم.

استسهال التراشق بالتخوين والتكفير المتبادل

هذا التعصب هو مقدمة لظاهرة استسهال إصدار حكمين جاهزين مع المخالف الديني والمذهبي والفكري والسياسي، فمن أبسط الأمور، أن يقال عمن يُختـَلـَف معه دينيا «كافر»، وعمن يُختـَلـَف معه مذهبيا «مشرك»، وعمن يُختـَلـَف معه سياسيا «خائن»، أو «عميل»، وعمن يُختـَلـَف معه فكريا «مرتدّ».

الاستغراق في التعصب القومي

بعدما تجاوزت الأمم المتقدمة المراحل التي سادها الفكر القومي، ما زالت معظم الشعوب المسلمة عموما والعربية خصوصا مستغرقة في الفكر القومي، الذي لا يخلو من التعصب، والذي قد يصل إلى مستويات متقدمة من الشوفينية. سواء كان التعصب القومي العربي، أو التركي، أو عموم الإيراني، أو خصوص الفارسي أو ...

التلازم بين الفكر القومي العربي والتمذهب السني

وهذه الظاهرة خاصة بما يُطلـَق عليه بالأمة العربية. فإننا نجد لاسيما في الفكر القومي العربي الحديث، وأعني به المد القومي للقرن السابق الذي وُلِد مع ظاهرتي القطبين القوميين المتنافسين، المصري المنشأ المتمثل بجمال عبد الناصر، والسوري المنشأ المتمثل بحزب البعث. وهذا لا يعني عدم وجود جذور تاريخية لهذا التوجه القومي، ولكني أريد التركيز على الاتجاه القومي العربي المعاصر. نجد أن من لوازم هذا الفكر هو التلازم بين القومية العربية والتمذهب السني. صحيح أن التيار القومي العربي وبخلاف التيار الإسلامي الأصولي لاسيما الإخواني، قد انفتح على العرب المسيحيين، بل كان المؤسس لأحد التيارين القوميين المتنافسين من المواطنين المسيحيين، إلا أنه انغلق على التشيع العربي، بالرغم من تولي كثير من الشيعة لمواقع قيادية في التيار القومي، ولكنهم لم يكونوا إلا جزءً من الفكر المُتـَقـَومِئ عربيا، والمُتـَمَذهِب سنيا. ولهذا التلازم شواهد كثيرة، منها اقتصار عَلـَم المدّ القومي للخمسينات والستينات، بخلاف عَلـَم الثورة العربية العشريني، على ألوان الدول الإسلامية/العربية/السنية (الأبيض: الدولة الأموية في الشام، الأسود: الدولة العباسية، الأحمر: الدولة الأموية في الأندلس)، واستـُغنِيَ عن الأخضر كرمز للدولة الفاطمية في القاهرة. ومن الشواهد على هذا التلازم هو معاداة معظم الشعوب العربية لعملية التغيير في العراق، لا لشيء إلا لأنها تعطي من خلال الانتخابات الشعبية الحرة - ولا أقول الديمقراطية - فرصا أكبر للشيعة، وكذلك مما شاهدناه من تعاطف مع الطاغية صدام.

 

صحيح إنني ركزت في هذه الظاهرة على الفكر القومي العربي، لكننا نجد شبيها من هذا التلازم بين الحس القومي التركي والتمذهب للحنفية، والفكر القومي الفارسي والتـَّمَشيُع.

الولاء للطغاة والجزارين

وعلى ما ذكر آنفا من التعاطف مع صدام، واعتباره بطلا قوميا وشهيدا تاريخيا، فإن شعوب هذه الأمة عودتنا إما على الخضوع للطغاة، بل إضفاء الشرعية الدينية أو الوطنية عليهم، أو التعاطف معهم وتحويلهم في وجدان الأمة إلى أبطال تاريخيين، رغم كل دمويتهم وجرائمهم بحق شعوبهم. فهكذا كان الأمر مع خالد بن الوليد، ومع هارون الرشيد، ومع صدام حسين، وغيرهم كثيرين. ولا ننسى ذكر الجزار التكفيري أبي مصعب الزرقاوي، الذي أبَّنه البعض ولقـّبوه بشهيد الأمة.

الفقر الحضاري وعدم المساهمة في التطور العلمي

من أبرز الظواهر لما يسمى بالأمتين العربية والإسلامية هو الفقر الحضاري للعهود القريبة الماضية. فلا نجد أية مساهمة تذكر في تطوير العلوم والتكنولوجيا والصناعة. بل تحولت هاتان الأمتان إلى شعوب مستهلكة ومقلدة، غير منتجة، وبعيدة كل البعد عن الإبداع، بحيث لو وجدت حالات استثنائية من أفراد مبدعين، فإن هؤلاء تراهم لا يجدون فرص الإبداع في أوطانهم، مما يجعل المجتمعات المتقدمة سرعان ما تستقطبهم، وتستثمر طاقاتهم وقدراتهم، فيتحولون رغم جذورهم العربية والإسلامية إلى جزء من الإبداع العلمي والتقني للمجتمعات التي استقطبتهم واحتضنتهم ومنحت روح الإبداع عندهم فرص الانطلاق والنمو والتطور.

الاستغراق بأمجاد الماضين

فبدلا من المساهمة في صناعة الحضارة والمدنية للمجتمع الإنساني في العالم، نجدنا مستغرقين بأمجادنا الماضية، متغنين بحضارات ما قبل الإسلام، كحضارة وادي الرافدين، وحضارة وادي النيل، وحضارة فارس. ثم الاستغراق في مراحل الازدهار العلمي والحِرَفي والفني للمسلمين. وبهذا الاستغراق في حضارات وأمجاد الماضين، نحاول أن نرضي غرورنا الزائف، كوننا بناة ومؤسسي الحضارة الإنسانية، ناسين أن الذين أسسوا تلك الحضارة وبنوا صرحها، لم نكن نحن، بل كانوا قوما آخرين، ليس من رابط بيننا وبينهم، إلا أنهم أجدادنا الماضون.

الاستغراق في وهم التفوق على الأمم تجاه الأورپيين والشعوب الشرقية الفقيرة

ثم من خلال هذا الاستغراق في الأمجاد، نجد أن هناك شعورا من وحي الوهم أو التمني أو الغرور، بتفوقنا على سائر الأمم. هذا التفوق الموهوم نبرره بثلاث مبررات؛ الأول تلك الأمجاد للماضين، والثاني، كوننا نحمل الوحي الأخير الذي أنزله الله تعالى، وبالتالي فنحن دون الأمم وبقول الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ولا من ورائه، كنا «خير أمة أخرجت للناس»، والمبرر الثالث لهذا الوهم، هو اعتقادنا بأننا أصحاب المثل الأخلاقية دون غيرنا من الأمم.

حصر الأخلاق في القـُبُلـَين والدُّبُرَين

وهذا التفوق الأخلاقي المُدَّعى يتأتـّى من جراء وَهْم خرافي، هو أن الأخلاق لا تعدو عِفـّة كل من قـُبُل ودُبُر كل من المرأة والرجل. أما الصدق والأمانة، والعفو، والإخلاص والدقة والجدية في العمل، وحب الخير للناس، وحفظ حقوق وكرامة الإنسان، والتعاطي مع البشر على أساس المساواة، دون التمييز بسبب اللون أو العنصر أو الدين أو اللغة أو المذهب، فكل ذلك ليس من الأخلاق، وإذا اعتبرناها من الأخلاق، فندعي جزافا أننا أهلها ورعاتها، من خلال التغني بها كملامح من سيرة النبي (ص) وسيرة الأئمة أو ما يسمى بالسلف الصالح. فالمهم أن هذه الأخلاق مؤكدة في كتب التاريخ والسيرة، وليس المهم أن يكون لها واقع حيّ متحرك في حياتنا المعاصرة. ومن خلال هذا الاختزال للأخلاق في الفرجين، بقينا نعتبر أنفسنا أصحاب الأخلاق الأمثل والأفضل والأرقى، فنصلي ونصوم ونتعفف جنسيا، ولكننا نكذب في عملنا التجاري وفي السياسية وفي علاقاتنا الاجتماعية، ونغش بضاعتنا، ويخون بعضنا الآخر، ونتعسف ببعضنا البعض، ونتحاقد ونتقاطع، ونستخدم عنف الكلمة وعنف المعاملة، ولا نقيم لكرامة الإنسان وزنا، ثم ندعي أننا حملة مشعل الأخلاق في العالم.

الثقة العمياء بأحبار ورهبان المسلمين

أما حال ما يُسمَّون برجال الدين، والذين تنطبق على أكثرهم معظم ما أدان به القرآن أحبار ورهبان من قبلنا من أتباع الديانات السابقة للإسلام، من استعلاء على الناس، وكنز للذهب والفضة من الأموال الشرعية، ودعوى القداسة، وما يقابل ذلك من قبل الجمهور بإضفاء القداسة المطلقة في كثير من الأحيان على كل من وضع على رأسه عِمّة وتـَزَيّى بما يسمى بزي العلماء، أهلا لها أو غيرَ أهل. فيمنح (العلماء) ثقة عمياء، وسرت هذه الثقة العمياء حتى إلى ميادين السياسة عندما جرى تسييس الدين، وإضفاء مسحة القداسة ودعوى امتلاك الحقيقة المطلقة التي لا تناقش، على الرأي والموقف السياسيين لرجل الدين، أو للقوى السياسية الإسلامية، ظانين أن هذا الرأي أو ذلك الموقف يمثلان قرآنا أو سنة، أو هما وحي نزل به جبريل، رغم إيماننا بختم النبوة وانقطاع الوحي، أو أنه إلهام إلهي، من خلال عصمة نعتقد بها ضمنيا لهؤلاء العلماء، وإن كنا لا نعتقد بها كمفردة من عقيدتنا، إلا أنها مع ذلك من الناحية العملية والمقولة الضمنية غير المنطوقة باللسان بل بالسلوك متجذرة في وعينا، إنما ندعي هذه العصمة، بل ونرتب عليها الأثر، من حيث الانقياد الأعمى من جهة، والتشكيك بدين من لا يشاركنا الانقياد الأعمى للقيادات السياسية من ذوي العمائم ولتوجيهاتهم السياسية.

الاستعلاء على المواطنين من الديانات والقوميات الأخرى

ما زال المسلم - لاسيما المسلم المتدين، ولكن تديُّنـًا شكليا سطحيا تقليديا - على الأعم الأغلب يظن بأفضليته وفوقيته على أتباع الديانات الأخرى. وإننا حتى مع افتراض أن ديننا هو أفضل الأديان، وهذا ربما يكون من حق كل صاحب دين أن يعتقد بأفضلية دينه، وهكذا بالنسبة لكل صاحب إيديولوجية فلسفية أو سياسية، ولكننا لا نميز بين أفضلية دين، على فرض تحقق تلك الأفضلية، وأفضلية كل الأفراد من أتباع ذلك الدين على كل الأفراد من أتباع الدين الآخر. وكذلك ما زال العربي يختزن روح الاستعلاء على المواطنين في البلاد العربية من قوميات أخرى. هذا ناهيك عن الاستعلاء العنصري، على من يحمل لونا آخر نراه أقل رقيا من لوننا الأبيض أو الأبيض النسبي، أي الأسمر. بينما تجاوز الأورپـيون وعموم الغرب مسألة التمييز العنصري بدرجة كبيرة جدا، ونحن نكتفي بالاستغراق في التفاخر بإنسانية ديننا، وبالتالي بمقولات الإسلام في نبذ العنصرية والتمايز، لأي سبب كان، من قبيل «لا فرق بين أبيض وأسود، ولا بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى»، و«وجعلناكم شعوبا وقبائل إن أكرمكم عند الله أتقاكم»، و«الناس سواسية كأسنان المشط»، و«إنما العصبية أن يرى المرء شرار قومه خيرا من خير قوم آخرين»، و «الناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق»، وغيرها. غير ملتفتين، أو ملتفتين ولكن غير معترفين أن واقعنا يقف على طرف النقيض من هذه المثل. وهذا الإحساس بالتفوق القومي، ومن أجل أن نكون موضوعيين، نجده ليس عند العرب فحسب، بل نلمسه عند الفرس، والترك، ولعله غيرهم من الشعوب الشرقية.

الاستغراق في الشكل دون الجوهر

من الظواهر البارزة لمجتمعات الشرق العربي والشرق الإسلامي عموما هو الاستغراق في شكل وقشر وظاهر الأشياء، وإهمال الجوهر والروح والمحتوى الحقيقي لها. هكذا هو تعاملنا مع الدين، تهمنا شكلياته وقشوره ومظاهره، ولا نعير لجوهر وروح الدين ومحتواه الحقيقي أهمية، إلا أهمية هامشية، وهكذا نتعامل مع المدنية ومع الحداثة، وهكذا مع أبنيتنا أو ما يسمى بالفن المعماري؛ في كل شيء يهمنا المظهر والشكل قبل المضمون. وحتى عندما نريد أن نأخذ بمُعطـَيات العصر باقتباس نتاجات التجربة الإنسانية كالديمقراطية، حيث نفهم شكل وقشور ومظاهر الديمقراطية، ولا نحاول أن نستوعب محتوياتها ومضامينها الحقيقية، ونعيش روحها، ونتفاعل مع جوهرها.

بين تصديقـَين وتكذيبَين

عندما تأملت في هذه القضية، وجدت نفسي إما أن أكذب القرآن - أستجير بالله -، أو أكذب الواقع - حاشا لعقلي -. فإني إذا صدقت المعنى الظاهر للآية القرآنية الكريمة، يكون لا بد لي بالضرورة أن أكذب الواقع، رغم مخالفته لهذا المعنى الظاهر مخالفة لا تقبل الشك، أو إني إذا ما سلمت لصدق هذا الواقع، واعتبرت أن هذا المعنى الظاهر للآية هو المعنى المراد منها حقا، فلا أملك إلا أن أكذب القرآن ككتاب لله سبحانه، وأنتهي إلى محصلة هي أنه ليس إلا كتابا بشريا، أي مؤلـَّفا من قبل إنسان، سواء كان هذا الإنسان هو محمد (ص) أو أي إنسان آخر استعان به، ولذا يكون من الطبيعي كنتاج إنساني أن يشتمل على الصواب والخطأ. وإني لا أريد أن أطلق حكمي على من يصل إلى هذه النتيجة، فهي قناعة يتحمل صاحبها مسؤولية حملها والاقتناع بها والترويج لها، ولكن من ناحيتي فإني أؤمن، وهذا إيمان يخصني شخصيا، لا أملك حق إكراه أحد عليه، بأن القرآن هو وحي الله وكتابه ورسالته. ولذا لا بد من التوفيق بين حقائق كتاب الله، وبين كل من الحقائق العقلية، والحقائق الواقعية. ولنتأمل في هذا الأمر في ضوء مفردات هذه الآية الكريمة:

 

-         «كنتم خير أمة أخرجت للناس

-         تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر

-         وتؤمنون بالله

-         ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم

-         منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون»

 

  1. «كنتم خير أمة»: يمكن أن نفهم هذه العبارة على ضوء الفهم اللغوي الحرفي، من حيث اعتبار عبارة (كنتم) التي جاءت بصيغة الفعل الماضي، إنما تعني مخاطبة المسلمين اللاحقين، لتذكرهم كيف أنهم كانوا في مرحلة محدودة من مراحل تاريخهم، خير أمة من بين الأمم، ولكن هذه المرحلة قد انقضت وانتهت، فتحولتم بعدها إلى واحدة من أسوأ الأمم، أو في أحسن التقديرات، واحدة من الأمم التي تمتزج فيها عوامل الخير وعوامل الشر، ولذا عليكم أن تفكروا كيف تستعيدوا موقعكم، بانتزاع أنفسكم من واقعكم المتردي والمتخلف، إلى الواقع الذي ينسجم من جديد مع روح الرسالة التي حُمِّلتـُموها، فلم تحملوها حق حملها، فكان مَثـَلـُكم مَثـَلَ من حُمِّل ما حُمِّل، فلم يحمله حق حمله، فكان مثلهم كما مَثـَّل القرآن، وهم الذين كان الله قد قال عنهم «واذكروا نعمتي عليكم وأني فضلتكم على العالمين»، فلا أولئك بقوا شعب الله المختار الذين أنعم عليهم وفضلهم على العالمين، ولا أنتم كنتم شعب الله المختار، وبقيتم خير أمة أخرجت للناس، وحققتم أن تكونوا أمة وسطا حتى تكونوا مؤهلين لتـَتـَبَوَّؤوا موقع أن تكونوا شهداء على الناس، تحقيقا لقوله تعالى: «وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس»، فالجعل هنا ليس جعلا تكوينيا، بل هو جعل تشريعي أو تكليفي، بمعنى اختزان الرسالة لبذور خلق الأمة الوسط، المؤهلة لتكون شاهدة على بقية الأمم والشعوب، ذلك إذا ما استوعِبَت حق الاستيعاب وطـُبـِّقـَت حق التطبيق.

  2. سبب أنكم «كنتم خير أمة أخرجت للناس»، هو إنكم كنتم «تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر»، ولكن لا بالمعنى الساذج والسطحي والشكلي والمتعسف والعنيف واللاحضاري لما يمارسه الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، من سلفيين وأصوليين ومُسَيِّسين للدين، وليس بمعنى حصر مفهومي المعروف والمنكر بشكل الدين، مع إهمال جوهره وأخلاقياته ومثله الإنسانية وعدله، أي الاقتصار على فروضه ونـُسُكه وعباداته، وإهمال معاملاته وأخلاقياته وأبعاده الإنسانية، ومع ترك وإهمال أهم شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ألا هي أولا: العلم المعمَّق والدقيق بما هو معروف وما هو منكر، وبما هو ثابت من كل من المعروف والمنكر وما هو متغير منهما، وثانيا: العمل والتطبيق لما يأمر وينهى وينصح ويعظ به الإنسان، مستغرقا في ازدواجيته، غير ملتف إلى قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون»، وثالثا: الرفق في أساليب الأمر والنهي، والذي يعني عدم الاستغراق في المعنى الحرفي للأمر والنهي، بل إنما هما دعوة حكيمة، وموعظة حسنة، وتأثير بالسلوك لا باللسان بحسب الأحاديث والروايات الشريفة وبحسب العقل.

  3. وإنما «كنتم خير أمة»، لأنكم كنتم «تؤمنون بالله»، إيمانا يعيش آفاق صفات الله سبحانه من رحمة وحكمة وعقلانية وإنسانية، لأن الله كان إله الرحمة والرفق والمحبة، لا إله القسوة والعنف والحقد، وإيمانا يسمو مع صفاء وروحانية الدين والإيمان، بما يمثله من العلاقة الروحية بين الإنسان في السمو النسبي والمتكامل لإنسانيته، وربه في السمو المطلق واللامتناهي لإلوهيته.

  4. ومثلما أنه «لو آمن أهل الكتاب [آنذاك] لكان خيرا لهم منهم»، فإنكم لو آمنتم حق الإيمان، فيما هو الإيمان في جوهره ومضامينه، لا في شكله وقشوره، أي ليس الإيمان المختزن لكل أنواع الازدواجية، لكان خيرا لكم، ولـ «كنتم» حقا وفعلا وصدقا وواقعا «خير أمة أخرجت للناس». وهكذا فمثلما قال عنهم القرآن أن «منهم المؤمنون»، وليسوا كلهم بكافرين، كما تمارسون من تعميم وإطلاق، غافلين عن حقيقة أنهم «ليسوا سواء» - وعن حقيقة أن كلا من الإيمان والكفر يبقيان حقيقتين نسبيتين -، فمنكم أنتم أيضا المؤمنون، ولستم كلكم بمؤمنين، بما هو حق الإيمان، وفيما هو الإيمان في جوهره، لا في شكله. وكذلك كما قيل عنهم «أكثرهم الفاسقون»، فلعل أكثركم اليوم فاسقون، لا لأنكم تركتم الصلاة، وشربتم الخمر، وزنيتم، بل لأن كثيرا منكم يصلي ويكذب، ويصوم ويَغـُشّ، ويحجّ ويحقد، ويدعو إلى إقامة حكم الله ويظلم. فهذا هو الفسق الحقيقي، أي الفسق في جوهره، لا الفسق الشكلي الظاهري الذي استغرقتم من خلاله في تفسيق وتفجير وتكفير الناس.

 

فإننا إذا ما نظرنا إلى ما تقدمه بقية الأمم في هذا العصر، وما تقدمه شعوبنا في العالمَين العربي والمسلم، لوجدنا أن مفاهيم الإسلام الحقيقية غائبة من واقعنا وحاضرة في واقع بقية الأمم، وليس آخر هذه المفاهيم «خير الناس أنفعهم للناس»، و«لا تبخسوا الناس أشياءهم»، و«وزنوا بالقسطاس المستقيم»، و«ولقد أرسلنا رسلنا بالبينات ونزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط»، و«لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا»، و«ادخلوا في السلم كافة»، و«إنما الدين المعاملة»، و«بعثت لأتمم مكارم الأخلاق». وغير ها كثير وكثير.

 

وحيث إني - كمسلم مؤمن بالإسلام عن قناعة - لا أستطيع تكذيب كتاب الله من جهة، وكساع للانسجام مع العقل والواقعية والموضوعية، لا أستطيع تكذيب الواقع، حاولت أن أوفق بين حقيقتين شاخصتين أمامي، ولو ثبت لي - من قبيل أن فرض المحال ليس بمحال - تناقض القرآن مع الواقع، أو مع معطيات العلم، أو مع ضرورات العقل، أو مع المُثـُل الإنسانية، لما آمنت به كتابا موحىً به من الله سبحانه وتعالى عن أن يُنزلَ كتابا يتناقض مع كل ما ذكِر. ومن هنا لا يُلام من يصل إلى قناعة، حتى لو كانت متأتية من شبهة، بأن القرآن على طرف النقيض من واحدة مما ذكِر من مفردات. سائلا خالق الإنسان ومُلهمَه روحَ الإنسانية، وصفاءَ الروح الإلهية المنفوخة فيه، أن يَهدي الإنسان، عموم الإنسان، إلى دين الحب، والعقل، والجمال، مهما كانت عقيدة وشِرعَة ذلك الدين، وأن يتقبل منا جميعا تديننا بذلك الدين القيم من حيث المنطلقات، وإن اختلفنا في النتائج، بشرط ألا يُخرجَنا اختلافـُنا عن إنسانيتنا، وعن انسجامِنا مع قيم الحب والعقل والجمال.

 

26/01/2007

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::