كراهة التشبه بالآخر الديني وتطبيقاتها في زماننا
نعرف من السيرة في صدر الإسلام كراهة تشبه المسلم باليهودي من حيث المظهر، وذلك فيما هو شكل كلٍّ من الشارب واللحية.
وهنا أريد تناول الموضوع من عدة زوايا:
مبررات تأكيد الهوية الخاصة بالمظهر.
مبررات تجنب التشبه بأصحاب هوية أخرى بالمظهر.
أسباب تأكيد تجنب التشبه باليهود خاصة آنذاك.
مدى أهمية تأكيد الهوية الخاصة في هذا الزمان.
مدى أهمية تجنب التشبه بالغير في هذا الزمان.
مصداق ما ينبغي تجنب التشبه بهم في زماننا.
مبررات تأكيد الهوية الخاصة بالمظهر:
إن الذي يجعل أتباع هوية معينة، بقطع النظر عما إذا كانت هوية دينية، أو قومية، أو ثقافية، أو لعله سياسية، يتمسكون بإظهار هويتهم بالملبس واللغة وكثير من المظاهر والممارسات تأكيدا لهويتهم، عوامل مختلفة، منها ما هو مطلوب وضروري، ومنها ما هو مقبول ومُتفهَّم له، ومنها ما هو غير مقبول، بل أحيانا ما هو مرفوض إلى درجة الاشمئزاز والنفور النفسي. فهناك تمسك بتأكيد الهوية عبر المظهر نبع عن اعتزاز بتلك الهوية، خاصة إذا كانت هناك محاولات لمحوها تجري على يد أتباع هويات أخرى وتذويبها في هوية أخرى تريد أن تبتلعها، إما بحكم هيمنة تلك الهوية على الواقع، لكبر حجمها، ولتعصب أهلها ضد الهويات الصغيرة، وإما عبر إمساكها بسلطة مستبدة، لا يريد الممسكون بها أن يروا مظهرا لهوية، أيا كانت، لا تنتمي لهويتهم. ومن الطبيعي هنا أن أصحاب الهوية الصغيرة، أو الجديدة المحارَبة (في حالة الإسلام آنذاك)، وكردة فعل لمحاولات إلغاء هويتهم أن يزدادوا إصرارا على إظهارها، عبر ملابس معينة، وطريقة معينة لمعاملة الشارب واللحية وشعر الرأس، وما يستخدم من غطاء لرأس الرجل أو المرأة، وحتى أحيانا في اللغة أو اللهجة، أو المصطلحات الخاصة، وتزداد مظاهر التعبير عن التمسك بالهوية عبر المظهر بشكل خاص، عندما تزول أسباب القمع، عندما يجد أهل الهوية التي كانت مهددة مُتـَنـَفـَّسا للتعبير عن هويتهم. ومن هنا وبسبب محاربة عرب الجزيرة لبني قومهم من الذين التحقوا بالدين الجديد، محاربتهم في هويتهم تلك، وفي عقيدتهم، وفي طريقة عبادتهم، بسبب تعصب أتباع الديانات الأخرى في الجزيرة العربية من وثنيين ويهود وغيرهم؛ كان ومن أجل مواجهة هذا التحدي أن أبدى المسلمون الأوائل إصرارهم على كل مفردات التعبير عن الهوية، فوجههم قائدهم ونبيهم (ص) إلى ضرورة تجتنب التشبه بأتباع الهويات الدينية الأخرى، الذين حاربوا المسلمين في هويتهم ودينهم، من حيث المظهر، وخص اليهود بذلك، لأسباب خاصة بذلك الظرف.
ولكن نجد أحيانا أن هناك حالات من المبالغة في إظهار الهوية الخاصة والإصرار عليها إلى حد استفزاز الآخرين، ليس لها مبرر واقعي مقبول، بسبب زوال مبررات التأكيد، أو لأن هذا الإصرار وهذه المبالغة يكونان تعبيرا عن تعصب عنصري أو قومي أو سياسي، أو ديني، لاسيما إذا ما انتمى أصحاب الهوية المُؤكـَّد إبرازها بالمظهر يمثلون الأكثرية في المجتمع، ولم يعد هناك ثمة نظام أو أكثرية يمارس أو تمارس الاضطهاد ضدهم في هويتهم، مما يجعل هويتهم غير معرضة للخطر.
مبررات تجنب التشبه بأصحاب هوية أخرى بالمظهر:
كذلك المبررات والدوافع لتجنب التشبه بالآخر الديني والقومي والمذهبي والسياسي، منها ما هو مطلوب وضروري، أو مقبول، ومنها ما هو غير مقبول. من الطبيعي إذا كانت بعض مفردات المظهر يمثل تعبيرا خاصا لمجموعة ما عن انتمائهم القومي أو الديني أو السياسي، فهذا أمر خاص بهم، بقطع النظر عن مقبوليته أو عدمها، ومن هنا فمن غير المعقول عندما لا أكون منتميا إلى تلك القومية أو ذلك الدين أو التوجه السياسي أو الفكري، وكانت بعض المظاهر لا معنى لها إلا تأكيد ذلك الانتماء، أن أتمظهر بنفس تلك المظاهر المعبرة عن ذينك الانتماء والولاء. ويكون الإصرار على عدم التشبه بالآخر أشد، عندما يطلب ذلك بالإجبار والقهر. وأحيانا يكون مطلوبا تجنب التشبه بمجموعة ما في المجتمع، عرفت بممارسات أخلاقية وسلوكية غير مقبولة، وقد تكون هناك أسباب أخرى.
أسباب تأكيد تجنب التشبه باليهود خاصة آنذاك:
أما لماذا وردت الروايات بالذات على كراهة التشبه باليهود على وجه الخصوص، فلعله لأن يهود الجزيرة العربية في زمن ظهور دعوة محمد (ص) للدين الجديد، كانوا بدرجة كبيرة من التعصب ضد الآخر الديني، ومن هنا أظهروا عداءً متميزا وحادا ضد دين الإسلام ودعوته. ومن المهم جدا أن نفهم أن الإسلام بحد ذاته لا يملك عقدة مستأصلة ضد أصحاب دين ما، لم يبادروا هم لمعاداته ومحاربته، فالقضية كانت موجهة ضد يهود زمان محدد وجغرافية محددة، وإلا فالقرآن يؤكد عدم جواز تعميم وإطلاق الأحكام على أتباع دين ما، أو على قوم أو شعب ما، فهم أو كل منهم كما يعبر القرآن «ليسوا سواء».
مدى أهمية تأكيد الهوية الخاصة في هذا الزمان:
أما في زماننا هذا، فالإنسانية التي بدأت تتحرك في أشواط التـَّرشـُّد، وإنهاء العصبيات القومية والدينية والمذهبية والثقافية والسياسية، ليبدأ عهد جديد من الحوار والتفاهم والتعايش، لم يعد هناك مبرر لتأكيد الهوية الخاصة، مُعبَّرا عنها بالمظاهر، فيما هو الملبس وغطاء الرأس وطريقة إطلاق أو حلق كل من اللحية والشارب وشعر الرأس، بل أصبح أنفع للتعايش السلمي الذي يمثل ضرورة إنسانية لا بد منها، أن يتخلى الجميع عن الانطلاق إلى المجتمع حاملين رموز وشعارات ومظاهر عقيدتهم عبر الشكل والملبس.
مدى أهمية تجنب التشبه بالغير في هذا الزمان:
العولمة شملت منذ وقت غير قريب، وقبل أن يظهر إلى السطح مصطلح العولمة نفسه عبر انتشار وحدة الملبس وسائر المظاهر الخارجية من تسريحات الشعر الرجالية والنسائية ومن حيث كيفية إطلاق اللحية أو الشارب وتحديد طول كل منهما، أو حلقهما، بحيث أصبحت القضية قضية ذوق وقضية تقليعات تظهر وتختفي وتتبدل، ولم يعد لها بُعد له علاقة بثمة هوية خاصة، إلا ما ندر من حالات، إما لها مبرراتها كردود فعل، كما مر، أو كعادة وتقليد ما زالت بعض المجتمعات متمسكة بهما، دون أن يختزن بالضرورة فيها شيء من تعصب ديني أو عنصرية قومية أو ما شابه. وبقي أتباع بعض الديانات كالمسلمين واليهود والبوذيين والسيك، وبدرجة أخف بعض المسيحيون، يتمظهرون بمظاهر التعبير عن انتمائهم الديني.
مصداق ما ينبغي تجنب التشبه بهم في زماننا:
وحيث أن أشد مظاهر التطرف والتعصب والعنف والإرهاب وأوسعها انتشارا باسم الدين في زماننا، هو ما يجري باسم الإسلام، الذي ظلمه من أهله أكثر بكثير من ظلم خصومه له، حيث انطلق في كل العالم أولئك المتدينون المتزمتون من المسلمين، ودعاة الإسلام السياسي، ليملؤوا العالم صخبا ورعبا، بحيث أصبح المسلم المتوازن في تدينه وغير المبالغ بمظاهر التدين، بل المتمسك بجوهر التدين وعقلانية الإسلام واعتداله وإنسانيته، ليخجل من انتسابه إلى (إخوته) في العقيدة. من هنا أصبحت مظاهر التدين المتزمت والمتشدد مما تنفر منه نفوس المسلمين المعتزين بإسلامهم، ناهيك عن نفور غيرهم المرعوبين منهم بحق.
كراهة التشبه بالمتزمتين من المتدينين وبدعاة الإسلام السياسي
لست بصدد إصدار فتوى، لأني لست من أهل الإفتاء، لكن من قبيل الاستيحاء من فكرة كراهة التشبه بالآخر المغاير، ما يناسب زماننا في ضوء الواقع الذي نعيشه، إذ أصبح مما تنفر منه النفوس السوية رؤية مظاهر التدين المتزمت، ومظاهر الانتساب إلى الإسلام السياسي والسلفية الدينية، سواء كانت سلفية سنية أو سلفية شيعية. إن كان التشبه بحمل لحية على هيئة ما تختلف من بلد إسلامي إلى آخر، ولكن بما يرمز إلى التدين المتزمت أو الإسلام السياسي، أو جعل الحجاب بصورة تعبر أيضا عن تزمت أو انتساب للإسلام السياسي، أو استخدام أنواع غطاء الرأس المستخدم عادة من المتدينين المتزتين، باختلاف هيئته في التفاصيل من بيئة إسلامية إلى أخرى، وحتى استخدام الرجال بشكل خاص لعطور ذات اتجاه معين، يختص به رواد المساجد، وأغلبها عطور هندية حادة بشكل مفرط، ينفر منه الذوق العصري؛ نعم، فلكل عصر ذوقه.
ليكن تدين المتدينين منا تدين الجوهر، لا تدين الشكل، تدين الأخلاق، لا تدين الطقوس، وليكن تديننا مقرونا بذوق عصري يلائم البيئة التي يعيشها كل منا، بعيدا عن الخروج بمظهر فيه دلالات الانتساب إلى دين معين، أيا كان ذلك الدين، بل ليعرف الله عنك إيمانك بصدقك معه، وليعرف الناس منك حسن المعاشرة والمعاملة، فتكون داعية بغير لسانك، وبغير تظاهرة تمظهرية بثمة ملبس وغطاء رأس ولحية ومسبحة، ولنتدين تدين الاعتدال والوسطية ولنكن من الذين «يمشون في الأرض هونا»، من غير تظاهرة أو تمظهر أو تظاهر أو مراءاة، فقد زالت مبررات تأكيد الهوية الدينية، ولا مبرر لتأكيد الهوية المذهبية أحيانا، فبعض المظاهر خاصة - كما نعلم - بهذا أو ذاك المذهب دون غيره. ففي تصوري وقناعتي، ولا أفتي، ولا أدعي أن وحيا نزل عليّ، ولا أقول أني أملك الحقيقة دون غيري، بل هي رؤية، وإن كانت لا تنطلق من فراغ، أقول في تصوري إنْ «كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها».
27/07/2007
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::