أخيرا عرفت الحكمة من عدم وجوب صلاة الجمعة
ضياء الشكرجي
"يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون"
القرآن واضح وصريح في الحث على صلاة الجمعة إذ قال "فاسعوا" إليها، وشرفت بوسام جليل الشأن إذ جُعل "ذكر الله" اسما لها، ومن أجلها أراد ان يذر المؤمنون البيع والتجارة واللهو وسائر المشاغل الدنيوية بل وحتى ما سواها من أعمال بر غير فوتية ويقدموا صلاة الجمعة عليها.
وانقسم الفقهاء في التكليف بها ما إذا كان تكليفا إلزاميا أي واجبا، أم تكليفا ترخيصيا أي مستحبا، واختلفوا في كونها واجبا تعيينيا أم واجبا تخيريا يخير بينها وبين فريضة الظهر من الجمعة.
السنة قالوا بوجوبها إجماعا، والشيعة انقسموا إلى عدة اجتهادات. والمشهور عند الشيعة عدم وجوبها ابتداءً وجوبا تعيينيا في عصر عدم وجود إمام معصوم مبسوط اليد. وكما إن المشهور عندهم أنها واجبة على نحو التخيير لا التعيين، وهي أيضا عنهم مستحبة استحبابا مؤكدا. ثم إن هي أقيمت بشروطها وجب عند بعضهم الحضور للرجل المكلف الحاضر القريب، دون الشيخ والمريض، وأما حضور المرأة والمسافر والشيخ فهو عندهم مستحب وليس واجبا، وعند فريق آخر من فقهاء الشيعة يبقى الحضور هو الآخر مستحبا، وإن أقيمت بشروطها، ووجوبها يبقى تخييريا لا تعيينيا.
كنت دائما أرى رجاحة ما ذهب إليه السنة وبعض الشيعة من وجوب صلاة الجمعة تعيينيا، وعلى أقل تقدير كان الاجتهاد القائل بوجوب حضورها إن هي أقيمت بشروطها مقنعا بالنسبة لي تماما.
نحاول أن نسلط الضوء على الأسباب لا سيما السياسية التي جعلت السنة يذهبون إلى وجوبها والشيعة غلى استحبابها واقتصار وجوبها في عصر المعصوم. نعرف أن صلاة الجمعة ليست عبادة مجردة ككل العبادات، بل هي عبادة ذات بعد سياسي، ذلك من خلال ضم الخطبتين إلى ركعتي الصلاة، واشتمال هاتين الخطبتين على شؤون وأحوال المسلمين، مما يجعلها تشتمل بالضرورة على الشؤون السياسية. بأن أن مذاهب أهل السنة والجماعة كانت هي المذاهب الحاكمة، كان الطرح السياسي في خطبة الجمعة منسجما دائما مع توجهات السلطة. أما بالنسبة للشيعة باعتبارهم كانوا يمثلون المعارضة السياسية الممنوعة والملاحقة، فلم يملكوا حرية أن يقيموا صلاة الجمعة الخاصة بهم، ولا هم كانوا يجدون الأرضية الشرعية للخضوع لضغوطات السلطة في طرح ما لم يجدوه حقا من قبيل مدح الخليفة الظالم المغتصب للخلافة حسب عقيدتهم. من هنا كان حكمهم عدم وجوب إقامة صلاة الجمعة تعيينيا في زمن حاكمية غير المعصوم. ولكن حيث أن الظروف السياسية تبدلت بحيث أصبح خطباء الجمعة في عصرنا في كثير من بلدان العالم يملكون حرية ألا يقولوا بالضرورة ما يريد منهم الحاكم، بل أن يقولوا في كثير من الأحيان ما يعبر عن قناعاتهم السياسية هم.
وفي السنوات الأولى للثورة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام الخميني رحمه الله عندما كنت أؤمن بهذه الثورة وأرى فيها الأمل الكبير في إقامة حكم الله سبحانه، وقبل أن يتعمق لدي بالتدريج الوعي بإحباطات الثورة، وقبل أن تتبلور لدي ولدى الكثير من الإسلاميين فكرة تبني الديمقراطية وكونها الأصلح والأرجح من نظرية ولاية الفقيه بل من أي نظرية أخرى لإقامة الدولة الإسلامية المحضة التي حتى لو أقرت التعددية لحصرتها في الدائرة الإسلامية دون غيرها، أقول في فترة الانبهار بالثورة والإيمان بها وعندما أحيى الإمام هذه الشعيرة العظيمة ألا هي صلاة الجمعة، مع إنه كفقيه لم يكن يقول بوجوبها حتى لو أقيمت بشروطها، كما ذهب غيره إلى ذلك مثل الشهيد الصدر والسيد الخوئي والسيد فضل الله. كنت في كل خطوة أمشيها من مكان بعيد في شوارع طهران إلى صلاة الجمعة أنويها القربة إلى الله سبحانه.
وظهرت تيارات شعبية كبيرة مشحونة بطاقة عاطفية ضخمة جدا، دون قدر كاف من قاعدة فكرية ووعي سياسي، بل تفجرت هذه الطاقة العاطفية في كثير من الأحيان غلوا وعصبية وتطرفا دفع العراق والإسلام في العراق والديمقراطية في العراق ثمنه غاليا، لأنه كان يمثل مع التيار الأصولي من الطرف الآخر ومعهم فلول البعث والسلفيون والعروبيون القادمون من وراء الحدود وعبث المخابرات الإقليمية لا سيما الإيرانية، وتطبيل الفضائيات العربية، كان يمثل خطرا على مشروع التحول الديمقراطي وعقبة نكداء أمامه، وبالتالي خطرا على أحلام العراقيين، وخطرا على مشروع معتدلي وعقلاء الإسلاميين في خوض التجربة الديمقراطية لأول مرة.
وهكذا استولت تيارات أساسية تتفاوت بين التشدد والتطرف على منبر صلاة الجمعة. والحمد لله الذي وجدت مخرجا شرعيا في عدم حضور صلاة الجمعة، فإني رغم الرخصة الشرعية في مسألة عدم وجوب حضور الجمعة إن أقيمت بشروطها، إلا أني وجدتني دائما منسجما مع فتوى الوجوب، لاسيما أني أعمل بالتبعيض في التقليد. ولكن عندما عدنا إلى العراق بعد سقوط الطاغية صدام اللعين، ووجدت الساحة الدينية صاخبة بالغلو والتعصب والغوغائية والتطرف المقيت، عندها فهمت لأول مرة الحكمة العميقة من جعل الوجوب مقتصرا على زمن حاكمية المعصوم دون غيره. صلاة الجمعة شعيرة عظيمة حقا، ولكن عندما يكون ضررها أكثر من نفعها، لأنها تؤسس للتطرف والإرهاب، لا بد أن يلزم العقلاء والوسطيون بيوتهم أيام الجمعة ويلتزموا بالواجب التخييري الثاني ألا هو أداء صلاة الظهر من الجمعة. ولكن يبقى هناك شوق إلى إقامة أو حضور الجمعة عندما تؤدي دورها الذي أريد لها من تربية أخلاقية وتزكية تقوائية من جهة، وتعليم عقيدي وتثقيف اجتماعي وتوعية سياسية من جهة أخرى. فإمام الجمعة يستطيع حتى عندما تتنوع الرؤى السياسية أن يتحدث في القضية السياسية بما فيه إجماع أو شبه إجماع ليستوعب كل المشارب، وبإمكانه في غير صلاة الجمعة من نشاطات أخرى أن يوصل رأيه السياسي الخاص فيما يتميز به من خصوصيات يختلف فيها مع الرؤى السياسية الأخرى. وللأسف لم أجد من خطباء الجمعة من يمنح المصلين نفحة من روحانية الدين وأخلاق الإسلام وإنسانيته وعقلانيته، بقدر الضخ المتواصل بشحنات الحماس الملتهب الذي يجعل جمهور المصلين في حالة طوارئ عاطفية، يمكن توظيفها في لحظات تصاعد حمى الحماس بالاتجاه الذي تخشى عقباه لا قدر الله.
19/05/2004
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::