حان وقت الاعتذار للصديق جاسم المطير والمرحوم هادي العلوي
ضياء الشكرجي
d.sh@nasmaa.com
لعل البعض ما زال يتذكر الحوارات التي امتدت عام 2003 على صفحة كتابات حلقات طويلة وأشهرا عديدة بيني وبين المحاور ابتداءً والصديق انتهاءً جاسم المطير. يومها كان محاوري المبتسم – وهذا من مصطلحاته – وصديقي الأستاذ جاسم المطير قد بدأني في محاورة طروحاتي حول الديمقراطية بعد ما ظهرت وقتها بعمتي على قناة سحر في برنامج (قضية ساخنة)، حيث دار الحوار حول المواءمة بين الإسلام والديمقراطية، وذلك على ضوء ما كنت قد أطلقت ما أسميته في حينه بـ «المنتدى الإسلامي الديمقراطي العراقي» في خريف 2002، والذي كان قد وقـّع عليه ما يزيد على السبعين شخصية إسلامية عراقية، فيهم الحزبيون وفيهم المستقلون، وتجسد في المُوَقـِّعين التنوع القومي والمذهبي، فكان هناك الكردي والتركماني إلى جانب العربي، وكان هناك السني إلى جانب الشيعي، واستوعب الكثيرين من الشخصيات المعروفة، والتي تراجع في التجربة الكثيرون منهم عن الأداء الديمقراطي تراجعا كبيرا للأسف الشديد. ودافعت في حواري كثيرا عن فكرة عدم التلازم بين الديمقراطية والعلمانية، وأوردت الكثير من الأدلة المتينة لعدم الفصل بين الدين والسياسة، مع إني توصلت في حواري مع الصديق جاسم المطير إلى مشترك جامع، حيث كان قد كتب في إحدى حلقاته التي حاورني من خلالها أنه لا يقول بالفصل بين الدين والسياسة، بل يريد الفصل بين الدين والدولة. ومن هنا كنا في الواقع في أكثر النقاط متفقين، ولكن أكثر ما اختلفنا عليه هو دعوى التلازم بين الديمقراطية والعلمانية التي كان محاوري يصر عليها، وكان في البداية يرد في ذلك على ما يقابل هذا الطرح، ألا هو الديمقراطية المشروطة بشرط الإسلام أو الديمقراطية الإسلامية، متوهما ابتداءً إن هذا يمثل رؤيتي، بينما كانت رؤيتي هو تبني الديمقراطية غير المشروطة أو غير المؤدلجة لا بإيديولوجية إسلامية ولا بإيديولوجية علمانية. وبهذا الصدد كنت في محاضرة في لندن قد طرحت خمسة بدائل لأنظمة الحكم، ألا هي ديكتاتوريتان وثلاث ديمقراطيات، ديمقراطيتان مشروطتان وديمقراطية غير مشروطة، فالديكتاتوريتان، إحداهما علمانية والثانية إسلامية، وخلصت إلى رفض كلا الديكتاتوريتين، ولا حاجة لإعادة مبررات الرفض التي ذكرتها في حينها، فهي بينة ومعلومة، وأما الديمقراطيتان المشروطتان، فإحداهما مشروطة بشرط العلمانية، وهذا ما كان يدعو إليه محاوري المطير ومعظم العلمانيين، والثانية مشروطة بشرط الإسلام، وهذا ما يدعو إليه أو يتمناه معظم الإسلاميين. وكنت في وقتها وما زلت طبعا أرفض كلا التقييدين للديمقراطية، وكنت أؤكد وجوب إفراغ الديمقراطية من أي محتوى إيديولوجي، إسلاميا كان أو علمانيا. وأذكـّر أيضا بطرحي فيما أسميته بزبدة الحوار، حيث قسّمت الدولة ذات النظام الديمقراطي إلى عناصر ثابتة وعناصر متحركة، فالعناصر الثابتة هي الدولة نفسها والدستور، بينما العناصر المتحركة هي الپرلمان والقانون والحكومة أو السلطة، وبينت مع ذلك بأن كلا من الثبات والتحول أو التغير نسبيان، لكن ما أسميته ثابتا هو ما يكون ثابتا نسبيا وعلى النحو العام، ويسمح بالتغير بشروط أكثر صرامة من شروط تغير العناصر المتغيرة، وكذلك المتغير فهو متغير نسبي لا يخلو من ثمة ثبات. ثم بينت أن العناصر الثابتة لا يجوز أدلجتها لا بالإسلام ولا بالديمقراطية، ولو أن الإسلاميين في اللجنة الدستورية أصروا على أدلجة الدستور أكثر مما يتحمله الدستور كعنصر ثابت، ولكن بالنسبة للعناصر المتغيرة (الپرلمان والقانون والحكومة أو السلطة)، فتحدثت عن جواز اصطباغها بصبغة إيديولوجية علمانية كانت أو إسلامية، باعتبار أن هذه الأدلجة غير ثابتة ولا يجب أن تكون دائمة، بل هي ممكنة التحول أو التغير من خلال آلية تداول السلطة سلميا، مما يعتبر من لوازم الديمقراطية، وأيضا من خلال إمكانية تغير المعادلة الپرلمانية. ولكن الصديق المطير كان يصر بشكل غير طبيعي على وجوب التلازم بين الديمقراطية والعلمانية، وهذا ما كنت أرفضه بقوة، وما زلت أعتقد ومن غير اعتداد بالنفس بأني كنت قوي الحجة ومدافعا جيدا عن متبنياتي، وهذا ما أيده الكثيرون حتى من الأصدقاء العلمانيين. إذن لماذا وعلى أي شيء أريد اليوم أن أعتذر من المطير. هل إني أسأت أدب الحوار معه، لا أبدا كلانا التزم بمستوى عال من أدب وأخلاق وموضوعية الحوار. إذن هل تحولت من إسلامي إلى علماني، كما يحلو للبعض أن يفسر تحولاتي السياسية، لأعتذر بعد اهتدائي العلماني عن زمن ضلالتي الإسلامية. من أجل توضيح المسألة أقول إن المشكلة تكمن أننا كمتحاورَين عندما كنا نتحدث عن الإسلام لم نكن نتحدث عن شيء واحد، بل كان هناك إسلامان، إذ كان يتحدث كل منا عن إسلام غير الإسلام الذي يتحدث عنه صاحبه. وبالتالي كان قولي صحيحا طبقا للإسلام الذي كنت أعنيه، وكان قول الأستاذ جاسم المطير صحيحا أيضا طبقا للإسلام الذي كان يتحدث هو عنه. فعلى ضوء افتراض أن الإسلام هو الإسلام الذي في ذهن المطير، لا بد من القول بعلمانية الدولة الديمقراطية، أما إذا كان الإسلام هو الإسلام الذي في ذهني، فلا بد من القول – لا أقول بإسلامية الدولة الديمقراطية ولم أقل ذلك يوما – بل بلامشروطية الدولة الديمقراطية إيديولوجيا. ولكني بعد التجربة للسنوات الثلاث الماضية في العراق لم أجد الإسلام الذي أختزن صورته في فهمي ووعي وأحاول أن أعكسه في فكري وخطابي، بل وجدت أن إسلام الإسلاميين أو إسلام معظم الإسلاميين هو حقا الإسلام الذي يخشاه المطير ومن قبله المرحوم هادي العلوي، وتقريبا كل العلمانيين، وبعض عقلاء ومعتدلي الإسلاميين، ما يخشاه كل هؤلاء على المشروع الديمقراطي، وعلى المشروع الوطني، وأقول وهو الإسلام الذي أخشاه على الإسلام نفسه. ومن هنا بدأت أرى مشروعية المطالبة بالتلازم بين الديمقراطية والعلمانية. ولكن إذا كان الإسلام إسلامَيْن وليس إسلاما واحدا، فمن الممكن القول – وهو قول حق - بأن العلمانية هي الأخرى علمانيتان، ومن الطبيعي أن العلمانية المتطرفة التي تحارب الدين لا يمكن أن تكون مقبولة، ولكن العلمانية المعتدلة العاقلة الديمقراطية التي تحترم عقائد ذوي العقائد، ومقدسات ذوي المقدسات، وهذا من لوازم الديمقراطية، فهي بلا شك أصلح للإسلام، وأنفع للوطن، وأضمن للديمقراطية، وأسلم للسلام، وأرضى للإنسانية، وأكثر انسجاما مع العقلانية والواقعية. وإذا كان إسلام الإسلاميين هو إسلام المزايدة بالمقدسات والرموز الدينية، وإذا كان هو إسلام الازدواجية، وإسلام تدين الشكل مع إهمال تدين الجوهر، وإذا كان هو إسلام تسييس الدين وتسييس المذهب، وإذا كان هو الرد على الطائفية المعلنة بطائفية مبطنة، وإذا كان هو إسلام الباطنية السياسية، وإسلام التأسيس لولاية فقيه غير مكتوبة، وإسلام التعصب والتشدد والتطرف والعنف والتعذيب والاغتيال والاحتراب على ثروات الوطن وموارد النفط، وإسلام الميليشيات، وإسلام شرعنة الفساد الإداري، إسلاما ينسق ويبرر التنسيق مع المخابرات الإيرانية، وإسلاما يقتل ويرعب ويتعسف ويقمع الفكر المغاير، إسلاما يمارس وسائل التعذيب الصدامية ضد المخالف السياسي، ويجبر المرأة المسلمة وغير المسلمة على الحجاب، ويسيس الجامعات ويحوّل الحرم الجامعي إلى حسينية تمارس فيها الشعائر الحسينية عبر كل الفصول والشهور، أو يحوّلها إلى مقرات لتيار كذا أو حزب كذا أو مجلس كذا، إذا كان إسلام الإسلاميين إسلاما يصبغ وزارات وزرائه بصبغة هذا أو ذاك الحزب، ويملأ مؤسسات الدولة بالمظاهر الصنمية، من صور بعمائم سوداء وأخرى بيضاء، ومن شعارات ولافتات وپوسترات، إذا كان هذا الإسلام إسلام الطلبة الإسلاميين المتحمسين لإسلاميتهم حماسا ينأى عن العقلانية ويهددون أساتذتهم وأستاذاتهم، إذا كان إسلاما يمارس أخلاقية البعثيين الصداميين ويلبس ممارسته البعثية الصدامية ثوب الدين وثوب القداسة، إذا كان إسلام الإسلاميين يعني ادعاء الالتزام بمبادئ الديمقراطية وإضمار الاعتقاد بأن الديمقراطية كفر وردة وانحراف، أو إنها سلعة أمريكية وافدة سنطردها بعد إنهاء الاحتلال وجلاء الأمريكان، أو إن الديمقراطية ليست إلا مطية لوصول الأكثرية المحرومة حتى الآن أي الشيعة إلى السلطة، ومطية لإيصال الإسلاميين والمعممين والمحنكات الموشحات بالسواد – مع احترامي لخيارهن الحر للباس - إلى الپرلمان وإلى السلطة، إذا كان هذا هو المعني بالدين وبالإسلام فلا بد من الفصل بين الدولة وبين هكذا دين، وإعلان الدولة العلمانية التي تحترم الدين غير المسيس. صحيح إن الدين من حيث المبدأ لا بد من أن يرعى السياسة، وإن المتدين سياسي بالضرورة، لأن عدم الاكتراث بالشأن السياسي، يعني عدم الاكتراث بالشأن العام، وبالتالي يعني الأنانية والاستغراق في الهم الشخصي دون الهم العام مما يتعارض مع التلازم بين التدين وإنسانية التوجه واجتماعية الهم والاهتمام، ولكن هذا لا يعني دعوى احتكار الحق، ولا يعني التثقيف بثقافة رفض بل وكراهة الآخر ولو غير المعلنة. وصحيح أيضا أنه من غير الصحيح أن نعمم هذا اللون من التفكير وهذا النوع من التعاطي مع السياسة والفكر على كل الإسلاميين، ولكن ما خيب أملي أني وجدت أكثرهم إما على هذه الشاكلة، أو منجرفين مع التيار العام الذي هو ليس إلا على شاكلة وتوصيف ما ذكر، بحيث كثيرا ما كنت أشعر بالغربة وسط أقراني الإسلاميين عندما كنت عضوا في الجمعية الوطنية على قائمة الائتلاف وعضوا في اللجنة الدستورية، وهذا الشعور بالغربة كان يجعلني في المقطع الأخير من عملنا في اللجنة الدستورية أمْيَلَ إلى الجلوس في جهة العلمانيين والأكراد، وكنت أقول للإسلاميين أو قل للائتلافيين مازحا، أصبحت أخافكم، ولذا أبتعد عنكم خشية أن تقمعوني بخطوطكم الحمراء. واليوم نجد الصراعات الحادة بين قوى الائتلاف في البصرة وفي العمارة وفي محافظات أخرى، مما يؤكد أن هكذا ائتلاف إيديولوجي طائفي لم يقم على أسس ديمقراطية وطنية صحيحة، ولا على أسس إسلامية صحيحة، وإنه يعيش على الأعم الأغلب أزمة نظرية، وأزمة أخلاق، وأزمة تقوى، حاشى منهم العقلاء والطيبين وهم ليسوا بقليلين ولكن للأسف غير مؤثرين. وبدأت حتى الأوساط الشعبية من الموالين للائتلاف يدركون اليوم بالتدريج الكثير من هذه الحقائق، ويُبدون سخطهم هنا، واستغرابهم، هناك وعدم فهمهم هنالك. وهذا ما يجعلنا نعيد النظر حتى في مدى صحة ما اتخذته المرجعية – مع كل إجلالنا واحترامنا لدورها الوطني والعقلاني الرائد - من موقف دعم وإسناد للقائمة، متوهمة أن في ذلك خدمة للطائفة المهددة من جديد. وهذا من جهة لا يخلو من صواب، لأن الطرف الآخر – لا تعميما بل تغليبا - كان ذا أداء طائفي خطير، واستخدم ما يسمى بالمقاومة (الشريفة) وأحيانا حتى اللاشريفة، واستخدم الإرهاب بشكل مباشر أو غير مباشر، وراهن على البعثيين وأبدى تعاطفه معهم، وأطلق مؤامرة طائفية ضد الأكثرية، ولذا رأت هذه الأكثرية أن من الواجب رص الصفوف رغم التناقضات لمواجهة الفعل الطائفي الموجه ضدهم، ولطالما كنت أقول لا يجوز اعتبار التحصّن من الفعل الطائفي كردة فعل على حد سواء مع الفعل الطائفي، ولكن أصحاب ردة الفعل ساووا في كثير من أدائهم أصحاب الفعل الطائفي، وإن تفاوتت النسبة، ولكن يبقى القتل على الهوية جريمة لا تغتفر، سواء قتل مئة أو ألف أو قتل عشرة. نعم فات هؤلاء أن مواجهة الطائفية لا تكون بطائفية في المقابل، بل بحشد كل الطاقات لإنجاح مشروع التحول الديمقراطي، وتبني قضية الوطن وجعلها على رأس قائمة الأولويات وفوق كل اعتبار. المهم إن الإسلاميين السنة والإسلاميين الشيعة هم أكثر من جعل مسيرة التحول الديمقراطي تتلكأ، بل وضعوها بصراحة على حافة هاوية الانهيار، وبصراحة أيضا لولا الإسلاميون في العراق لكان العراق بألف خير، ولتحقق للعراقيين خلال الثلاث سنوات الماضيات ما لا عين رأت ولا أذن سمعت. وحتى سوء أداء الأمريكان، وتحوّلات الموقف وعدم وضوحه لديهم، وأحيانا ما يمكن تسميته بتآمر الأمريكان، يتحمل مسؤوليته الإسلاميون الشيعة بالدرجة الأولى، لاسيما المتأيرنون، ناهيك عن دور الإسلاميين السنة من سلفويين وطائفيين وبعثيين وصداميين، كل هؤلاء ولكن بالدرجة الأولى الإسلاميون الشيعة، بكل مسمياتهم بلا استثناء حتى أعلقهم وأكثرهم اعتدالا واستقلالية، هم الذين جعلوا الأمريكان يتخبطون كل هذا التخبط، ويعيدون النظر في أكثر تصوراتهم التي جاؤوا بها يوم أسقطوا الديكتاتورية وخلـّصوا الشعب العراقي من ذلك الليل المظلم والعهد الدموي. ومن يقول إن الأمريكان ليسوا أصحاب مشروع خيري جاؤوا من أجل سواد عيون العراقيين وحبا في إرساء أركان الديمقراطية في العراق وفي عموم المنطقة، أقول لست هنا بصدد تقييم نوايا ودوافع الأمريكان، بل بصدد تثبيت أن كل عاقل يدرك أن نجاح المشروع الديمقراطي يحقق أكبر خدمة للأمريكان ولعموم العالم الغربي، كما هو خدمة للعراقيين ولعموم المنطقة، فلندع نواياهم لهم، ولنقطف ثمار نتائج المشروع، بقطع النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا وإياهم في المنطلقات والنوايا والدوافع، ودعوتي للديمقراطية – كما هو معروف - انطلقت لأول مرة عام 1994 وليس في سنة إسقاط النظام أي عام 2003. المهم وبقطع النظر عن تقييم النوايا هو أن نصل إلى شاطئ نجاح المشروع الديمقراطي، وإذا خاف البعض من ديمقراطية (أمريكية)، فأقول له إن الديمقراطية بنت بيئتها، ولا يمكن للديمقراطية في العراق إلا أن تكون ديمقراطية عراقية، حتى لو تأمركت قليلا في بعض مفرداتها أو تأورپت، على قاعدة تلاقح وتكامل التجارب والحضارات الإنسانية «وجعلناكم شعوبا وقبائل لتتعارفوا».
نعم أقول حان وقت الاعتذار من الأستاذ جاسم المطير ومن المرحوم المفكر هادي العلوي، الذي كتب لي على ضوء قراءته لكتابي «الديمقراطية .. رؤية إسلامية»، والذي ضمنته لاحقا في كتاب «مثلث الإسلام والديمقراطية والعلمانية»، وكان يعبر عن إعجابه بمعالجتي للموضوع ويرى فيها الأمل كرؤية إسلامية، ثم طرح مفهوما أسماه لاهوت التحرير، يدعو فيه الإسلاميين إلى التخلي عن إيديولوجيتهم السياسية، والاكتفاء بالجهاد من أجل تحرير الأوطان الاحتلال والاستعمار والديكتاتورية. في وقتها جادلته معترضا على طرحه هذا لأنه يطلب من الإسلاميين أن يضحوا بالغالي والنفيس من أجل تحرير الأوطان ثم يتركوا الساحة السياسية لغيرهم ويتخلوا هم عن رؤيتهم وبرنامجهم السياسيين. في الواقع ما زلت أرى ما رأيت في مجادلتي تلك، ولكني أعتذر لأني كنت أتكلم دائما عن إسلام الجوهر وإسلام الصدق وإسلام العقلانية وإسلام الإنسانية، وهذا إسلام لم أجد له مصاديق على أرض الواقع، إلا بشكل محدود ومحدود ومحدود جدا وغير فاعل وغير نؤثر في المشهد السياسي بل والاجتماعي والثقافي. إذن نحتاج إلى مشروع العلمنة حتى يكتشف المسلمون لاسيما المتدينون بالمصطلح الديني أو العرفي، والإسلاميون بالمصطلح السياسي الإسلام في العمق والجوهر والصدق، ويعوا أن إسلام السطح والشكل والمزايدات السياسية والازدواجية ليس هو الإسلام المؤهل لأن يحكم الحياة. دعوها للمعصوم عندما يكون المعصوم حاضرا، ولأكن في هذا الأمر على ضوء وعي الواقع وعبر التجربة، وليس على ضوء النظرية في عالم التجريد، لأكن هنا حجتيا.
وقبل ذلك لا بد لنا نحن الإسلاميين الذين كنا يوما أصوليين – بالمعنى السياسي – ثم تعقلنـّا وتـَدَمْقـْرَطـْنا، لا بد لنا من أن نعتذر أيضا من الكثير من العلماء والمفكرين الذين كنا نرى فيهم انحرافا عن الإسلام، إسلامنا نحن الذي كنا نسميه بشتى المسميات كالإسلام الحركي، أو الإسلام الواعي، أو الإسلام الرسالي، أو الإسلام الثوري، أن نعتذر للسيد موسى الصدر، وللشيخ محمد مهدي شمس الدين، وللسيد مهدي الحكيم، ولـ د. علي شريعتي، ولجمال الدين الأفغاني، ولمحمد عبده، ولمهدي بازرگان. فإنهم سبقونا في عقلانيتهم ولم نكن نفهمهم، فنحمد الله تعالى هدانا إلى المزيد من الاعتدال، وأقول المزيد، لأني شخصيا كنت أعيش دائما قلق البحث عن الاعتدال، وقلق النقد وقلق التصحيح، لكن ثقتنا الكبيرة بمفكرين مغيرين، وبأحزاب إسلامية عريقة، وبمرجعيات كبيرة، كانت تحول دون عبور ما كنا نتصوره من الممنوعات، لنستشرف ونستكشف إسلامنا المظلوم من أهله، لنكتشفه في عمقه وجوهره وصفائه ونقائه وإنسانيته وعقلانيته، وأقول وفي ديمقراطيته، ولنكتشف مساحات التلاقي بيننا وبين غيرنا من غرب مسيحي أو علمانية وطنية أو تيارات فكرية إنسانية، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وعذرا لكل من تصورنا أننا نتقاطع معهم تقاطعا حادا، فاكتشفنا مساحات اللقاء الواسعة وإياهم، نعتذر عن الأيام التي كنا نستحرم استخدام لفظة الديمقراطية ونتصور العلمانية سبة أو ردة وكفرا، وما زال الكثير من الإسلاميين اليوم يفكرون بمثل هذا التفكير، لأنهم لم يكتشفوا إسلامهم في العمق والجوهر، وهذا يمثل جهوليتهم بإسلامهم، أو أنهم لم يصدقوا التعاطي مع إسلامهم في العمق والجوهر، وهذا يمثل ظلوميتهم لإسلامهم «وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا»، ومن هنا نحتاج إلى أن نتحرى ملامح المدرسة النبوية «يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة»، فنقرأ الكتاب حق قراءته، ونتلوه على أنفسنا حق تلاوته، ونستنطقه ونستوحي منه بعيدا عن مناهج الاجتزاء والاقتطاع للنصوص، ثم ونزكي أنفسنا وننظفها ونطهرها من أراذل الأخلاق، ونتخلق بمكارم الأخلاق، «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، ونتحرر من الازدواجية، التي لم يدنها القرآن فقط عندما مارسها غيرنا فخاطبهم «أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب؟ أفلا تعقلون؟»، بل أدان ممارستنا نحن المسلمين لها بلغة أعنف وأشد عندما قال سبحان «يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون؟ كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما تفعلون»، ومع تزكية النفس وهذا هو الواجب الأهم الملقى على الإسلاميين، فالأزمة أزمة أخلاق وأزمة تقوى قبل أن تكون أزمة ثقافة وأزمة وعي، نعم مع التزكية لا بد لنا من أن نبدأ الآن نتعلم حق التعلم ونعيد صياغة ثقافتنا الإسلامية وثقافتنا الإنسانية، فنتعلم الكتاب أي النظرية الصحيحة، ثم نتعلم الحكمة أي دراسة ترجمة النظرية إلى الواقع من خلال التعلم من مدرسة الحياة والاستفادة من تجارب الشعوب عبر تجربة الإنسانية التاريخية وعبر تجربتها المعاصرة واستنطاق العقل أعظم نعم الله علينا. سنكتشف عندها الكثير الكثير من ملامح إسلامنا مما لم نكتشفه في الإسلام الذي فهمناه، سنكتشف ذلك في تجربة الغرب، وسنكتشفه في المسيحية واليهودية والصابئية والبوذية والزردشتية والإيزيدية، وسنكتشف الكثير من ذلك في الماركسية والوجودية، سنكتشفه في العلمانية، ونكتشفه في الديمقراطية التي سبق وأن قلت عنها أني فتشت عن الديمقراطية في الإسلام فاكتشفت الإسلام في الديمقراطية، وهذا يحتاج إلى شرح دقيق لما أقصده، بل عشقت الديمقراطية وأشكر الغرب المسيحي العلماني على هديته للإنسانية، أو قل هدية الله تعالى لها على يد الغرب، وأصبحت أتعامل معها - كما عبر عن ذلك الصديق حيدر سعيد - تعاملا عرفانيا، وعبرت شخصيا عن ذلك بأني أتعبد إلى الله بالديمقراطية، وهذا ما نويته في رمضان 2002 عندما كنت مشغولا بمشروع «المنتدى الإسلامي الديمقراطي العراقي» في ليالي القيام والعبادة والدعاء وتلاوة القرآن. فيا ليتنا نجد جسرا علمانيا يوصل الوطن والإسلام إلى شاطئ الأمان، فإني لأجد العلمانية السياسية المعتدلة العاقلة الديمقراطية أقرب إلى أطروحة المهدي عليه السلام من الإسلامية السياسية الأصولية المتشددة والواقعة في أسر تراكمات الموروث الثقافي، موروث إسلام الجاهلية القرشية التي حكمت بعد رسول الله (ص)، وموروث إسلام الأمويين والعباسيين والعثمانيين والصفويين، وموروث إسلام الإخوان المسلمين وحزب التحرير وحماس والجهاد الإسلامي والجماعة الإسلامية وإسلام الثورة الخمينية، المتمثل اليوم بإسلام حزب الله، وإسلام المراجع المتسيسين الثوريين، والمراجع التقليديين اللامتسيسين، وموروث إسلام منبر العزاء الحسيني غير الواعي المستغرق في العَبرة دون إدراك العِبرة، وإسلام الحوزة العلمية التقليدية التي كانت في غاية الدقة في شرح تبعات الحيض والاستحاضة والتشقيق بين كل أنواع الاستحاضة الصغيرة والكبيرة والمتوسطة، وأهملت البعد الأخلاقي والبعد العقلاني والبعد الإنساني للإسلام، موروث وإسلام العرف العشائري، وإسلام العجائز، وإسلام الخرافة أو الغلو، أو الاستغراق في الغيبيات، أو في شكليات التدين مع إهمال جوهره. المهم ألف وأربع مئة سنة مضين والآن سنبدأ توا باكتشاف إسلامنا، إذن نحن ما زلنا في طور التعلم والتعرف والتبين والاطلاع، ومن كان في طور التعلم، لا يمكن له أن يقود الأمم ولا أن يكون شاهدا على الأمم، بل ليتعلم ممن سبقه في تجربته، حتى يفهم ما معنى «خير أمة أخرجت للناس» وما هو مفهوم «لتكونوا شهداء على الناس» وما هو تفسير «يدعون إلى الخير». وحتى اكتشافنا لإسلامنا في الجوهر، لنستفد من تجربة العلمانية الديمقراطية الغربية العقلانية المعتدلة الرائدة، ولا نكابر من التعلم ممن سبقنا، فهم يعترفون أيضا بما تعلموه منا في مراحل سابقة من التاريخ ولا يكابرون. وأجدد اعتذاري لصديق جاسم المطير، مع إني كنت قوي الحجة في حواري من الناحية النظرية المجردة، ولكني كنت أميا في قراءة واقع المسلمين، وبدأت توا أتهجى أبجدية هذا الواقع، كما أعتذر لروح المرحوم هادي العلوي الذي لم أفقه أطروحته إلا بعد الاكتواء بنار التجربة، والحمد لله الذي جعل تجربة الحياة كتابا تعلمنا فصوله يوما بعد يوم المزيد من المعرفة الإنسانية النافعة، وجعل معه كتاب العقل المتأمل المتدبر المتفكر، ليكون هذان الكتابان مفسرين لكتاب الله سبحانه وتعالى.
05/06/2006
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::