محاضرة ألقيت في ندوة نظمتها منظمة حقوق الإنسان في العراق في نادي الرافدين في برلين
عندما نتكلم عن حقوق الإنسان في فكر وثقافة قوى الإسلام السياسي عموما، والعراقية من تلك القوى بشكل خاص، وذلك على مستوى النظرية، وعلى مستوى التطبيق، فلا يمكننا أن نعمم ونطلق، إذ ليس هناك موقف موحد لدى كل الإسلاميين حيال هذا الموضوع، شأنه شأن الكثير من المواضيع المختلف عليها فيما بينهم، بحسب مدى التطرف أو الاعتدال، الانغلاق أو الانفتاح، السلفية أو المعاصرة. فبما أن الإسلام نفسه بما هو فهم وتطبيق بشريان ليس إسلاما واحدا في الواقع، بل هو كم هائل من الإسلامات، فمن الطبيعي أن يكون الإسلام السياسي بالتلازم متعددا ومتنوعا ومتفاوتا، ناهيك عن أن الإسلام السياسي ليس المؤثر الوحيد في هذا المجال، بل هناك الإسلام التقليدي المحافظ، أو لنقل الإسلام الشعبي، حتى البعيد عن السياسة، وكذلك الإسلام الفتوائي، حتى إسلام الفقهاء والمفتين غير المتسيسن، له تأثيره على المشهد السياسي، وعلى منظومة حقوق الإنسان.
ولكن وبالرغم من عدم إمكان التعميم والإطلاق على ما هي رؤى وتطبيقات الإسلاميين فيما يتعلق الأمر بهذا الموضوع، تبقى رؤيتهم لحقوق الإنسان من غير شك غير رؤية العلمانيين، بحكم خضوع الإسلاميين لمنظومة دينية من نصوص مقدسة، وإن اختلفوا في فهمها وتأويلها، ومدى ثباتها أو تحولها الخاضع لظرف الزمان والمكان.
من هنا وجدنا في دستور 2005 المملوء بلغة دينية إسلامية، وأخرى مذهبية شيعية، مما دعا البعض أن ينعته وبحق بأنه دستور المنتصر، وليس المنتصر المتوازن والموضوعي، بل المنتصر الواقع تحت أثر سكرة نشوة الانتصار ورغبة الانتقام لعصور القهر الديني كأتباع للإسلام السياسي والمذهبي كشيعة. وجدنا أن هذا الدستور قد ثبت مادة تحت ضغط مطالبة العلمانيين كان نصها كالآتي:
(لجميع الأفراد الحق في التمتع بكل الحقوق الواردة في المعاهدات والاتفاقيات الدولية المعنية بحقوق الإنسان التي صادق عليها العراق.)، إلا أن الإسلاميين أصروا على تقييد المادة بشرط عدم التعارض مع أحكام الإسلام، ثم تنزلوا ليجعلوا القيد بشرط عدم التعارض مع أحكام هذا الدستور، حيث نعلم إن في الدستور ما يمنع تشريع قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام، وبإصرار من الإسلاميين على حذف عبارة (المجمع عليها) واستبدال (ثوابت الإسلام المجمع عليها) بـ (ثوابت أحكام الإسلام). وكانت النتيجة انتصار الإسلاميين في اللجنة الدستورية، حيث طالب العلمانيون بحذف المادة المتعلقة بحقوق الإنسان كليا، بعدما وجدوا أن عدم ذكرها أفضل من ذكرها مقيدة. وربما لأن العلمانيين تصوروا أن الرجوع لتثبيت هذه المادة مستقبلا أيسر من تثبيتها الآن مقيدة ثم العمل على رفع التقيد.
ومخاوف الإسلاميين من الالتزام بحقوق الإنسان تكمن بدرجة أساسية في جانب الحياة الجنسية، وكذلك في الأحوال الشخصية، والحدود والقصاص، وحرية العقيدة.
بعض الإسلاميين صادقون في طرحهم المعتدل، لكن بحكم تقواهم خائفون من مخالفة الحكم الشرعي فهم يعيشون أزمة داخلية بين ميلهم الفطري نحو الاعتدال والمثل الإنسانية، وبين إحساس لديهم في العمق أن ثمة أحكام شرعية تتعارض مع ما تميل إليه نفوسهم، ومحاولة إجبار أنفسهم على أن يقتنعوا بما هم في العمق غير مقتنعين به، عبر مفهوم التعبد بالحكم الشرعي والتسليم لإرادة الله حتى لو لم تدرك عقولنا الحكمة من الحكم ومدى انسجامه مع موازين العدل والمساواة وحقوق الإنسان. وهذا متأت من مسألة القطع واليقين بإلهية مصدر الدين ومصدر أحكامه.
بعضهم يمارس النفاق والباطنية أو ما يعتبره تقية أو حكمة.
وهناك مشكلة لدى معظم الإسلاميين، وهي مشكلة الالتزام الشرعي بفريضة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) والتي هي من الأركان العشرة عند الشيعة، وتعتبر في كل الأحوال من أهم الواجبات الشرعية عند كل المذاهب. دعاة الإسلام السياسي أو الإسلام الحركي كما يسمونه يرون أن الدولة وسيلة ضرورية من وسائل النهوض بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذلك يرون أن المهمة المركزية للحزب الإسلامي، هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأحيانا يستخدمون مصطلحا آخر لها، كمصطلح الدعوة، أو مصطلح التبليغ، أو العملية التغييرية الإسلامية، من أجل تحويل المجتمع المسلم بالهوية إلى مجتمع إسلامي، لأن المجتمع المسلم يعيش عندهم الازدواجية، إذ يخلط بين الإسلام والجاهلية، إذن هو بنسبة ما مجتمع جاهلي. وهذا الفهم يجعلهم يمنحون لأنفسهم الحق بل الواجب في أن يقحموا أنفسهم في الحريات الخاصة، ويهبرون مبادئ حقوق الإنسان مبادئ وضعية، وضعت من قبل مجتمعات لا ننتمي إليها، لأنها كافرة، مسيحية دينيا، وعلمانيا سياسيا.
الإسلاميون المعتدلون ولو اعتدالا نسبيا، والواقعيون، وبالتالي المستعدون للتعامل مع هذه المفاهيم، ولو لم يؤمنوا بها في العمق، أفضل من غيرهم، ولكن هذا مع شرط صنع واقع ضاغط، لأننا لا نملك الضمانات، لو زال الضغط، وشعروا بالقوة، لاسيما تلك المستمدة من الجماهير المتدينة تدينا سطحيا عاطفيا، وبالتالي حماسيا، أو حتى بعض الجماهير غير المتشددة في تدينها، ولكن صاحبة انتماء عاطفي يشبه الانتماء القبلي للإسلام بصيغه الشكلية، أو للتشيع أو التسنن، وبالتالي غير المنسجمة مع منظومة حقوق الإنسان، يمكن أن يشكلوا مشكلة أمام تحكيم مبادئ هذه الحقوق في المجتمع. لذا المطلوب إعادة صياغة مفهوم الديمقراطية بحيث لا تكون الديمقراطية مجرد تعددية سياسية وانتخابات برلمانية وحياة حزبية وتداول سلمي للسلطة، بل الديمقراطية لا تكون في الواقع ديمقراطية إلا بالعلمانية. وهذا يحتاج إلى خطة متعددة الميادين، منها الميدان السياسي، والميدان الثقافي.
ومن المفاهيم لدى معظم الإسلاميين التي تمثل عقبة أمام الالتزام بمبادئ حقوق الإنسان، ألا هو مفهوم الفساد، الذي يختزل في المسألة الجنسية، مع إن مصطلح الفساد القرآني واسع يشمل الظلم والاضطهاد والعنف والاحتراب.
أما بالنسبة لمساواة المرأة بالرجل باعتباره ركنا أساسيا من أركان حقوق الإنسان، فنرانا نصطدم أمام نصوص وفتاوى، كـ «وللرجال عليهن درجة» و«الرجال قوامون على النساء»، بينما يهمشون نصوصا أخرى، يفترض أنها تمثل مبادئ ثابتة مثل «ولهن مثل الذي عليهن».
من أهم مبادئ حقوق الإنسان هي حق التمتع بحرية الرأي والعقيدة وحرية التعبير والإفصاح والترويج لما يراه الفرد من رأي وما يعتقده من عقيدة، وبالتالي يكون ضمان حقوق الملحدين والمرتدين من لوازم حقوق الإنسان، ولولا الخوف من العواقب غير المحمودة، لأسست ناديا للدفاع عن حقوق الملحدين والمرتدين وأتباع الديانات الممنوعة كالبهائية. وعندما أطرح هذه المفاهيم، فليس من زاوية فهم علمانية وحسب، بل هناك فهم إسلامي ينطلق من رؤية شرعية مستمدة من القرآن تؤيد هذا الفهم، ولكنه لا يمثل إلا فهما لقلة قليلة ضئيلة متهمة من المفكرين الإسلاميين الإصلاحيين، بالرغم من أن أدلته متينة ومقنعة. فهذه الرؤية الإسلامية متأتية من نظرة عميقة للتمييز بين مبادئ الثابتة للأحكام وبين الأحكام المتغيرة نفسها، فمن المبادئ الثابتة هو مبدأ القسط والعدل، وهو واجب حتى مع ألد الأعداء وأشرس الخصوم، هذه العلاقة المعبر عنها قرآنيا بـ(الشنآن)، وذلك في النص القرآني: «لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا؛ اعدلوا، هو أقرب للتقوى». فإذا كان العدل واجبا مع الشـَّنـّائين أي الأعداء شديدي العداوة، فيكون العدل وفي ضوء قاعدة الأولوية أوجب مع المخالفين غير المعادين، والذي حث نص قرآني آخر على معاملتهم بالبر والقسط بل ورفع النهي عن الموالاة المختص بها المؤمنون حصرا حسب آيات أخرى. «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين. إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم». لكن المشكلة، هي كم من الإسلاميين يفهمون هذه المبادئ القرآنية؟ ومن هنا وحيث لا ضمان لفهم للإسلام ينسجم مع مبادئ حقوق الإنسان من قبل معظم الإسلاميين، ولكون معظم الإسلاميين ينظرون إلى رؤاهم السياسية المستمدة من الإسلام أو من فهم إسلامي، وفهمهم الشرعي لحقوق الإنسان، على أنها تمثل الدين، وبالتالي تمثل المقدس الذي لا يجوز المساس به، لا طريق لنا من أجل التحول في مجتمعاتنا المسلمة إلى الالتزام بمبادئ حقوق الإنسان على مستوى النظرية واحترامها على مستوى التطبيق إلا بالنضال من أجل تحقيق الدولة الديمقراطية العلمانية. مع العلم إن هناك رؤية شرعية عند بعض المفكرين الإسلاميين الإصلاحيين مفادها أن العلمانية أقرب إلى جوهر الدين، وفرق بين الجوهر الثابت والشكل المتغير، وهناك من نظر لنظرية أن الإسلام في حقيقته مدني، وطرح مفهوم الإسلام المدني في مقابل لونين آخرين من الإسلام، هما الإسلام السياسي، والإسلام السلفي (يعني التقليدي المحافظ).
كلما كان الإسلاميون أقرب إلى الاعتدال، أو لا أقل أبعد عن التطرف، كلما كانوا أكثر انسجاما مع مبادئ وتطبيقات حقوق الإنسان. ومن هنا من الضروري أن تتعرف القوى الوطنية الديمقراطية العلمانية الليبرالية على القوى الإسلامية العراقية، معتدلها ومتطرفها. أكثرهم اعتدالا اليوم هم:
- الاتحاد الإسلامي لكردستان العراق
- حركة الدعوة الإسلامية
- حزب الدعوة الإسلامية
وأكثرهم تطرفا:
- التيار الصدري
- المجلس الأعلى
- حزب الدعوة تنظيم العراق
- حزب الفضيلة
ولعل الحزب الإسلامي العراقي، يقع ما بين هؤلاء وهؤلاء.
وسمعنا في الجمعة الماضية كيف وصف خطباء جمعة حزب الفضيلة في البصرة المغنين بالمجرمين. ومعظم هذه الأحزاب، لاسيما التي وضعت في خانة ما اعتبرتهم هذه المحاضرة من المتطرفين مارسوا على مستوى التطبيق خروقات صارخة لمبادئ حقوق الإنسان من اغتيالات وتعذيب.
إذن إذا أردنا عراقا تكون فيه حقوق الإنسان محترمة ومصونة، على الديمقراطيين السعي بجدية أكثر بكثير مما عليه الوضع الراهن، بل علينا إعلان إطلاق مشروع (النضال السياسي من أجل الدولة العلمانية).
25/05/2008
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::