حرية الرأي والاعتقاد بين الدستور والواقع

 إن دستور 2005 قد ضمن مجموعة من الحقوق والحريات. والذي يهمنا في هذه المقالة هي حرية الرأي والعقدية والتعبير. فإننا إذا ما تأملنا في المواد الدستورية التي تضمن هذه الحريات، وقارناها مع الواقع الذي يمارس فيه قمع حرية التعبير عن الرأي السياسي، والثقافي، والديني، ويسلب فيه أصحاب بعض الديانات حقهم في التمتع بحرية العقيدة والتعبير عنها، نجد بونا شاسعا بين الدستور وواقعنا السياسي والاجتماعي والثقافي، يصل أحيانا إلى درجة التناقض، وليس مجرد التباين.

 

ولنقم ابتداءً بجولة في مواد الدستور ذات العلاقة، فنقرأ الآتي:

 

  1. حسب المادة (37) - أولا - أ: «حرية الإنسان وكرامته مصونة».

  2. حسب الفقرة ثانيا من نفس المادة: «تكفل الدولة حماية الفرد من الإكراه الفكري والسياسي والديني».

  3. حسب المادة (38) – أولا: «تكفل الدولة حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل».

  4. حسب المادة (42): «لكل فرد حرية الفكر والضمير والعقيدة».

  5. حسب المادة (43) - ثانيا: «تكفل الدولة حرية العبادة وحماية أماكنها».

 

ولكن هذه النصوص الدستورية نراها معطلة كليا أو جزئيا. والذين يعطلون العمل بها، بل يمارسون النقيض منها وما ينتقص منها، هم:

  1. أحزاب سياسية إسلامية شيعية.

  2. قوى إسلامية سلفية سنية.

  3. مؤسسات دينية من الطائفتين.

  4. أحزاب قومية كردية.

  5. أعراف اجتماعية وثقافات موروثة.

 

وسيبقى العمل بهذه النصوص الجميلة في مضمونها معطلا:

-   ما زال ذو الرؤية السياسية المغايرة لا يستطيع أن ينتقد السلطة أو الحزب أو التيار الحاكم أو المتنفذ في منطقته، اتحاديا أو إقليميا، دون أن يتعرض للقمع، أو دون أن تهدد حياته أحيانا.

-      ما زال المفكر لا يجرؤ على أن يمارس نقد الفكر الديني كنتاج بشري نسبي دون أن يُكـَفـَّر.

-      ما زال البهائي لا يستطيع أن يفصح عن عقيدته.

-   ما زال الشاكّ في الدين أو في بعض ضرورياته، سواء بحق أو بحسب ما يرى البعض أنه من الضروريات والثوابت، لا يجرؤ على الإفصاح عن شكه، خوفا من سيف الارتداد المسلط عليه.

-      ما زال الملحد لا يستطيع أن يعبر عن إلحاده، بينما كان الزنادقة يتمتعون بحرية التعبير والحوار.

-   ما زال المسيحي والصابئي وغيرهما من أتباع غير دين الأكثرية لا يأمنون على حياتهم، ولا يضمنون ألا تتعرض أماكن عبادتهم للاعتداء، أو ألا يطردوا من أماكن سكناهم، أو يجبروا على تغيير دينهم، أو دفع الجزية.

-   ما زال أصحاب الديانات الأخرى من مسيحيين وصابئة وبهائية وإيزيديين ويهود لا يستطيعون أن يُروِّجوا لعقيدتهم حتى في أوساط أتباع دين الأكثرية.

-   ما زال المسلم لا يملك حرية ترك دينه والانتقال إلى دين آخر، أو إعلانه عدم انتمائه لأي دين، بحسب ما أوصلته قناعته الذاتية، حتى لو اعتبرناها ضلالا.

 

قد يظن البعض أن بعض ما ذكرته يمثل نكوصا عن الإسلام، ولكني على يقين أن مثل هؤلاء لم يفهموا إسلامهم حق الفهم. ففي تقديري إنه إذا لم يتحقق كل هذا الذي ذكِر أو لا أقل أكثره، فستبقى الديمقراطية وهمًا، والدستور أكذوبة، والإسلام مخالـَفـًا في أسُسه الحقة العقلانية والإنسانية.

 

فالدين الذي يملك ثقة بنفسه، لا يخشى النقد، ولا يخشى الترويج للعقائد الأخرى، ولا يُنقـَص منه شيء، لو انتقل بعض أفراده إلى ديانة أخرى، لأنه إذا كان دين الله، حسب ما يفترض أصحابه، فخوفهم على دينهم يعبر عن تزعزع ثقتهم به سبحانه وتعالى، وإن كان مجرد نتاج بشري، فمن قبيل الأولى ألا يملك حق احتكار ساحة الفكر والعقيدة.

 

في عقيدتي أن الإسلام أقوى من أن يخشى الفكر الآخر، وأثبت من أن يتزعزع بحالات من ارتداد على مستوى الأفراد بل حتى على مستوى الجماعات، أو حالات إعادة نظر عند بعض أتباعه، مهما كانت أعدادهم. فالله عز وجل يتعالى ويجل ويسمو فوق الخوف على دينه، حتى يؤسس - تعالى عن ذلك علوا كبيرا - لقمع الناس في حريتهم في الاعتقاد، فكلامه يصدح أن «لا إكراه في الدين»، و«فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر»، و«إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر» و«وما أنت عليهم بوكيل»، و«أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين» وغيرها. بل الإنسان، وعلى فرض أن قناعته فيما يعتقد وفيما لا يعتقد هي التي تقرر مصيره الأخروي، فهو يملك كامل حرية الاختيار في أن يكون من أهل الجنة أو من أهل النار، أو عموما من مستحقي الثواب أو من مستحقي العقاب، مع فرض أنهما على غير الصورة القرآنية بحسب عقائد الأديان الأخرى. ولو إن الفهم الفلسفي المعمق للعدل الإلهي لا يذهب إلى هذه الرؤية المبسطة، التي لا ترى الأمور إلا إما سوداء أو بيضاء، ولكن أقول حتى مع فرض ذلك، فالله كفل للإنسان حرية الاختيار، وحمَّله مسؤولية اختياره، ورتـَّب عليه الأثر الأخروي بموازين عدله المطلق ورحمته، وليس بموازين من يشتهي أن يرى كل من يخالفه في العقيدة أو الفكر أو السياسة أو حتى في مطابقة الفهم والتصور لذات العقيدة، أن يراه مخلدا في عذاب لا ينتهي ولا يخفف أبدا.

 

وأما السياسي الذي لا يتحمل رأيا مغايرا، ولا يطيق نقدا لسياسته، حتى لو لم يكن نقدا منصفا وواقعيا، فهو لم يبلغ سن الرشد الديمقراطي، بل ما زال في سن مراهقة الاستبداد، وبالتالي فهو ليس سياسيا دستوريا، أي غير منسجم مع النصوص الدستورية التي أشرنا إليها، وغير الدستوري ليس له أن يدير دفة البلاد في ظل نظام يُدَّعى أو يُراد له أن يكون ديمقراطيا، لأنه ينتمي في فكره إلى عصور ما قبل عصر الديمقراطية والعقلانية.

 

والمجتمع نفسه يحتاج إلى أن تعاد صياغة ثقافته، حتى يواكب عصر الرشد الإنساني، الذي يفترض به أنه قد طوى مراحل القمع الفكري وقمع العرف والتقاليد والرؤى الشمولية الأحادية، سواءً سياسيا أو دينيا، ويتعلم كيف يتحمل الرأي الآخر، والولاء السياسي الآخر، والفهم الآخر للدين، والعقيدة الأخرى، والعرف الآخر.

 

فهل يستطيع اليوم من يعارض مقتدى الصدر والتيار الصدري وجيش المهدي - سواء كان على صواب أو على خطأ - أن يمشي بحريته في مدينة (الثورة/الصدر)؟ هل يستطيع في النجف أو في أي مدينة شيعية أن يعترض أحد  - سواء كان على صواب أو على خطأ - على المرجعية؟ هل يستطيع كردي - ناهيك عن غير الكردي - أن يعبر - سواء كان على صواب أو على خطأ - عن معارضته علنا لحكومة الإقليم في إحدى مدن كردستان؟ هل يستطيع شخص أو جماعة  - سواء كانوا على صواب أو على خطأ - التعبير عن مخالفة المجلس الأعلى ورموزه القيادية في مناطق النفوذ والولاء؟

 

عند تحقق ما ذكرته من الحريات الفكرية والدينية والسياسية حقا، عندها تكون هناك قيمة حقيقية لنصوصنا الدستورية، فتكون حقا «حرية الإنسان وكرامته مصونة»، و«تكفل الدولة حماية الفرد من الإكراه الفكري والسياسي والديني» بحق وحقيقة، كما و«تكفل الدولة حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل» بالفعل وليس مجرد ادعاءٍ أو تمَننٍّ، ويكون حقا «لكل فرد حرية الفكر والضمير والعقيدة» بشكل كامل وغير منقوص أو مُنتـَقـَص منه من أيّ أحد، و«تكفل الدولة حرية العبادة وحماية أماكنها» فعلا وحقيقة، وليس مجرد افتراض لنصوص دستورية غير مُفـَعَّلة في الواقع.

 

14/07/2007

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::