الحرب الأشد ضراوة ضد الإسلام .. الحرب عليه من داخله من المدعين أو المتوهمين أنهم أهله .. دروس من كارثة أوسيتيا الشمالية
ضياء الشكرجي
لا بد قبل الشروع بالكتابة عن هذا الموضوع من تثبيت بعض الحقائق:
- مذبحة أوسيتيا من الكوارث التي لا يملك الإنسان السوي إلا أن يتعاطف وجدانيا معها بأشد ما يكون التعاطف.
- وجود حالة في الواقع العراقي، قد تكون لها مبرراتها، لكن لا يجوز أن تتحول إلى ظاهرة مستحكمة، هي تركيز الاهتمام على الشأن الداخلي، وضعف الاكتراث بالشأن العالمي.
- وجود علاقة لكارثة أوسيتيا - مع ذلك - بالشأن العراقي، إضافة إلى علاقتها بالإسلام، الذي يمثل هوية غالبية المجتمع العراقي، وهوية التيار السياسي الأكثر سعة وتأثيرا على الساحة السياسية العراقية.
- كون العراق عانى ويعاني منذ أكثر من سنة من عمليات الإرهاب المتلبسة باسم الإسلام.
من غير شك أن حكومة پوتين تتحمل مسؤولية النتيجة الكارثية التي انتهت إليها الأزمة، والتي كان حصيلتها ثلثمئة وثلاثين قتيلا، نصفهم من الأطفال، أو مسؤولية المساهمة بقسط لا يستهان به من تحمل مسؤولية تلك النتيجة، ذلك من خلال طريقة الحل التي اختارتها، والتي كان واضحا فيها أنها أرادت أن تبرز عضلاتها، لتقول أو يقال عنها في الداخل والخارج أنها حكومة قوية، أكثر من استحضارها مسؤولية إنقاذ أكبر عدد ممكن من الرهائن، إلم نقل كلهم. فهي لم تبذل مساعي تذكر في التفاوض، ولم تعرض على المختطفين استعدادها لتلبية بعض مطالبهم كإطلاق سراح المعتقلين والسجناء الشيشيانيين أو قسم منهم. صحيح جدا أنه لا ينبغي للحكومات أن تخضع لابتزاز الإرهابيين، ولكن أرواح المواطنين، لا سيما الأطفال في هذه الحالة مثلا لا بد أن توضع في رأس سلم الأولويات. ثم لا ننسى أن الحكومة الروسية وسياسة پوتين تجاه القضية الشيشانية كانت سببا من أسباب ظهور ظاهرة العنف والإرهاب، وإن كان مثل هذا النوع من الإرهاب لا يمكن أن يقبل ولا يمكن أن يبر بأي مبررات، ولا يمكن إلا أن يدان ويستنكر أشد الإدانة والاستنكار، ولكن هذا لا يبرئ السياسة الروسية من قضية الشيشان ورفضها لمنح هذا الشعب حقه في تقرير مصيره، أو منحه على الأقل صلاحيات فيدرالية واسعة في إدارة شؤونه والتعبير عن هويته الحضارية. وعندما أقول ذلك لا يغيب عن ذهني أبدا خطر المتطرفين والأصوليين الذين يخشى منهم على حرية الشعوب وعلى السلام، وبالتالي يخشى منهم أشد ما يخشى على الإسلام الإنساني العظيم، وصدق رسول الله (ص) عندما قال أنه يخشى أكثر ما يخشى على أمته من بعده من حمقى هذه الأمة، فالأحمق يسيء أيما إساءة من حيث يريد أن يحسن، إذا أحسنا به الظن، وإلا فمن حيث يدعي أنه يريد أن يحسن في كثير من الأحيان.
لسنا بحاجة إلى نعيش عقدة استرضاء الآخرين عنا، ولكن هذا لا يعني أننا يمكن أن نجوز لنا أن نتسامح في كيفية عرض من ينعت نفسه بالإسلامية للإسلام، فيعرضه دينا يختطف ويبتز ويذبح ويفخخ ويفجر وينشر الرعب والدم والخراب. ومشاعر الاشمئزاز تجاه هذه الأعمال مزدوجة بالنسبة لنا، فإنسانيتنا تدعونا لأن تستفز مثل هذه الحوادث كل أحاسيسنا وتجعل عالم الشعور في حالة استنفار واعترام وتفاعل غير اعتيادي، لأن الإنسان يكون قد فقد إنسانيته، إذا لم يتحرك له شعور في التعاطف مع أطفال ونساء ورجال أبرياء يقتلون في لحظة جنون يدعي أصحابها أنه جنون الإيمان والتقوى، ولكنه جنون التعصب والتطرف، فعمره ما كان الإيمان مجانبا للعقلانية، وعمرها ما كانت التقوى منسلخة عن شفافية الإحساس بالإنسانية، على حد سواء تجاه الإخوة في الدين أو النظراء في الخلق، أي على مستوى أخوة الدين أو أخوة الوطن أو أخوة الإنسانية. نعم، إن الحرب المعاصرة ضد الإسلام هي من أشرس ما شن على دين الله من حروب حتى الآن في تقديري، لأنها حرب (أهله؟) عليه، أو من يدعي أو يشتهي أو يتوهم أنه حامل راية الإسلام ولواء الجهاد في سبيل الله، وتعالى الله علوا كبيرا أن يكون الجهاد في سبيله في أرضه على يد من يفسد فيها، ويسفك الدماء، ويزهق الأرواح البريئة، ويقبح ويدمم وجه الإسلام الرائع.
والغريب – إذا صح ما ادعته وسائل الإعلام الحكومية الروسية – أن قسما غير قليل من المشاركين في العملية كانوا من العرب. وبقطع النظر عن صحة ذلك أو عدم صحته، فهناك أرضية تجعل احتمال صحته واردة - والعراق يشهد ودماء العراقيين تشهد - فهناك عند بعض (الإسلاميين؟) و(المتعبدين؟) لله سبحانه بفريضة (الجهاد؟) في سبيله نوع من هوس غريب اسمه هوس الجهاد، فهم لا يتصورون حياة ولا إسلاما ولا تدينا من غير جهاد، وبالذات الجهاد بمعنى القتال والسيف والدم. فبعض هؤلاء يعيش قلق البحث عن ساحة من ساحات (الجهاد) يطفئ فيها غليله (الإيماني) وشوقه للجهاد، فتارة أفغانستان وأخرى العراق وثالثة الشيشان، وبعضهم تواق لدخول الجنة وهو مصبوغ كله بالدماء، بدمه ودم من فجرهم وتفجر فيهم جاعلا أشلاءهم تتطاير ودماءهم تتناثر فتصبغ الحياة كلها، لتكون الحياة حمراء مرعوبة، لأن قوة (الإيمان؟) عند هؤلاء يكون بمقدار ما أحدثوه في قلوب القريبين والبعيدين من رعب، فكلما كانت الناس مرعوبة منهم أكثر، وكلما سلبت القلوب الطمأنينة والعيون النوم والحياة لذة العيش، كانوا حسب ظنهم أكثر قربا لله، لأنهم جسدوا قوة المؤمن الذي قال رسول الله (ص) فيه أنه أصلب من الجبل، لأن الجبل يفل منه وإيمان المؤمن لا يفل منه، ناسين أن صلابة الإيمان هي بالدرجة الأولى الصلابة التي تواجه كل ما يريد أن يسقط إنسانية الإنسان، لأن الإنسان كلما جسد إنسانيته أكثر كلما اقترب من قيم الله أكثر؛ إذ إنما الرحماء يرحمهم الله. سيأتي الرد على قولي هذا أن المؤمنين إنما هم رحماء بينهم أشداء على الكفار، وهم بذلك يقرأون القرآن قراءة مجتزئة، فلا يفرقون بين من لم يقاتلنا في الدين ولم يخرجنا من ديارنا وبين من يقاتلوننا في الدين ويخرجوننا من ديارنا ويذبحون أبناءنا ويستحيون نساءنا ويقتلون منهن أخريات، وما نقموا منا إلا أن نؤمن بالله العزيز الحميد. نعم هؤلاء لا يقرأون كل القرآن ولا يعرضون القرآن بعضه على بعض، بل يستقطعون ويجتزئون منه ما يلبي غريزتهم الدموية وهوسهم (الجهادي؟)، فلم يقرأوا قوله تعالى "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين، إنما ينهاكم عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون"، ولم يتعبوا أنفسهم في معنى أن يبر المسلم غير المسلم ممن لا يعاديه في الدين، ولم يقرأوا معنى البر في معاجم اللغة ليعلموا أنه يمثل أعلى درجات التعامل الإنساني من ود ورحمة، متصورين أن مودة غير المسلم حرام، ولم يقرأوا قوله تعالى "عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قَدير والله غفور رحيم"، وهي الآية السابقة لآية "لا ينهاكم ..." آنفة الذكر. إذن الله يمكن أن يحول حتى علاقة العداوة بيننا وبين آخرين إلى علاقة مودة، فكيف بمن لم يعادنا في ديننا؟ والأغرب في مثل هؤلاء أنهم لا يبيحون فقط دم من يعتبرونهم كفارا، بل يحللون دماء من يشهد الشهادتين اللتين يشهدون بهما، ومن يصلي إلى القبلة التي يصلون إليها، ويتلو الكتاب الذي يتلونه. والعراق ما زال يعاني من إرهاب من وجهوا إرهابهم تجاه دين الله وكتاب الله وقيم الله قبل أن يوجهوه إلى أحد غيره.
2004
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::