فوز الذكورية والأصولية في انتخابات الكويت
مقالتان عن انتخابات الكويت
أسيجتنب الكويتيون أخطاء العراقيين
ضياء الشكرجي
في ليلة الانتخابات:
الكويتيات هن اللات أهنئهن أولا وقبل أن أهنئ الكويتيين، ولكني مع هذا، ومن غير وقوع في التناقض، أهنئ الكويتيين قبل الكويتيات بمشاركة أخواتهم وزوجاتهم وأمهاتهم وبناتهم في الانتخابات، انتخابا وترشحا، ليُكملَ عقلُ المرأة عقلَ الرجل، وتـُكملَ تجربتـُها تجربتـَه. فانتخابات الكويت تمثل منعطفا في التحول من مجتمع الرجل في شرقنا الرجولي إلى مجتمع الإنسان، والتحول من مراحل الاستبداد أو شكل الحرية دون جوهرها، إلى الديمقراطية وجوهر الحرية.
ووقوف الكويتيات طوابير تحت الشمس الخليجية المحرقة على أعتاب تموز مشهد يمثل رمزا لاقتحام المرأة العربية، أو المرأة المسلمة، أو المرأة الشرقية للحياة السياسية والثقافية والاجتماعية، لتكون شريكة الرجل الكفء له، وليست تابعة له، فعلينا أن نطوي في شرقنا صفحة تبعية وانسحاق المرأة أمام الرجل، وتبعية وانسحاق الفقراء أمام الأثرياء، وتبعية وانسحاق المحكومين أمام الحاكمين.
في الوقت الذي نهنئ فيه ونغبط الكويتيات والكويتيين كونهم ينتخبن وينتخبون في أجواء الأمن والاستقرار، نتمنى لهم ألا يقعوا في بعض ما وقع فيه إخوتهم العراقيون. وأهم ما نحذر إخوتنا أبناء الجارة الصغيرة الجنوبية، ليس من موقع النصح والتعليم، بل من موقع الحب والحرص هو:
- اجعلوا الكويت فوق كل اعتبار، واجعلوا المواطنة هي الأساس.
- لا تقعوا في شرنقة الطائفية والقبلية.
- لا تقعوا في كارثة تسييس الدين وشباك الإسلام الأصولي.
- لا تسمحوا – وهذا موجه بشكل خاص لشيعة الكويت - بتدخل إيران والإيرانيين في شأنكم.
- كونوا كويتيين بالدرجة الأولى، ثم كونوا سنة أو شيعة، إسلاميين أو ليبراليين أو يساريين، أو ما تشاءون.
- وكونوا إسلاميين معتدلين، أو ليبراليين، أو يساريين، قبل أن تكونوا سنة، أو شيعة، وقبل أن تكونوا قبليين.
- كونوا إسلاميين، أو ليبراليين، أو يساريين، وكونوا سنة، أو شيعة، ولكن كونوا قبل هذا وذاك كويتيين، وكونوا قبل هذا وذاك ديمقراطيين، وكونوا قبل هذا وذاك معتدلين.
لسنا بصدد تقديم النصائح، بل هي تمنيات للشعب الكويتي، أصوغها بصيغة (كونوا)، وهي (كونوا) أفقية متكافئة أخوية. فنحن العراقيين كنا نتطلع أن نكون الواحة الديمقراطية في المنطقة، ولكن من يدري لعلكم تسبقوننا في تجربتكم، ولعلنا نتعلم من هذه تجربتكم، ولعل سبق غيرنا لنا في تحقيق النجاح يكون نعمة لنا نحن العراقيين، حتى نحفظ توازننا، فلا يصيبنا الغرور لكوننا السباقين في التجربة الديمقراطية في المنطقة، كما أصيب من قبل الإيرانيون بغرور انتصار ثورتهم، فتعاملوا بروحية شعب الله المختار، والتعالي على بقية الشعوب المسلمة بتوهم أنهم قادة العالم الإسلامي، فطرحوا مفهوم ولاية الفقيه بمعنى ولاية الإيراني على غير الإيراني.
وفي الختام أكرر ألا تكون هذه الخطوة بالنسبة للمرأة الكويتية، إلا خطوة على الطريق نحو انتزاع المرأة لحقها الكامل غير المنقوص في أن تكون الإنسان قبل أن تكون الأنثى، وأن تكون المواطنة قبل أن تكون زوجة أو أخت أو ابنة المواطن، وأن تكون الشريكة ولا تكون التابعة، لتحقق كامل شخصيتها غير منقوصة.
وآن الأوان ليكف الرجل عن تعسفه الرجولي وقبليته ونظرته الاستعلائية والوصائية تجاه المرأة، وعليه ألا يكابر عندما يرى من هي أجدر منه من النساء في أي ميدان من الميادين، فحيث أن الرجال يتفاوتون في وعيهم ورشدهم واستقامتهم ومؤهلاتهم المختلفة، فمن غير المعقول أن يكون الرجل هو المتقدم منزلة على المرأة، أو أن يكون كل رجل متقدما على كل امرأة في كل ميدان من ميادين الحياة من فكر وسياسة واختصاص، فكم من امرأة أوعى أو أثقف أو أرشد وأعقل أو أغنى تجربة أو أكثر اختصاصا أو أشد استقامة، أو أرقى خلقا، أو أخلص وطنية من كثير من الرجال.
نعم هناك واقع من وحي التجربة الإنسانية الطويلة، في أن الأنبياء والمصلحين والثوار والقادة والمفكرين إما حصرا من الرجال، أو كانوا أكثر بكثير من المصلحات والثائرات والقائدات والمفكرات، إلى آخر القائمة. ولست بصدد دراسة أسباب هذه الظاهرة، وبحث ما إذا كانت هناك أسباب فسيولوجية لها، أو ما له علاقة بارتفاع المنحى العاطفي عند المرأة بالنسبة للرجل، مما قد يعتبر إيجابيا من جهة، فيما تمثل العاطفة من بعد إنساني، أو سلبيا من جهة أخرى، فيما تمثل العاطفة من عامل تأثير سلبي على الموضوعية كما يُرى أو يُظن، كما ولا أريد أن أتناول موقف الدين فيما هو التمايز في بعض الأحكام، ومحاولة تأويل كل ذلك، والخروج بنظرية عن موقف الدين من المرأة، بل المهم هو ضمان تكافؤ الفرص شرط الديمقراطية وشرط العدالة، تكافؤ الفرص بين المواطن والمواطنة، والمهم أيضا هو التفكير بآليات إزالة العقبات أمام المرأة في طريق إطلاقها لطاقاتها، باعتبار أن طاقاتها هي طاقات إنسانية قبل أن تكون طاقات أنثوية، وهي ملك المجتمع وملك الإنسانية، وليست ملكها، أو ملك زوجها أو أبيها، وهي بالمنظار الإيماني هبة الله لها، مما لا يجوز لها أن تبخل به في مساهمتها في صياغة الحياة وبناء المجتمع، وما لا يجوز لغيرها - أي الرجل - أن يحبسها، ويحول دون انطلاقها إلى حياة الإنسان رجلا وامرأة، ولأن إطلاق طاقات المرأة كما هو الحال مع إطلاق طاقات الرجل يمثل مصداقا للتكليف الإلهي المعبر عنه بقوله تعالى «ومما رزقناهم ينفقون»، كما هو تكليف وطني، وتكليف إنساني.
29/06/2006
فوز الذكورية والأصولية في انتخابات الكويت
في يوم الانتخابات بعد فرز الأصوات:
ابتداءً أقول قد يتساءل البعض، ولم كل هذا الاهتمام بانتخابات الكويت؟ فأقول الاهتمام ينبع من الأمور الآتية:
1. لا نريد كعراقيين من جراء ما أصُبنا به من خيبات أمل من الأشقاء والإخوان والجيران، أن نتحول إلى شعب لا يبالي بمجريات البلدان الأخرى، لاسيما المجاورة.
2. كل تجربة تحول ديمقراطي، ولو بنسبة ما، وكل محاولة للسير باتجاه هذا التحول في أي بلد مسلم يمثل مدرسة لجميع الشعوب المسلمة أو ذات الأكثرية الإسلامية، وأخص هذه الشعوب بسبب العقبات التي تعترض طريق الدمقرطة بسبب ما يسمى بالإسلام السياسي، الذي هو إسلام الإسلاميين، وإسلام التدين السطحي أو التقليدي المحافظ، وليس الإسلام الحقيقي في العمق بعقلانيته ومرونته وانفتاحه وإنسانيته واعتداله.
3. حري بنا ألا نكابر من التعلم من التجارب الأخرى، وأن نحفظ توازننا في التعلم بالذات من بلد صغير كالكويت.
قبل التعرض للملاحظات على النتائج، لا بد من تسجيل نقطة إيجابية مهمة، ألا هي المشاركة الكبيرة التي فاقت الـ 80%.
ثم نعود إلى الرابحين والخاسرين في انتخابات الكويت، فأقول إن الذي ربح في هذه الانتخابات بقياس النتائج هم الذكوريون والأصوليون والقبليون، إذ أفرزت الانتخابات أكثرية إسلامية أصولية، ولم تفز المرأة الكويتية حتى ولو بمقعد واحد، وبالتالي يكون من خسر في هذه الانتخابات هي الليبرالية والمساواة، أي الاعتدال والمرأة الكويتية. لكن هذا لا يمثل لا بالنسبة للتيارات المعتدلة والليبرالية، ولا للمرأة الكويتية آخر المطاف، بل كانت هذه الانتخابات شوطا على طريق التحول، ونأمل أن تكون خطوة الكويتيين المقبلة متقدمة أكثر باتجاه الديمقراطية، والليبرالية، ومشاركة المرأة في الحياة السياسية.
أما بالنسبة لفوز الإسلاميين الأصوليين بأكثرية المقاعد البرلمانية، فهو تعبير عن واقع الساحة السياسية في معظم دول العالم العربي والإسلامي، وذلك في هيمنة التيارات الأصولية، فلو جرت انتخابات حرة في أكثر بلاد العالم العربي والعالم الإسلامي، لرأينا أن الأصولية الإسلامية هي التي ستهيمن على المشهد السياسي بقدر أو بآخر. وهنا تكمن المفارقة وتكمن معها الخطورة؛ ففي الوقت الذي لا نجد أي تعارض بين الإسلام والديمقراطية، لا بد من الاعتراف بالتعارض بل والتقاطع الحاد والخطير بين معظم الإسلاميين والديمقراطية، وبالتالي سيكون أكثر المستفيدين من الديمقراطية هم غير المؤمنين بها. وهذا يؤكد أهمية منحى الإصلاح الفكري الإسلامي، وضرورة انبعاث حالة إسلامية/ديمقراطية. ففي الوقت الذي شهد الثلث الأخير من القرن العشرين ما سمي بظاهرة الصحوة الإسلامية، والتي أسميها بظاهرة انبعاث صدمة توهم اكتشاف الذات الإسلامية، أو ظاهرة موجة تسييس الدين، والتي نشهد أوج إفرازاتها اليوم في مطلع الألفية الثالثة، نأمل أن يشهد الثلث الأول من القرن الحادي والعشرين ظاهرة انبعاث الصحوة الديمقراطية، وظهور الديمُسلامية (الديمقراط/إسلامية)، والليبرالية، والعلمانية المعتدلة التي تحترم عقيدة الأكثرية، وتحقيق عملية التحرر الثقافي والإصلاح الفكري من الداخل، بتحقيق نجاحات أكبر مما حققته حتى اليوم، وذلك اكتشافا للإسلام في جوهره، واستفادة من التجربة الإنسانية عموما، لاسيما تجربة العالم الحر المعاصر وإنجازه الديمقراطي.
30/06/2006
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::