انتصار العقلانية في قضية المعلمة البريطانية وشكر لعشتار
قبل كل شيء أسجل شكري للأخ عشتار الذي رد على مقالتي عما أسميته بـ «هيستيريا الغضب المقدس» فيما يتعلق بقضية المعلمة البريطانية Gillian Gibbons ولعبة الـ teddy bear فإن الأخ أو الأخت (عشتار) الذي أو التي تمنيت لو كتب/كتبت باسمه/اسمها الحقيقي، المهم إن الأخ - وهو الأرجح - كان محقا في كثير مما كتبه، وإني أتفق معه في أكثر ما ذكر، وأختلف معه في أمور لست بصدد الرد عليها، ولي في التفاصيل جواب على الكثير مما أورده، وكما لي إقرار بالكثير الآخر، ووجدتني وإياه متفقين في نقاط أكثر من تلك التي نحن مختلفان فيها، مع الاختلاف في طريقة المعالجة، ولا أدعي أن طريقتي هي الأقرب للصواب.
إني ما زلت أدعي أن هناك حالة من الهيستيريا هي من سمات العالم الإسلامي، لاسيما في الأوساط الإسلامية المتطرفة والأوساط الشعبية ذات التدين العاطفي المتزمت. ولا زلت أقول إننا نحتاج إلى التخلص من أمراض ثقافة كراهة الآخر والاستغراق في نظرية المؤامرة، وما ذكرته من حالات الهيستيريا. وهذا لا يعني أني أبرئ الغرب، ولكن نسبة ما يتحمله المسلمون من الأزمة بين الغرب والإسلام تفوق بكثير مما يتحمله الغرب حاليا. أما إذا ما رجعنا إلى الخلفية التاريخية، والدور المدمر للكنيسة وللدين والأصولية في الغرب، وكذلك إلى عهود الحروب الصليبية والاستعمار، فمن غير شك إن الغرب مدان في كل ذلك. لكن الغرب استطاع أن يستفيد من تجربته ويقدم للعالم نموذجا رائعا للديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، دون أن يبلغ العصمة طبعا، بل ما زالت هناك حالات من الازدواجية نجدها هنا وهناك، ولكني أتحدث عن الحالة العامة الغالبة.
فإننا لو تأملنا في كل ما حل بالعراق والعراقيين، فمع إن أمريكا تتحمل مسؤولية ذلك بنسبة كبيرة، إلا أن المسؤولية العظمى فيما وقع على العراقيين هو مما تتحمله معظم القوى السياسية لاسيما الإسلامية والقومية بما فيها الكردية، ولكن الإسلاميين سنة وشيعة يتحملون حصة الأسد من ذلك، وأنا شخصيا أحمل القوى الإسلامية الشيعية النسبة الأكبر من مسؤولية الكارثة، التي ساهمت في إحداثها بدرجة أساسية (القاعدة) وحاضنتها الطائفية السنية العراقية، و(إتلاآت) أي المخابرات الإيرانية وامتداداتها وأدواتها من أكثر قوى الإسلام السياسي الشيعية.
فالإسلام السياسي من جهة والإسلام التقليدي المحافظ المتزمت من جهة ثانية والإسلام الشعبي العاطفي والسطحي والساذج والخرافي أحيانا من جهة ثالثة، كل ذلك أساء إلى جوهر الدين الإسلامي، وإلى قضايا الوطن سواء في العراق أو أفغانستان أو لبنان أو السودان، كما أساء إلى قضية التعايش السلمي مع المجتمع الإنساني عموما.
وقد كتبت في عام 2002 عن حاجتنا إلى ثورة إسلامية من الداخل على الذات، وكتبت في عام 2006 عن أيهما الحاكم في الدين وحي السماء أم عقل وضمير الإنسان، محاولا مع غيري ممن يعيش قلق التصحيح والإصلاح، محاولين أن نؤشر على مواطن الخلل. فلقد أريد للدين أن يصلح في الأرض ويحقن الدماء، فجعل منه (المتدينون) عامل إفساد في الأرض وسفك للدماء، وأريد للدين والتدين أن يكونا مما ينفع الناس، فكان إثمهما أكبر من نفعهما، وأريد للدين أن يكون رحمة للعالمين فحوله أتباعه إلى نقمة على البشرية، وأريد للدين أن يدعو إلى سبيل الله، فكان عامل صدّ عن سبيل الله، وأعني بالدين هنا هو فهم وممارسة الناس للدين، ولست بصدد تحديد الخلل في أصل الدين، وما إذا كان أو كان بعضه نتاجا بشريا وليس وحيا إلهيا، أو هو أي الخلل في الفهم والتطبيق البشريين للدين، إذا افترضنا إلهية مصدره.
ونرجع إلى قضية معلمتنا البريطانية في السودان، فنحمد الله أن القضاء السوداني لم يتعسف بإصدار حكم أشد مما تستحقه (المخالفة)، ولكن حتى الحكم بالسجن لخمسة عشر يوما على إنسان لم تثبت عليه جريمة، هو حكم في غير محله، وحسنا فعلت الحكومة السودانية عندما أصدرت العفو عنها قبل انقضاء المدة. ولكن هذا لا يبرئ الحكومة السودانية من أصوليتها وممارساتها الظالمة ضد بعض مكونات الشعب السوداني.
وعندما تحدثت عن هيستيريا الغضب، إنما عنيت تلك الحشود المزمجرة من المتظاهرين الذين طالبوا بإعدام المعلمة، فلا أدري كيف يبيح مثل هؤلاء لأنفسهم استرخاص الدم بسبب كل قضية، صغيرة كانت أو كبيرة.
ويؤسفني بعد طول الغياب أن أتناول مثل هذا الموضوع، مهملا المواضيع الوطنية الساخنة في العراق، فإني أعيش لأسباب في هذه المرحلة حالة الشحة في الكتابة، خلافا للغزارة التي عرفت بها وآخذني البعض عليها. آملا أن أعود إلى قرائي بما ينفع، مع إني أتابع الآن الأقلام المبدعة من كتابنا في قضايا السياسة والوطن، وقضايا الثقافة والفكر، فأشعر، إذا ما استعرنا المصطلح الفقهي واعتبرنا الكتابة واجبا كفائيا وليس واجبا عينيا، أن الكفاية حاصلة، ولو إن لكل قلم نكهته، ولكل كاتب قـُرّاءه، ولكل سياسي مريديه.
الطائفية السياسية تتجسد في قضية عدنان الدليمي
ملابسات قضية رئيس قائمة التوافق الدكتور عدنان الدليمي أظهرت من جديد أن البرلمانيين العراقيين على الأعم الأغلب ما زالوا غير متعافين من وباء الطائفية السياسية القاتل.
من جهة لا بد من القول أنه ليس من غير الطبيعي في مثل هذه القضية أن ينقسم النواب والسياسيون إلى من يدين، وإلى من يبرئ، وفريق ثالث لا يتعجل الموقف، إلا بعد توفر ما يكفي من وثائق الإدانة أو وثائق التبرئة، مع إن البراءة تمثل من غير شك الأصل، باعتبار أن كل متهم أو كل من تدور حوله تهمة ما لا بد من التعاطي معه كبريء حتى تثبت إدانته.
وهنا كما إني لست بصدد تأييد جانب الإدانة أو جانب التبرئة أو جانب الحياد، لا يهمني أيضا أن أحدد الموقف الصحيح من غير الصحيح، على أقل تقدير في هذه المقالة، بقدر ما أريد أن أشير إلى ظاهرة مستغربة - ولو إنها أصبحت ملمحا أساسيا من ملامح المشهد السياسي العراقي -، هو أني لم أسمع توافقيا لا يبرئ الدليمي، كما لم أسمع ائتلافيا لا يدينه. إذن نحن أمام مشهد من الاصطفاف الطائفي دون محاولة معالجة القضية بتجرد تام عن الانتماء الطائفي لهذا أو ذاك الطرف.
وإذا وجدنا نائبا أو سياسيا يتخذ موقفا متوازنا وموضوعيا وغير متحيز تجاه هذه القضية، فهو بالتأكيد من خارج القائمتين المذهبيتين الشيعية والسنية.
من خلال تسجيل هذه الملاحظة على هذه الظاهرة نستطيع أن نخلص إلى نتيجة، بأن هناك ثلاث احتمالات لا رابع لها؛ هي إما أن الائتلافيين يتعاملون مع هذه القضية ككثير من القضايا بنـَفـَس طائفي، وإما أن التوافقيين يتعاملون مع هذه القضية ككثير من القضايا بنـَفـَس طائفي، وإما أن كلا الطرفين يتعاملان مع القضية بنـَفـَس طائفي، شأنها شأن دل القضايا التي أخضعت للمعايير الطائفية.
وفي كل الأحوال نقول إنه محزن للغاية أننا نرى هذا الإصرار على النهج الطائفي المقيت والمدمر والمأساوي لأناس يفترض بهم أنهم سياسيون، ويفترض بهم أنهم مثقفون، ويفترض بهم أنهم وطنيون، ويفترض بهم أنهم مؤتمنون من قبل ناخبيهم من أجل تقديم المصالح الوطنية على المصالح الشخصية والمصالح الحزبية والمصالح الطائفية. فنحن نسمع نوابا سنة يستميتون في تبرئة الدليمي، وتراهم على يقين من براءته، كما نسمع نوابا شيعة يستميتون في إدانة الدليمي، وتراهم على يقين من كونه مدانا، ولم نجد شيعيا يتحمس للدفاع عن الدليمي، لأن الدفاع عن سني ارتداد عن التشيع، ولم نجد سنيا يتحمس في نقده والمطالبة بمساءلة الدليمي، ولا نقول إدانته، لأن إدانة سني ارتداد عن التسنن، وكل من التشيع هنا والتسنن هناك يمثل عند هذا أو ذاك حقيقة الإسلام المطلقة وجوره الأصيلة.
إذن الاصطفاف الطائفي ما زال هو الذي يحدد الموقف السياسي من قضايانا، ويصوغ الخطاب السياسي والإعلامي. وهذه الطائفية لا ليتها طائفية فكرية، ولو إن الطائفية بكل ألوانها ومنطلقاتها مرفوضة وبغيضة ومدانة، مع هذا أقول يا ليتها كانت طائفية فكرية، لكنها طائفية قبلية، أي إن الانتماء إلى المذهب لا يكون من موقع قناعة معمقة ونابعة من دراسة متجردة عن العواطف والنزعات بخط وفكر ونهج عمر هنا، أو بخط وفكر ونهج علي هناك، بل إن الشيعة وجدوا آباءهم على ملة فكانوا على آثارهم مقتدين، كما إن السنة وجدوا آباءهم على ملة فكانوا على آثارهم مقتدين، فنجد هنا عمريين جبرا وبالولادة لا اختيارا بالإرادة، وهناك علويين جبرا وبالولادة لا اختيارا وبالإرادة، وتعصب هؤلاء لقبيلتهم السنية، أكثر مما هو تعصب لمذهبهم السني، وتعصب أولئك لقبيلتهم الشيعية، أكثر مما هو تعصب لمذهبهم الشيعي. وقد يكون هذا أو ذاك معذورا عنه عند البسطاء والأميين وأنصاف المتعلمين، لكن المصيبة تكون عندما يكون السياسيون أي قادة البلد وصناع القرار وصُوّاغ القوانين هم المصابين بهذا الوباء القاتل لقضايا الوطن وقيم الدين، وذلك منهم عن قناعة جهلا منه، وكيف يحكمنا الجُهّال، ومنهم عن غير قناعة بل متاجرة بعواطف الجماهير البسيطة من أجل المآرب الشخصية والحزبية ظلما، وكيف يحكمنا الظالمون، والقرآن يقرر بأن الإنسان عندما سقط في حمل الأمانة، فلأنه كان إما ظلوما وإما جهولا، وأعظم المصائب عندما يكون المرض مركبا وليس بسيطا، فيجتمع الظلم والجهل في شخص أو في مجموعة.
ومن غير شك لا يجوز تعميم هذا التشخيص على كل الائتلافيين وكل التوافقيين، فمن غير شك فيهم المعتدلون العقلاء الموضوعيون اللاطائفيون الوطنيون، ولكن حتى هؤلاء مسؤولون، لأنهم من هذا الوسط، فلا هم رافعون أصواتهم برفض ونقد الخطأ، ولا هم من الشجاعة بانتزاع أنفسهم من قائمة طائفية مسيسة للدين والرموز الدينية في هذه الجهة أو تلك.
إن العراق لا يتعافى إلا بالتخلص من تسييس الإسلام، ومن تسييس التشيع، وتسييس التسنن، ومن تسييس الدين والشعائر والمرجعية والعتبات، ومن إرهاب القاعدة والبعثيين من جهة، ومن عبث المخابرات الإيرانية وأذرعها العراقية والميليشيات الطائفية من جهة أخرى، وإلا باستشعار القوى الوطنية المعتدلة اللاطائفية بمسؤوليتها التاريخية ونهوضها بهذه المسرؤلية عبر مشروع وطني ينتظر الولادة، والذي لا يولد ما يتجرد القادة عن ذواتهم، والحزبيون عن حزبياتهم، وأصحاب الخلفية الإيديولوجية عن إيديولوجياتهم.
09/12/2007
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::