تتناول هذه المقالة المصطلحات التي تلعب دورا أساسيا ومؤثرا في عموم العالم وفي العالم الإسلامي خصوصا وفي واقعنا العراق على الوجه الأخص، وذلك على صعيد السياسة، ولكن الممتد تأثيره إلى ما يكاد يشمل كل مناحي الحياة الاجتماعية لإنسان هذا العصر، والعصور التي سبقت هذا العصر، ولعصور قادمة. لعل محور هذه القضايا التي تتعنون بهذه وغيرها من المصطلحات هو الإسلام أو ما أصطلِحُ عليه بـ «الإسلام السياسي»، وما أصطلح عليه بـ «الإسلامسم». وذلك لأن مقابل كل هذه العناوين موقفا خاصا من قبل مسلمي الإسلام المحافظ حتى غير المُسَيَّس منه، وإسلاميي الإسلامسم يراوح ما بين الرفض الجازم، أو التحفظ، أو القبول بشروط، أو الازدواجية بين القبول الظاهري المبرَّر بالرؤية الواقعية، وبين الرفض المستبطـَن في العمق، والذي، أي هذا الموقف المزدوج، يتراوح بين الصدق الناتج عن شبهة، وبين التكتيك والتربص والتحين لفرص الانقضاض على المشروع الديمقراطي. وقسم من هذه المواقف التي تتفاوت ما بين التحفظ والرفض الجازم، ناتج عن شبهة وسوء فهم عند هؤلاء المسلمين التقليديين، وأولئك المناصرين للإسلامسم، انتشر في أوساطهم عبر تراكمات تاريخية لإرث ثقافي، أسس بقصد وتخطيط، أو انبعث عفويا عبر الموروث الثقافي لإسلام السلطة، الذي صاغ للمسلمين مفاهيم الإسلام عبر قرون وقرون، كان محصلته الإسلام السياسي الذي ولد في عشرينات القرن السابق عبر المفاصل الثلاثة التي ذكرتها في الحلقة الأولى من موضوع «ثورة إيران في ذكراها السابعة والعشرين وما يسمى بالصحوة الإسلامية بحلقاتها الثلاث»، وهي حلقة تأسيس «حركة الإخوان المسلمين» في العشرينات، وحلقة تأسيس ما أسميته بـ «حركة الإخوان المسلمين الشيعية» أي «حزب الدعوة الإسلامية» في الخمسينات، ثم حلقة «الثورة الإسلامية الخمينية في إيران» في آخر السبعينات، والتي كان لها الدور الأساسي في اتساع ظاهرة الإسلامسم، لينطلق من ضيق الدوائر الخاصة للنخب الحزبية ومن أنصار الحركتين المذكورتين وبقية أحزاب الإسلام السياسي التي ولدت من رحم الحركتين، وإن تحول البعض منها إلى منافس فمعارض حاد، بل وأحيانا إلى خصم لدود، ومن ضيق تلك الدوائر المحدودة إلى سعة الحالة الجماهيرية الممتدة في أرجاء العالم الإسلامي. ومن أمثال الحركات الأخرى التي تفرَّخت من حركة الإخوان المسلمين بنسختها الأصلية، أو بنسختها الشيعية، «حزب التحرير الإسلامي» و«الجماعة الإسلامية» و«حماس» وغيرها على الصعيد السني، وعلى الصعيد الشيعي «منظمة العمل الإسلامي» و«المجلس الأعلى للثورة الإسلامية» و«حزب الله» وغيرها.
سنتناول كلا من المصطلحات الآتية:
- الإسلام (الدين الإسلامي)
- الإسلامسم (الإسلام السياسي)
- الأصولية
- الراديكالية
- التوتاليتارية
- الشمولية
- الديمقراطية
- العلمانية
- الليبرالية
- الوطنية
كما نمر مرورا سريعا على مصطلحات تحوم قريبا حول بعض ما ذكر، كاليمين واليسار. بعض هذه المصطلحات سيرد ذكرها أحيانا إلى جانب اللغة العربية باللغتين الإنكليزية مرموزا لها بـ E بمعنى English، والألمانية مرموزا لها بـ D بمعنى Deutsch.
الإسلام:
هو أحد أكبر الأديان في العالم، ويعتبر من الأديان المسماة عرفا بالأديان السماوية، والتي يصطلح عليها أتباعها بالأديان الإبراهيمية، أو الأديان التوحيدية. وتجمع كلها على الاعتقاد بأصول الدين الثلاثة الأساسية، وهي التوحيد، والنبوة، والمعاد، وإن اختلفت في التفاصيل والمصاديق، وأهمها حسب التسلسل الزمني هي اليهودية والمسيحية والإسلام، كما هناك ديانة الصابئة المندائيين، نذكرها لا لسعة انتشارها، بل لأنها من الأديان المتواجدة في العراق خاصة، ولكونها مذكورة في القرآن الكريم، ولها كما للأديان الثلاثة كتاب مقدس، وتملك نظرية ذات أسس رصينة في التوحيد ومنظومة أخلاقية. وعودا إلى الإسلام، وهو حسب عقيدة أهله خاتم الأديان، وتنقسم ميادين الإسلام كما هو الأمر مع معظم الأديان إلى العقائد والأحكام والأخلاق، ويتوزع إلى مذاهب في الفروع أي الأحكام، أو ما يسمى بالشريعة، أي عالم الفقه، وإلى مذاهب كلامية أي عقائدية أو حسب المصطلح المسيحي اللاهوتية أشهرها ثلاثة هي مذهب الأشاعرة، ومذهب الإمامية، ومذهب المعتزلة، وعموما إلى طائفتين كبيرتين هما طائفة الأكثرية السنية، وطائفة الأقلية الشيعية، التي ازدادت أهميتها بعد الثورة الإسلامية في إيران. والإسلام ينقسم حسب تقسيم الكاتب أحمد القبانجي إلى ثلاثة إسلامات: هي الإسلام المدني، والإسلام السلفي، والإسلام السياسي. الإسلام المدني يمكن أن نعتبره الإسلام المعتدل، المنفتح، المعاصر، التنويري، الإنساني والعقلاني، الليبرالي، بحسب المصطلحات المختلفة، والذي يميز بين مبادئ الشريعة وجوهرها الثابتين، ونفس الأحكام المحكومة بشروط الزمان والمكان، وبالتالي المتغيرة، والمقصود هنا تلك الأحكام التي لها دخل في القضايا الاجتماعية والسياسية، وليس أحكام العبادات كالصلاة والصيام، والسلوك الشخصي المحض، كحرمة شرب الخمر وأكل لحم الخنزير. والإسلام السلفي هو الإسلام التقليدي المحافظ غير المُسَيَّس والمستغرق في الجانب العبادي والطقوس، ومنه الإسلام السلفي السني، والإسلام السلفي الشيعي. وأما الإسلام السياسي، فهو ما يسمى أيضا بالإسلام الأصولي، أو ما يسميه البعض بالإسلاموية، أو ما أسميه بـ الإسلامسم، وأسمي أتباعه بـ الإسلامستيين، ومفرده الإسلامست. وطبعا يمكن الكلام عن أنواع أخرى من الإسلامات، كالإسلام الشعبي، والإسلام القرآني، والإسلام الفقهي، وكذلك الإسلام الخرافي، والإسلام العلمي، والإسلام المسالم، والإسلام الحربي، والإسلام الجامد، أو المتقولب أو القوالبي، والإسلام المتحرك أو المرن أو الديناميكي، وهكذا الإسلام المعتدل، والإسلام المتطرف، المنفتح، والمنغلق أو المتعصب. وهكذا بحسب الاستعمالات، وحسب التقابلات والتضادات المختلفة باختلاف الموضوع وزاوية البحث. ومن الطبيعي لا يعني هنا تعدد الإسلام فيما هو عالم التجريد، بل هو التنوع والتعدد في الفهم، أي ليس تعدد الإسلام فيما هو إلهي مطلق ثابت، بل هو فيما هو بشري نسبي متغير.
الإسلامسم - (D: Islamismus) - (E: Islamism):
هو ما يُسمى أيضا بالإسلام السياسي، أو الإسلام المُسَيَّس، أو الإسلام الأصولي. وهو يؤمن بأن الإسلام ليس دينا للعبادات أو الأحكام في الشؤون الشخصية، بل هو دين الحياة بكل مناحيها، بما في ذلك ميادين الحياة الاجتماعية والسياسة والدولة، ويرفض على الأعم الأغلب مبدأ الفصل بين الدين والدولة، ويهدف إلى إقامة دولة إسلامية، من أجل استكمال مشروعه في أسلمة المجتمع، ابتداءً من خلال آليات الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأحيانا الجهاد السياسي منه والجهاد المسلح، وانتهاءً بما يسمونه بإقامة حكم الله في الأرض. والمعتدلون من الإسلاميين، أو من رواد الإسلام السياسي، والذي يسمونه بالإسلام الحركي أيضا، هؤلاء المعتدلون، وبحسب درجة الاعتدال، يقبل البعض منهم بفصل الدين عن الدولة، دون فصل الدين عن السياسة، وبالتالي يرضون بالتعاطي مع مبدأ الديمقراطية، والتي من خلالها يريدون مواصلة عملية أسلمة المجتمع، ومن هؤلاء من يرضى بالديمقراطية تكتيكا، أو من خلال النظرة الواقعية، ومنهم من يؤمن بشرعية الديمقراطية بدرجة أو أخرى، كمن يقبل بالديمقراطية السياسية، دون الديمقراطية الاجتماعية، أو يرضون بها آلية للحكم ويرفضونها نظاما للحكم، أو يرضونها نظاما سياسيا بينما يرفضون فلسفة الديمقراطية، باعتبارها تعني حاكمية الشعب التي يظنون أنها تقف عرضا في مقابل حاكمية الله سبحانه وتعالى باعتبارها من لوازم التوحيد العملي على الصعيد الاجتماعي والسياسي. وفي الوقت الذي تكون فيه بعض رؤى هؤلاء أو هؤلاء صحيحة إلى حد ما من حيث المنطلقات، ولكنها تشتمل على الكثير من الثغرات في الفهم والتحليل والاستنباط، وعدم التمييز بين الثابت والمتحرك.
الديمقراطية - (E: Democracy) - (D: Demokratie):
الديمقراطية تعني حاكمية الشعب، وهي شكل من أشكال النظم الاجتماعية، الذي ينطلق من مبدئي المساواة والحرية لجميع المواطنين، ويستمد سلطته من إرادة الشعب بمجموعه. أو هي حسب آبراهام لنكولن حكم الشعب بالشعب للشعب. ولتحقيق هذا الهدف يعبر الشعب عن إرادته بواسطة قرار الأكثرية متمثلا بالانتخابات. وهي نظام تمثيلي يُحَوِّل من خلاله الشعب صلاحياته إلى النواب، بصفتهم ممثلين له. ممثلو الشعب هؤلاء يُشرِّعون القوانين بتخويل من الشعب، ويكونون غالبا مشاركين في تشكيل الحكومة، وتحتاج الحكومة في ظل الديمقراطية البرلمانية (نظام الحكم البرلماني) من أجل اكتسابها الشرعية إلى أن يمنحها ممثلو الشعب ثقتهم، إضافة إلى أنه تجري مراقبة الحكومة من قبلهم. بينما في ظل الديمقراطية الرئاسية (النظام الرئاسي) ينتخب الشعب رئيس الدولة بشكل مباشر، فيقوم الأخير بتشكيل الحكومة. وهناك النظام المختلط الذي يجمع بين النظامين البرلماني والرئاسي. في ظل الديمقراطية يجري تمثيل الشعب غالبا عن طريق الأحزاب، ومن هنا يطلق عليها تسمية الديمقراطية الحزبية، حيث يجري تشكيل الحكومة في الدول الحديثة غالبا عن طريق الأحزاب الممثلة في البرلمان عبر الانتخابات. من هنا فمن أبرز ملامح الديمقراطية هو التنافس المتكافئ والنزيه بين الأحزاب لكسب أصوات الناخبين.*
من هنا لا نجد لدعوى التعارض بين الديمقراطية والإسلام. بل التعارض والتناقض إنما هو بين الديمقراطية والإسلامسم أي (الإسلام السياسي)، الذي يمثل طريقة فهم للإسلام، لا يجب أن تكون بالضرورة متطابقة مع الإسلام، بما هو. فالإسلام بالأصل دعوة، وليس دولة، وكفى دليلا على ذلك برفض علي (ع) لتولي الخلافة، رغم ما نعتقده من نص صدر فيه، حيث قوله كان في غاية الوضوح: «إني لكم وزير خير مني أميرا»، وكذلك قوله: «لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر». أما توهم التعارض بين فلسفة الديمقراطية، وفلسفة التوحيد، لكون الديمقراطية تعني حاكمية الشعب، وتعارض ذلك مع فلسفة التوحيد التي تعني فيما تعني حاكمية الله، فهذا فهم فيه الكثير من التسطيح، وهو يشبه إلى حد كبير فهم وتطبيق الخوارج لقوله تعالى «إن الحكم لله»، كما يشبه سوء الفهم للتوكل على الله والتسليم لقضائه، والذي صححه رسول الله (ص) لذلك الأعرابي بقوله الشهير «اعقلها وتوكل»، عندما أراد أن يترك ناقته سائبة من غير أن يعقلها، متوهما أن هذا السلوك يمثل التطبيق العملي للتوكل، عندما فسر تركها من غير عقال بقوله أنه توكل على الله.
العلمانية (D: Laizismus, Säkularismus) – (E: Laicism, Secularism):
نشأت العَلمانية في فرنسا رافضة لأي تأثير للكنيسة على مصالح الدولة، وداعية إلى تبني مبدأ الفصل بين الكنيسة والدولة [لاحقا: بين الدين والدولة]. والعلمنة (D: Säkularisierung) فهي نفس عملية العلمنة [أي التحول إلى العَلمانية]، التي أخذ بها العصر الحديث في أورپا، لإحلال العلمانية، محل الفكر والرؤية الكونية المستمدين من الفهم الديني والمعايير الدينية، اللذين أخذا يتراجعان، لتحل محلهما الطريقة العلمية لتقييم الأمور، والتي أخذت تزداد أهميتها شيئا فشيئا. العَلمانية كانت نتاجا لتأثير التوجه الإنساني وللوعي المتناميين، واللذان يستندان على رؤية مفادها قدرة الإنسان على اتخاذ القرارات مستقلا، على ضوء العقل.* [وقد وقف الإسلاميون موقفا رافضا بشكل حاد للعَلمانية متوهمين أو مُدَّعين أنها تعني معاداة الدين وإقصاءه، ليس فقط من ميدان السياسية، بل العلمانية تهدف إلى إلغاء الدين كليا من ساحة حياة الإنسان على وجه الأرض بكل ميادينها عموما، وهي إن هادنت المسيحية، بعد أن هجنتها، وروضتها، وأخضعتها للنظام اللاديني في أورپا، وربما رأت الكنيسة أيضا أن تسلم الأمر للعَلمانية، فلأن المسيحية لا تملك نظرية للدولة، ذلك من أجل تشكيل جبهة ضد الإسلام الذي وجد الغرب (الكافر) ببعديه المسيحي (الصليبي)، والعلماني (المستعمر)، وجد فيه خطرا لا بد من مواجهته. وفي الحقيقة فإن العَلمانية لا تتخذ موقفا متحيزا لا سلبا ولا إيجابا، لا معاديا ولا مواليا من الدين، بل هي أقدر من النظم الدينية على رعاية الدين، من خلال ما تتبناه من حرية الاعتقاد وحرية الرأي، بينما لا تسمح النظم الدينية إلا بممارسة الدين وكذلك السياسة على مذاق وتوجه ومصالح السلطة الحاكمة المتلبسة بلباس قداسة الدين، رغم بشريتها التي تسمح للصواب كما للخطأ، وللعدل كما للظلم. إذن العَلمانية بما هي، لا عداء لها تجاه الدين إطلاقا، أما أن يكون بعض العَلمانيين المتطرفين لا يطيقون رؤية أي مظهر من مظاهر التدين، ويتمنون أن يروا العالم خاليا من الدين، فهذا الموقف لا يجوز أن يُحسَب على العَلمانية بما هي، ثم إن هذا الموقف المتطرف أو الحاد من العلمانيين منه ما يمثل عقدة نتيجة للتطرف، دون الالتفات أن التطرف على نقيض من العَلمانية، كما إنه على نقيض من الدين، وجاء نتيجة تعميم وإطلاق بعض التجارب، ومنه ما له مبرراته، من خلال التجربة القاسية التي دفعت الإنسانية ضريبتها غاليا جدا، فيما مارسته الأصولية المسيحية في القرون الوسطى والتي امتدت تأثيراتها حتى بدايات القرن العشرين، وكذلك فيما مارسته وتمارسه الأصولية الإسلامية من تطرف وعنف وإرهاب وطائفية وسلفية وتحجر وإيقاف لعجلة التطور والتقدم ومحاربة للحريات ولحقوق الإنسان. ثم تطرف الأصوليين الدينيين هو على الأعم الأشد والأكثر ضررا، فهو يقمع حتى حرية الدين نفسها كما مر. وهذا ليس ذنب الدين كدين، بل هو ذنب المتدينين الذي يفهمون الدين فهما مشوها، أو يمارسونه ممارسة متعسفة، أو خرافية، أو متطرفة، أو عنيفة، أو مغالية. فالدين في واقع البشر بشري الفهم وبشري الأداء، حتى لو ثبت باليقين القاطع أنه إلهي المصدر. والخطر يكمن عند إقحام الدين في السياسة أن تدعى العصمة الإلهية للجهل البشري، وتضفى صفات العدل الإلهي على الظلم البشري، فيستحيل تخطيء خطأ الجاهلين، لأنه إلهي مقدس، ويستحيل التمرد على ظلم الظالمين، لأنهم يظلمون بإرادة الله وبتفويض منه، ولذا فظلمهم عين العدل. أما إذا تعاملنا مع الفكر السياسي والقرار السياسي والأداء السياسي والموقف السياسي على انه بشري حقا وليس إلهيا، من خلال تبني العَلمانية، فستتواصل عملية التصحيح والتقويم والنقد والمعارضة والتنافس والتداول السلمي. فالعَلمانية مساوقة للعقلانية ولحقوق الإنسان، إذن هي منسجمة كل الانسجام مع جوهر الدين دون إغلاق باب التصحيح والتقويم لبشريتها ونسبيتها وسيرورتها التكاملية. نعم هذا يتحقق مع الدين، ولكن ليس مع الدين المُسَيَّس الذي سرعان ما يتحول إلى استبداد يدمر ويفسد دين الله ودنيا الناس على حد سواء.
الليبرالية (E: Liberalism) - (D: Liberalismus):
مشتقة من الكلمة اللاتينية (liberalis) وتعني الحرية. عبارة عن رؤية للدولة والمجتمع والاقتصاد تتخذ من حرية الفرد أساسا للتعايش بين الناس وتحقيق التقدم على الصعيد الثقافي والحقوقي والاقتصادي والاجتماعي، وتعتبر هذه الرؤية محصلة التطور التاريخي. من أساسيات الليبرالية هو تأسيس وبناء دولة القانون، التي تقيد سلطتها بمبدأ الفصل بين السلطات والذي يهدف إلى ضمان عدم وقوع الدولة في الإجراءات الكيفية ومن أجل تحقيق الضمانة الحقوقية كشرط للحرية الفردية الخاصة المتحققة عبر الحقوق الأساسية. الليبرالية تتجه ضد التفاضل في المجتمع وتطالب بالمساواة أمام القانون. كنظام للحكم ترجح الليبرالية الديمقراطية البرلمانية والتي يشارك فيها المواطنون متساوين في العملية السياسية عبر الانتخابات العامة السرية الحرة. على الصعيد الاقتصادي تهدف الليبرالية من خلال خلفية تاريخية وسياسية إلى تطبيق اقتصاد السوق الذي تحدد معالمه من قبل المساهمين في الحياة الاقتصادية وليس من قبل الدولة. قاعدة النشاط الاقتصادي هما الملكية الشخصية والمنافسة الحرة. ويعتبر مبدأ عدم تدخل الدولة شرطا لتنظيم العلاقة بين أرباب العمل والعاملين. تعتقد الليبرالية أن الإنسان كائن مستقل ذو ملكة عقلانية (D: vernunftbegabt)، تمثل حريته شرط تقدم الإنسانية. الليبرالية الأورپية نشأت كحركة في مقابل فكرة الإخلاص المطلق للقائد الفرد (Feudalism) والاستبداد (Absolutism) في القرن الثامن عشر، حيث تبنت مصالح المواطن ذات السلطة الاقتصادية الكبيرة، ولكن معدومة السلطة السياسية، في إطار النشاط السياسي الحر، والمساواة في حقوق المواطنة، والمساهمة في تسيير شؤون الدولة. ولكن اتخذت الليبرالية الاقتصادية موقعا متميزا في الليبرالية، وذلك خلال المطالبة بحرية النشاط الاقتصادي، وحرية المنافسة، وحرية التجارة. تدخل الدولة عبر تحديد الإنتاج والرسوم الجمركية مرفوض من قبل الليبرالية. أما الليبرالية (D: Liberalität) - (E: Liberality) كسلوك وطريقة تعامل تنطلق من مبدأ إطلاق قابليات الإبداع الشخصية ومن البعد الإنساني وقبول الآخر المغاير فكريا.* بهذا لا نرى مبررا لرفض الإسلاميين لليبرالية، حيث كانت عبارات كـ "الليبرالية"، "الوطنية"، وغيرها بمثابة السبة التي توجهها أدبيات الثورة الإسلامية الإيرانية تجاه خصومها، أو تجاه من تريد أن تشكك في إخلاصهم للثورة وأصالتهم الإسلامية. والمشكلة عند أكثر الإسلاميين في تعاملهم من موقع العقدة ومن موقع الرفض مع هذه المصطلحات، للخلط الذي يجري لديهم بين البعد الفلسفي والبعد الاجتماعي والبعد السياسي والبعد الأخلاقي لهذه المصطلحات. فرفضوا الديمقراطية كونها تمثل حاكمية الشعب، مما توهموا أنهم تقف في خط التقاطع والتناقض مع حاكمية الله، فخلطوا بين العرفان والبعد العبادي في شخصية المؤمن، والذي يمثل حالة طوعية، وبين المفهوم الاجتماعي والسياسي للحرية، التي اقرها الإسلام، وترك الإنسان الفرد والمجتمع يتحملان مسؤولية خياراتهما الحرة، وهكذا رفضوا الليبرالية كونها تعني الحرية، متوهمين أن الحرية هي نفي للعبودية لله، والتي تمثل هي الأخرى خيارا طوعيا كموقف دنيوي مدني، فحتى قضية طاعة الله أو معصيته إنما هي دعوة، أو أمر برفق ونهي برفق من جهة، واستجابة أو عدم استجابة بخيار طوعي، بقطع النظر عما يترتب على المعصية أخرويا، فهذا ليس من شأن العباد، بل من شأن الله وحده الذي يصدر حكمه العادل والرحيم بحق كل إنسان، فشبهة التعرض بين الليبرالية والإسلام شبهة لا تقوم على أساس، ولو تمعن الإنسان في تعريف الليبرالية وكل مفردات التعريف، لن يجد تعارضا حقيقيا.
الوطنية (D: Patriotismus) - (E: Patriotism):
بمعنى حب الوطن الأم، أي عبارة عن تقديس الوطن والانشداد إليه، والعلاقة العاطفية بإنجازات وتقاليد ومجتمع الشعب أو الأمة الذين ينتمي إليهما المرء. يجري التعبير عن الوطنية باحترام رموز معينة (العلم والنشيد الوطني)، وأحداث تاريخية مهمة، ومؤسسات وشخصيات. الوطنية يمكن أن تتخذ طابع متطرفا إذا اتخذت منحى قوميا وشوفينيا.* وأضيف إلى هذا التعريف بأن الوطنية هي تغليب المصلحة الوطنية العامة أي لعموم الشعب فيما هي العلاقات الداخلية بين المكونات الأثنية والدينية والمذهبية والثقافية والأحزاب والتيارات السياسية لذلك الشعب، دون تذويب الهويات الخاصة لتلك المكونات، هذا من جهة، ومن جهة أخرى هي تغليب المصلحة الوطنية الخاصة فيما هي العلاقات الخارجية مع سائر البلدان والشعوب والأمم، دون التطرف إلى المنحى العنصري أو الشوفيني، أو الإخلال بالمواثيق والعقود والالتزامات الدولية، أو لمجموعة من دول تربطها مشتركات أو مصالح أو مواثيق معينة. وفي العراق تعني الوطنية داخليا تغليب مصلحة العراق على المصلحة الخاصة لقومية ما أو دين أو مذهب ما، أو لحزب أو تيار سياسي ما، وتعني داخليا تغليب مصلحة العراق على ما يسمى بالأمة الإسلامية، أو الأمة العربية، أو الأمة الكردية، أو الأمة السنية، أو الأمة الشيعية، وغيرها. وقد اتخذت بعض التيارات موقفا متقاطعا للتوجه الوطني، لاسيما التياران القومي العربي، والتيار القومي الكردي، والتيار الإسلامي، وتيار الطائفية السنية، وتيار الطائفية الشيعية. فبالنسبة للتيار القومي العربي، فإنه قدم الانتماء إلى ما يسمى بالأمة العربية على الانتماء إلى العراق، وظهرت هذه الثنائية بشكل خاص في الصراع الذي احتدم في عهد الزعيم المرحوم عبد الكريم قاسم، وذلك بين التيارين القومي العربي بشقيه البعثي والناصري، والذي كانت رموزه جمال عبد الناصر وعبد السلام عارف وحزب البعث العربي الاشتراكي، والتيار الوطني الذي كان رمزه الزعيم المرحوم عبد الكريم قاسم، وأقطابه الأحزاب اليسارية والوطنية الديمقراطية. وكان الشعار المركزي للتيار القومي هو الوحدة الاندماجية مع الجمهورية العربية المتحدة المتشكلة حينئذ من مصر وسوريا بقيادة جمال عبد الناصر، بينما طرح التيار الوطني مركزية الحفاظ على شخصية الجمهورية العراقية، واستبدال الوحدة الاندماجية بالاتحاد الفيدرالي أو الكونفيدرالي. واستبدل التيار القومي مصطلح الوطن العراقي بالقطر العراقي، وما زال البعض من حيث لا يعون البعد الإيديولوجي لهذا المصطلح يستخدمونه رغم عدم انتمائهم إلى التيار القومي العربي. وهكذا اتخذ التيار الإسلامي موقفا سلبيا من شعار الوطنية، بل اعتبر مصطلح الوطنية (مِلـِّيَّتْ) في أعراف الثورة الإسلامية سُبة يرمى بها المناوئون للثورة الإسلامية. وانقيادا لهذا المنحى ذهبت الأحزاب الإسلامية العراقية إلى تمييز نفسها عن بقية قوى المعارضة، باستخدام ثنائية القوى الوطنية والقوى الإسلامية في أدبياتها وفي المشاريع السياسية التي دخلت فيها مع بقية ما كان يسمى بقوى المعارضة. بل واصلت هذه الثنائية بالتمييز بينها وبين القوى الديمقراطية، فاستخدمت حتى ما بعد سقوط الديكتاتورية ثنائية القوى الديمقراطية والقوى الإسلامية، من غير أن تشعر بأنها إنما تقدم اعترافا بعدم ديمقراطيتها، ولعله كان اعترافا في محله، وإلم يقصد. ولطالما كنت أنبه إلى هذه المفارقة قبل وبعد السقوط، كما انتقدت التيار اليساري لاحتكاره تسمية (القوى الديمقراطية) لنفسه، بحيث عندما كان يستخدم المصطلح، يقصد به قوى اليسار المتكونة من الحزب الشيوعي والتيارات القريبة منه، وهذا كان بمثابة استصحاب استخدام مصطلحات أدبيات المعسكر الاشتراكي، حيث استخدمت صفة (الديمقراطية) كـ (جمهورية ألمانيا الديمقراطية)، و(الشعبية) كـ (جمهورية الصين الشعبية) نعتا لأنظمة كانت في الواقع ديكتاتورية وليست ديمقراطية، وكان واحدها بمثابة نظام الحزب الواحد الحاكم، وليس نظام الشعب. وتقترن الوطنية بالمواطنة كأساس وحيد لعلاقة المواطن بالدولة والمجتمع والسلطة والقانون، ولعلاقة المواطنين ببعضهم البعض، كعلاقة لا تلغي خصوصيات العلاقات الأخرى، بل تتقدم عليها في سلم الأولويات. وراحت بعض الأحزاب الشيوعي في أورپا الشرقية تغير اسمها إلى أحزاب (الاشتراكية الديمقراطية)، كما هو الحال مع ألمانيا الشرقية، إذ غير الحزب الشيوعي الذي كان يسمي نفسه بـ (الاتحاد الاشتراكي) إلى (حزب الاشتراكية الديمقراطية)، في مقابل اشتراكية ديكتاتورية الپروليتاريا. أرجع على الوطنية، لأقول إنها اليوم يجب أن تكون القضية المركزية بموازاة الديمقراطية، ولكن يجب الانتباه إلى ألا يتحول الحس الوطني إلى لون من العنصرية والتعصب تجاه الشعوب الأخرى، وتبني الالتزام ضمنيا بمفهوم شعب الله المختار، كما إنها لا يجب أن تكون على نحو تذوب الهويات الخاصة لمكونات الشعب العراقي، بل أن تبقى الوطنية إنسانية وعقلانية في توجهها.
الأصولية (E: Fundamentalism) - (D: Fundamentalismus):
هو التمسك الرافض للحلول الوسطى بثوابت سياسية أو إيديولوجية أو دينية. المصطلح استخدم لأول مرة من قبل مسيحيين پروتستانتيين في الولايات المتحدة ما بين 1910 – 1915 في نشرة دورية. هذه الحركة الپروتستانتية بلورت أربع (حقائق أساسية) سميت بالأصول (Fundamentales). ومنها العصمة الحرفية للإنجيل، واليقين غير القابل للشك بعدم إمكانية احتواء الإنجيل على أي خطأ، كما ورأت أن أي خروج عن ذلك هو خروج عن المسيحية عموما. هذا المنحى استعير لاحقا من قبل تيارات أخرى دينية وغير دينية. وتتخذ الأصولية الإسلامية أهمية سياسية كبيرة منذ السبعينات، والتي تمكنت من خلال ثورة قادها الزعيم الروحي-السياسي روح الله الخميني في إيران انتهت باستلام السلطة عام 1979، وغدت تلعب دورا مهما في كثير من البلدان الإسلامية. الأصولية الإسلامية تعتبر الإسلام هو القاعدة للحياة السياسية-الاجتماعية. وتجد الأصولية الإسلامية أتباعا بشكل خاص في الطبقات غير المتعلمة. وتـُرعى الأصولية الإسلامية بشكل أساسي من قبل حركة الإخوان المسلمين أو الأحزاب الإسلامية الأخرى، والتي غالبا ما تستخدم العنف الإرهابي وسيلة من أجل تحقيق أهدافها. اكتسبت الأصولية الإسلامية بعدا خاصا بالضربة الإرهابية التي قام بها تنظيم القاعدة ضد المركز التجاري العالمي في نيويورك في 11/09/2001. وفي الهند ومنذ الثمانينات أدى الصراع بين الهند وجارتها المسلمة پاكستان إلى نشوء أصولية هندوسية. وكذلك في اليهودية توجد تيارات أصولية.* [كما وهناك الأصولية السنية، والتي أدت إلى انبعاث أصولية شيعية كرد فعل. وعندما شاع استخدام لفظ الأصولية كنعت لقوى الإسلام السياسي، اعتبر بعض الإسلاميين ذلك مفخرة لهم وليس مثلبة، من جراء خطأ ناتج خلط في الفهم بين الأصولية بالمعنى المذكور، والأصالة، أو بين الأصولية الدينية والأصولية بحسب مصطلح علم أصول الفقه، والذي يرد مصطلح الأصوليين فيه في مقابل الأخباريين عند الشيعة، أو في مقابل مصطلح أهل الحديث عند السنة. بعض اللبس جاء من جراء عدم دقة الترجمة، فالأصولية (Fundamentalism) في اللغات الأورپية مشتق من (Fundament) بمعنى الأساس، وليس بمعنى الأصل.]. ولذا ربما كان ينبغي ترجمتها إلى «الأسسية» بدلا من «الأصولية». المهم الأصولية بما عرفت لا علاقة لها بالإيمان والقناعة والاعتقاد والتمسك. فهذا كله حسب العديد من الأدلة النقلية ناهيك عن الأدلة العقلية يمثل خيارا حرا طوعيا «لا إكراه» فيه البتة، لأن الإكراه مضر بالدرجة الأولى بمهمة الدعوة التي ينبغي أن تمثل هاجس الإسلاميين، أكثر من هدف الدولة. والدراسة الدقيقة لسيرة سائر الأنبياء (ع)، وسيرة نبي الإسلام (ص) وسيرة أئمة أهل البيت (ع) تدلنا على أن هدف الأنبياء لم يكن إقامة دولة دينية، بل الدعوة بالحكمة والموعظة للدين، مع ترك خيار الاستجابة أو عدمها للقرار الحر للمدعوين، ودعوة إلى التوحيد كأساس لفلسفة الدين، وإقامة القسط والعدل من قبل عموم الناس دون وصاية من أحد، هذا إضافة على ما اشتهر عن مدرسة أهل البيت (ع) عن كون إقامة الدولة الدينية هي من شأن الإمام المهدي (ع) حصرا، هذا إذا كان هذا هو هدفه المرسوم له، لأننا نعلم أن هدفه الأساسي هو «إقامة القسط والعدل» محل الظلم والجور، وأنه لا يقيم ذلك رغما عن إرادة الناس، بل كما في الحديث «يرضى عنه أهل الأرض»، ولسنا بصدد مناقشة التكملة بـ «وأهل السماء».
الراديكالية (D: Radikalismus) - (E: Radicalism):
مصطلح لنظريات أو حركات سياسية-اجتماعية قائمة على أساس تلك النظريات تعمل من أجل إحداث تغييرات جذرية للأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية القائمة. من الصعوبة بمكان إيجاد حد فاصل بين الراديكالية والتطرف (Extremismus). الراديكالية نجدها على حد سواء في التيارات اليمينية كالفاشية والنازية وتسمى بـ (Rechtsextremismus) وكذلك في التيارات اليسارية كالشيوعية (Linksextremismus). في القرن التاسع عشر نعت ذوو التطلعات الديمقراطية الذين ناضلوا ضد الاستبداد والأرستقراطية بالراديكاليين.* وظهرت في منطقتنا الراديكالية اليسارية الثورية في التيار الماركسي واليساري عموما في أواسط القرن السابق، كما ظهرت معها الراديكالية القومية، في التيار القومي العربي، وبعدها ظهرت كذلك الراديكالية الدينية في التيار الإسلامي الأصولي. والراديكالية مرفوضة عقلائيا وديمقراطيا ووطنيا وإسلاميا، إذ النصوص كثيرة في تأكيد الوسطية ومنها: «خير الأمور أوسطها»، «وكان بين ذلك قواما»، «واتخذ بين ذلك سبيلا»، «وكذلك جعلناكم أمة وسطا» وغيرها.
التطرف (D: Extremismus) - (E: Extremism):
هو توجه سياسي يتبنى قناعاته الخاصة بأقصى حدود التطرف والتصلب، يستخدم مريدوه العنف ضد مخالفيهم، ويحملون أفكارا معادية للديمقراطية*، ومنه التطرف اليميني (Rechtsextremismus) ذو المنحى القومي غالبا، والمناصر لمصالح الطبقة الرأسمالية عموما، والتطرف اليساري (Linksextremismus) ذو المنحى الأممي غالبا، والنهج الثوري، والمناصر للطبقات المحرومة. ومنه أيضا التطرف الإسلامي (Islamextremismus)، أو الأصولية الإسلامية (Islamfundamentalismus). والـ Extremism يمثل درجة أشد تطرفا من الـ Radicalism.
التوتاليتارية (D: Totalitarismus) - (E: Totalities):
مبدأ للسلطة السياسية يتبنى دعوى حق امتلاك الصلاحيات غير المحدودة للسلطة على المحكومين تمتد لتشمل كل مفاصل الحياة الاجتماعية بل وحتى الشؤون الشخصية للأفراد. هدف التوتاليتارية هو تطبيق نظام قيمي جديد شامل لكل مناحي الحياة. من أهم ملامح التوتاليتارية 1) الديكتاتورية السياسية، مما يشمل حظر تأسيس الأحزاب وعدم وجود انتخابات حرة، عدم وجود مشاركة في السلطة، عدم احترام حقوق الإنسان، عدم استقلالية القضاء احتكار الإعلام للحزب الحاكم أو الجهة المتسلطة. 2) التوجيه الفكري للجماهير. 3) ممارسة الإرهاب تجاه المواطنين الذين لا يخضعون كليا للسلطة الشاملة. 4) تسييس الحياة الخاصة للأفراد.* وهناك مصطلح يقترب من حيث المعنى من التوتاليتارية، وهو الشمولية (Absolutism)، بمعنى السلطة المطلقة المؤدلجة غالبا. وقد تأسست التوتاليتارية باسم كثير من القيم والمثل والإيديولوجيات الدينية والوضعية، وذلك باسم الثورة، والشعب، والجماهير، والوطن والوطنية، والقومية، والدين، والاشتراكية، والطبقة الكادحة، وغيرها.
خاتمة:
واضح أن الإسلامسم (الإسلام السياسي)، الأصولية، الراديكالية، التطرف (Extremism) التوتاليتارية، الاستبداد (Absolutism) الشوفينية، الطائفية، أن كل ذلك يمثل وبالا على الوطن، وعلى الإنسانية، وعلى الدين. كما إنه واضح أن الديمقراطية، العلمانية، الليبرالية، الوطنية، العقلانية، الإنسانية، الإسلام المدني، كل ذلك يمثل خيرا للوطن، وللإنسانية، وللدين. فذاك يؤسس للكراهة، والعداوة، والتعسف، والقمع، والظلم، والاحتراب، والبؤس، وهذا يؤسس للمحبة، والتآخي، والتعاون، والعدل، والسلام، والسعادة، وشتان بين ذا وذا.
*: التعريفات المُعلـَّمة بالنجمة (*) مقتبَسة من مُعجَم اللغة الألماني الشهير (دودن) - (Duden) - مجلد (السياسة والمجتمع) -
(Politik und Gesellschaft)
الدين والتطرف
لماذا نقدي المتواصل لتسييس الدين والمذهب والمرجعية
ليس الهدف من كتابة هذه المقالة التحدث عن الذات، ولا التبرير لمواقف وآراء ذاتية، بل أبغي من هذه المقالة، إزالة ما يمكن أن يكون عند البعض من لبس وسوء فهم، ليس تبرئة لنفسي مما يمكن أن يحوم حولي من شبهات وحالات سوء فهم واتهامات، بل خدمة للأفكار التي أطرحها، لأن الأفكار ليست ملكي، بل هي ملك الواقع الراهن، وملك المستقبل. وهي بلا شك قابلة للنقد والرفض من قبل من ينقدها أو يرفضها، ولكن مع هذا لا بد للفكر الذي يُطرَح للمجتمع وللأجيال من أن يُفهَم كما عناه مصدر ذلك الفكر. وبما أن فهم شخص ذلك المصدر وخلفيته وكيفية تفكيره في الأمور المطروحة من قبله بشكل أكثر دقة ووضوحا، هو جزء أساسي ومهم بل ضروري من استيعاب الفكرة كما أريد لها؛ لهذا رأيت أنه لا بد توضيح بعض ما يمكن أن يكون مُبهَما ولو عند البعض.
وإيضاح آخر رأيته ضروريا، هو إنه لم تكن مقالتي هذه على ضوء تنبيه وردني، كما ولم تصدر من موقع الخوف من شيء، فقد ثبت للداني والقاصي مني، وللموافق والمخالف لي، ممن يتابع بدقة ويتمتع بدرجة من الموضوعية، أني ضحيت بالكثير من امتيازات - ولست آسفا عليها - كان بالإمكان أن أحصل عليها بكل سهولة، مع قليل من المداراة. بل مقالتي تهدف إلى سد الثغرات الممكن وجودها في فهم ما أطرح، لتتكامل جميع هذه المقالات في منظومة فكرية متجانسة، يفسر بعضها بعضا، لتكون الفائدة أعم. ويبقى الكمال غير ممكن المنال في العالم النسبي للإنسان، ولكن الكمال غير ممكن المنال هذا يمكن أن يُتـَّخـَذ قبلة يُولـِّي الفكر وجهَه صوبها، ليستقبلها في صلاة تأملات العقل، متوضئا قبل التوجه بتنزيه الذات عن ذاتيتها ما أمكن، ومستحضرا نية القربة لله، وللموضوعية العلمية ما أمكن، ولإنصاف من يُتـَناوَل بالنقد ما أمكن.
أقول كثرت مقالاتي وبحوثي في النقد لما يمكن أن أسميه بالنقد الذاتي أو المراجعة الذاتية. وأكثر ما تناولته مقالاتي بالنقد، أو بالمراجعة وإعادة النظر، هو:
1. قوى الإسلام السياسي.
2. القوى السياسية الشيعية لاسيما العراقية.
3. المرجعية.
من المؤكد أن البعض يراني تعديت ما لا يجوز تعدي حدوده من الأصل، كما ويمكن أن يرى البعض ممن يتفق معي من حيث الأصل فيما أطرحه، بأني تعديت - لا ما لا يجوز، بل - ما لا ينبغي تعدي حدوده، لا من حيث الأصل، أو كما يُعَبَّر عنه بالعنوان الأولي، بل من حيث الحكمة، التي يتصور هذا البعض أني لم أتقن مراعاة قواعدها، إما لأني مثاليّ في طرحي، لا أعرف كيف أراعي الواقع، ولا أتقن فن المداراة، أو إني لم أستطع أن أقرأ الواقع قراءة دقيقة، وبالتالي أتحدث بلغة لا يفهمها واقع اليوم، بل ربما تكون مكتوبة لأجيال لم تخلق بعد.
إني عندما أنقد القوى السياسية الإسلامية، أو قوى الإسلام السياسي، وأخص بالذكر منها العراقية، لا لأن القوى السياسية العلمانية مُبرَّأة من الأخطاء، ومنزَّهة من النقد، بل لأني شخصت أن أكثر من أربك الواقع في العراق، بل وأربك الواقع في كل العالم، هي هذه القوى. فهي العقبة النكداء أمام مشروع التحول الديمقراطي، الذي يمثل خيار عقلاء العصر، وشرط السلام المجتمعي والسلام الأممي، هذا السلام الذي يمثل ضالة الإنسانية وأملها وحلمها. ولكني عندما أنقد هذا الواقع، أي واقع الإسلام السياسي، أعي وجوب التمييز بين هذه القوى، فمنها التكفيري الإرهابي، ومنها العنفي دون مرتبة الإرهاب، ومنها المتطرف دون مرتبة تبني العنف، ومنها المتشدد دون مرتبة التطرف، ومنها الأقل تشددا، ومنها الواقعي من حيث الأداء، ومنها الموضوعي مع الخصوم، ومنها المعتدل نسبيا، والقليل منها الديمقراطي في العمق وبصدق وقناعة.
والساحة الإسلامية العراقية كغيرها، الشيعية منها والسنية، المشاركة في العملية السياسية وغير المشاركة، تشتمل على كل هذه المراتب. ومن هنا فإني أثمن وأحترم اعتدال الاتحاد الإسلامي الكردستاني مثلا، كمصداق للحزب الإسلامي المعتدل والملتزم بلوازم الديمقراطية. وأقيم الحزب الإسلامي العراقي - أكيدا - بشكل يختلف عن تقييمي لهيئة علماء المسلمين. ثم إني أنظر إلى حزب الدعوة الإسلامية بنظرة تختلف عما أنظر إلى بقية حلفائها في قائمة الائتلاف، المتكونة بشكل أساسي من تيارات الإسلام السياسي الشيعي، وأنظر بالذات إلى رئيس الوزراء المالكي بعين الاحترام والثقة أكثر من بعض قياديين آخرين في نفس الحزب، وأتمنى له النجاح، ليس من منطلق التمني لشخص قد تربطني به بعض أواصر المودة النجاح كـَتـَمَنٍّ شخصي، وإنما لأني شخصت فيه - وأملى ألا يُخَيَّب ظني - ما فيه الإصلاح من خلال مجموعة مواقف له منذ تسنمه مسؤولية رئاسة الحكومة. فهو قد نـَحا منحًا يبتعد عن الطائفية، ويبتعد عن القبول بالتدخل الإقليمي الإيراني والسوري على حد سواء، ويريد إنهاء ظاهرة الميليشيات، إضافة إلى الكثير من مؤشرات النهج الواقعي والعملي والجدي الذي سلكه الرجل. تبقى هناك أمامه عقبات من الداخل، آمل أن يتجاوزها بإتقان فن التنسيق مع الأمريكان، بما لا يلغي استقلالية القرار العراقي، وكذلك بخلق تيار أو تحالف عقلاني نسبيا، وكسب تأييد القوى السياسية من القوائم الأخرى ومكونات الشعب العراقي المختلفة.
أما فيما يتعلق الأمر بنقدي للقوى السياسية الشيعية بالذات، وأقصد تلك التي تهيأت لها مجموعة ظروف تضافرت، لتكون فاعلة ومؤثرة على المشهد السياسي تأثيرا كبيرا ومباشرا؛ فإن تركيزي على نقد هذه القوى، والتي ينتمي معظمها إلى تيار الإسلام السياسي، هذا التركيز وهذا النقد لا يبرئ قوى عَلمانية ابتعدت هي الأخرى عن متبنياتها الفكرية كقوى ديمقراطية، أو يفترض بها أن تكون ديمقراطية، كما لا يبرئ القوى السنية، الإسلامية والقومية، وقد أشرت بالنقد لمثل هذه القوى في مقالات عديدة، ولكن ربما ليس بنفس الكثافة والتركيز والتأكيد، كما فعلت مع القوى الشيعية-الإسلامية. وهذا له ثلاثة دوافع أساسية، الأول هو أن الموضوعية تتطلب ممن يمارس النقد أن يبدأ بنقد الوسط الخاص الذي يَنتـَسِب أو يُنسَب إليه. والثاني لأني أعتقد جازما بأن هذين الفريقين المتداخلين الإسلامي-الشيعي هو من يتحمل المسؤولية بقسط أكبر من غيره عن كل ما آلت إليه الأمور. وثالثا لمعرفتي بأخطاء هذا الوسط أكثر من غيره، كون هذه المعرفة متكونة من تجربة ذاتية، ومعايشة عن قرب مباشر.
ولكن لماذا كل هذه المقالات بين الحين والآخر عن المرجعية؟ ولماذا اعترضت على نعتي بمناوئتي للمرجعية من قبل البعض، وأنا أتناولها بما تناولتها به؟ ثم لماذا هذا النقد، رغم أن المرجعية المتصدية اتصفت في كثير من مواقفها بحس وطني، ونأت بنفسها عن الطائفية، وحاولت بحكمتها أن تخفف من كثير من التوترات. هنا أقول إني عندما أتناول المرجعية، لا أتناولها بشخوصها ومصاديقها، وإنما أتناولها فيما هي كمفهوم، وكواقع، وكتاريخ. وأرى إن إقحام المرجعية في الشأن السياسي على هذا النحو، إنما هو تأسيس لما تخشى عقباه في المستقبل، بفتح باب تسييس المرجعية، والتعاطي معها على أساس تطبيق لمبدأ ولاية الفقيه غير مصرح به، وبالتالي لما يمثله ذلك من شرعنة تسييس الدين، والذي أي هذا التسييس يمثل واحدا من أخطر ما يهدد مشروع التحول الديمقراطي. ثم عندما نـُثـَمِّن مواقف المرجعية - كمصداق عبر تجربة خاصة كالتجربة العراقية الراهنة والممتدة منذ التاسع من نيسان 2003 حتى يومنا هذا، لا يعني أن الانسجام الكلي والمطلق هو المطلوب، وكأنه يمثل فرضا من الفروض الدينية التي لا يجوز شرعا للمتدين تركها، وإلا فيكون آثما كما أشيع، لأن الموقف السياسي للمرجع لا يمثل دينا لا يجوز الخروج عنه. ثم حتى مع فرض أنه يتحول إلى دين، فذلك أمر نسبي لمن يعتقد بأنه يمثل دينا، ولا يكون كذلك للمتدين الذي لا يعتقد بذلك، ناهيك عمن لا يريد أن يلتزم بلوازم التدين كخيار شخصي حر يتحمل صاحبه وحده مسؤوليته دنيًا وآخرة. فالمشكلة تكمن في أني لا يجوز لي - كما يتوهم البعض – أن أعترض أو أشكل على موقف من مواقف المرجعية، حتى لو افترضنا أن نقدي وملاحظتي وإشكالي، قد انطلق كله من موقع الخطأ، لأن من الذي له حق أن يسلبني حقي في أن أفكر فأعبر عما فكرت، فأخطئ في التفكير أو في التعبير؟ ثم من الذي يستطيع أن يثبت لي أنه خُوِّل من الله سبحانه لتحديد الخطأ من الصواب؟ وحتى لو افترضنا أني لم أخطئ في التشخيص، بل خالفت عنادا ومعصية، فمن هذا الذي يمتلك الوصاية عليَّ ليمنعني عن ارتكاب المعصية التي يفترضها، أو معاقبتي عليها؟ وحتى ما يتوهمه البعض في أن فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هي التي تخوله أن يكمّ فمي، أو يكسر قلمي، أو يزجني في سجن، أو يمنع قراءة ما أكتب أو الاستماع إلى ما أقول، أو أن يكفرني، أو يخونني، أو يوصل إلي رسالة تهديد، أو يحاول أن ينفيني خارج الوطن، أو لعله خارج ساحة الحياة، فإن هذا الذي يستند إلى وجوب التزامه بفريضة الأمر والنهي، لم يفهم شيئا قط عن هذه الفريضة، التي لا تتعدى الترويج لما يعتقده الآمر والناهي صوابا، أو النصيحة بأساليب الرفق كما أمر رسول الله (ص). أقولها كما قلتها سابقا، إني إنما أعبر عن حرصي على المرجعية، عندما أريد تحقيق احترامها في عدم زجّها في مضمار السياسة. نعم على مستوى تخفيف التوترات يكون جميلا عندما يبرئ المرجع السنة من جريمة تفجير قبة الإمامين الزكيين (ع) في سامراء. أما أن توكل إليه قضايا سياسية أساسية من قبيل الانتخابات وقوائمها، وقبول الدستور أو رفضه، فهذا ليس مما يحفظ للمرجعية مقامها ومكانتها، بل تكون ضحية من يريد أن يتاجر بها في سوق النخاسة السياسية، ناهيك عن كونه تعارضا حادا مع أسس الديمقراطية الملزمة سياسيا ووطنيا ودينيا كعقد اجتماعي لكل أفراد المجتمع، بما في ذلك مراجع الدين المحترمين.
12/02/2007
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::